الرئيسية / احدث التدوينات / آخر الليل … نزهة في عوالم أتيم سايمون الشعرية

آخر الليل … نزهة في عوالم أتيم سايمون الشعرية

اتيم سايمون

إنتقاء وتحرير: أبو بكر العوض

      هل في آخر الليل يقرأ أتيم اشعاره؟، هل يرتلهاا بصوته المُتعب؟، هل ينظر إلى خطاياه الفاتنة التي اقترفتها روحه؟؛ ليجد أن الشعر قد أصبح طقساً من طقوس حياته، وحياة الكثيرين. ينسج من اللغة كلمات تتوغل فيك، لتهرب معها بالروح إلى الوطن، وتبدأ بالتعلم، أن الوطن لا يعني الاتكاء على جداريات الصمت، وتكبيل الروح بالاتكاء على الاتفاقات المبرمة، والوعود المزيفة. مؤلم أن نتقبل هزائمنا، ولكن مازال بمقدورنا الاحتمال، برأس مرفوع، وعينين مفتوحتين.

 

أمارة القلق:

 

(1)

باغت الحياة بابتسامة،

و أنتظر ثمارها،

على شمس حارقة.

ففي تجويف الحكايات،

ألف بطولة زائفة،

وهتاف متجمد.

 

(2)

مغامرة النفوس،

وله الساسة الضالعين

في انحسارك،

يا صديق

أحمل صليبك،

وأحتفي،

أودع جحيمك يقتفي أثر الهروب،

أشتري شمساً خافتة،

وأدرك ظلك،

قبل المساومة،

النعاس.

 

(3)

أنظُر إليك،

وتألم برفق،

فريثما تجف دماؤنا

على الأسفلت،

أو يمطرنا المجهول،

سنظل قابعين،

في وحل الأعيان،

إلى يوم الخطاب.

 

(4)

اهدأ …

ولا تمض في هذيانك الطويل.

بلادك إمارة القلق،

مأوى الساكتين العظام.

أيقظها

كي لا تدهسها الريح،

فالصامتون طرائد الطيور،

وحرس الوطن.

 

(5)

المكان النافر منا؛

مألوف لقبور يسكنها غرباء،

ولا أثر للقضية.

أنا أستنشق الوسادة،

إذا أنا موجوع.

 

بهو الروح:

      الإنسان يأتي من ظلمة، وينتهى في ظلمة أخري، لولا الضوء بين الأولى والثانية لشعر أنه الجحيم ليس إلا. ليس هدفنا الخلود، لكن العيش بسلام وحرية هي الغاية الكبرى، أن نشعر بإنسانيتنا قبل كل شيء، ونتحرر من الفوضى اللانهائية، ونتجانس، ونضبط رؤيتنا وسلوكنا.

      في بهو الروح، يرقد الأصيل بهدوئه المعتاد، فهو لا يعبأ بالشموس الغاربة، وسذاجة المرائين، حينما تلفظهم البلدة الهاربة، فصفوف الدولار قد ازاحت الوقار قليلاً، مثلما أن المعدمين من السابلة، وكومة مثقفي التماهي، يتسللون إلى شعابهم، بمجرد سقوط الخيط الأول من سقوط الأصيل. وأنا خيط الحياة، المنبثق من عتمة البهتان، والخوف اللامتناه، إياب الناجين، تجربة الموت، يلاحقني غرور الغشاوة، عبر محطات صاخبة ببطولات تمجد الزيف، وشجرة الشاي.

      وما الحرب إلا تباعد ما كان متشابكاً من اياد، واشتياق أخذ يتبدد سهواً في الجهات، يتردد صداه من خلف نافذة اعياها تجسس الأصدقاء الماهرين في تسلق الحوائط العالية، بحثاً عن صبوات غير محققة، ترى منهم آذان اطول من اللامبالاة، واختزال الدروب، لأن اللافتات استعادت لونها  من ذات الابتسامة، والمصافحة النيئة، فهنيئاً للخريف الذي أشترى العشب بكتابة طازجة، مبذولة الحروف، محسورة الكلم، محشوة بالرصاص الحميم.

      لماذا وأنت تجاري الشحوب، تفكر فيما قد يحل بي، وأنا كامل العشيرة التي اختارت أن تنتظر انفراج الأكواخ، والمراحات، بالذبائح والطقوس العتيقة، دعك مني، وأنس العطش، فالكوابيس التي عشعشت فوق مكتبك المكفهر، اسندت شبقها على وسادة بيضاء، وهمهمت بالرشاوي المبللة بعرق القضية، توجساً من انزعاجك الكبير، فالأحلام القومية محفوفة بالاستيقاظ المبكر للجثث.

تحتشد نصوص أتيم بالأسئلة الوجودية القلقة، فهو في حالة نزوح دائما نحو الأنا، لا بتمظهرها ككيان بشري فقط، ولكن بحثا عن كينونتها الخاصة أيضاً، عن وجودها المحايث، عن صراعها مع الحياة. فالهوية في نصوص أتيم تتمحور حول الأنا، ثم تشمل الآخر بعد ذلك، فأتيم يعيش حالة من الإنغلاق المنفتح؛ حيث وهو  يتعمق في ذاته، يحاول أيضاً أن يرى ما هناك، ما يمكن ان يجعل الإحتمال حقيقة.

خارج الجسد:

 

لماذا يصرخ في داخلك هذا الصوت؟.

من أنت؟.

ماذا ترى؟.

بماذا تؤمن؟.

كل هذا الصراخ، ووحدك أنت من تصارع، لا أحد ينصت إليك، حتى الليل، فهو مجرد موت غليظ. بعيداً عن القلب والوطن. أنت في الهاوية المقدسة لعقلك، لذلك لن تجد التوازن، سوف تكون بائساً، مرتجفاً، خارجاً من جسدك، المطل على أرصفة الرصاص.

لاَ تَتنَهَّدْ،

فَالبَرِيقُ المُسَافِرُ فِي عُيونِ الأَطفَال،

الذينَ تَعَلَّقُوا بأَستارِ الأَرضِ،

وَغَادَروا عَلى مَتنِ التَهيُّؤ،

مِنْ مَحطَّة (كُونجُوْ كُونْجُوْ)،

استقلّوا قَاطِرَةَ المُسْتَقْبَلِ و(صَرُّوا) الأحْلاَمَ،

حِينَما أَوْدَعوا دمُوعَهم عرْبُونَاً للنَّجَاةِ،

رَيْثَمَا يَتْأَكَّدُ وُصُولُهُم الجَمَاعِيُّ،

إلى مَكَانٍ مَا خَارِجَ الجَسَدِ.

أَو ليَنْضَمُّوا بِرَغْبةِ الأَقْدَارِ،

إلى صفوفِ الحَزَانَى في (أَجُوْمَانِيْ)،

مَعَ أَنَّ الكَارِثَةَ التِي سَلَقَتهُم،

كَانَتْ مَرْسُومَةً مُنذُ القِدَمِ،

فِي نَشَازِ الإِيْقَاعِ الصَّاِدر مِنْ نَاحيةِ البَلْدَةِ المَنْسِيَّةِ،

عِنْدَ مُلَامَسَةِ عِصِيِّ الأُمَّهَاتِ لأَرْضِكَ،

فِي هَرْوَلَتِهِم نَحوَ الأَمَانِ،

فِي مَدَاراتِ الغُرُوبِ المُبْتَلِّ بِخَيْطِ الصَبَاحْ البَعِيد.

 

     ************

 

(1)

وَيَمضِي عِامٌ آخَر،

مُخَيِّلَتُهُ الشِتَاء،

مُتَساقِط الأَنفَاس،

تَقتاده الخَيبَةَ،

نافذاً بجلده مِنَا.

(2)

والسَّلام حِينِمِا يِحرسُه

حَنِينُ البندقيَّة،

حِرصَاً عَلَيهِ،

تَنَدَلِعُ حُرِوبُ جَدِيدةٌ،

لِبلوغِ غَايَتِه،

وَهَكَذَا نَضِيعُ مِرَارَاٌ،

فِي سَبِيلِ السَلاَم.

(3)

قَد كَانَ حُلمَاً سَخِيفَاً،

أو كما تراءى لَهُم،

لأَنَه عَصِي المَنَال،

لَم يَكُ مُستَحِيلاَ،

آمَنَا بِه،

وَبَعد أَن جَمعَتَنا التَصَارِيف،

سَلَبُونَا المَنَام.

(4)

رَأيتُ فِي دِيِسمبَر العِم ” أُدُوهو”؛

يَحُطُّ لِهُنَيهَة،

تَنقُصَه ابِتسَامَتَه المَألُوفَة،

فَوقُ الضَرِيح،

ثُمَ حَلَق فَارِدَاٌ جَنَاحَهُ،

نَحوَ “الإِمَاتُونج”،

لِيَتلوَ صَلَوَاتِه الأَخِيرَةَ،

على سحائبِ الدُخَان،

رَشِيقَاً كَعَادَتِه،

مغسولاً بماء النضال المُعَتَق.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

تعليق واحد

  1. نزهة جميلة في عوالم اتيم سايمون

أضف تعليقاً