أبي..

239480 (1)

حسين إدريساي :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

هناك خيط مضيء ورفيع يربط بكرة قلبي بأبي !

فكنت كلما هبت رياح الغربة لتجرفني

بعيداً وجدتني أختنق كقرية خاوية على عروشها ..

أبي بقامته الفارهة وطوله المديد الذي كان ينتظرني ليلاً بصدر الباب ليوبخني إذا ماعدت متأخراً ..

أبي بشموخه الفطري وكامل هيبته وعظيم تحنانه ..

أبي ..

أخبروني أنك كبُرتَ قليلاً ؟

ظَهرُك ماض في انحناءه..

ونظاراتك ازدادت سماكة ..

قل تسامرك مع الصحاب ..

وازدادت زياراتك للطبيب ..

بُحّ صوتك ..

والتهبت مفاصلك ..

إمتلأ صدرك بالسعال ..

ورَفّك بالأدوية ..

أهملت لحيتك وشاربيك فأطلقا العنان ..

عيناك صامتتان لكنهما تذرفان الدمع بين الفينة والأخرى ولا أعلم السبب ..

أبي كيف أنت ؟

أتخيلك تصغي لصوت المذياع صافناً في شرود ..

تفكر في أشياء كثيرة ..

لقمة العيش ومرارة الكد ..

الشباب كمكيدة سريعة الإشتعال ..

الحياة بماراثونها المجنون التي مرت كرصاصة طائشة لا تلوي على شيء ..

العمر الشبيه بسنبلة ضخمة تكالب عليها جراد الوقت الشره ..

العمر تلك الرحلة القاسية مابين الحلم والعدم ..

الجسد الفتي الذي لطالما كان عوناً وستراً ..

أصبح عالةً وخيمة ًبالية لا تستر عورة أوجاعك ..

الجسد الموفور صحةً الذي أصبح كيساً ثقيلاً محشواً بدبابيس حادة ..

الشيخوخة وآخر العقوق تلك الطعنة الغادرة في عنق الفراسة ..

أبي كيف أنت ؟

أتذكر عادتي المقيتة تلك ؟

خوفي الدائم والغريب من رحيل الضيوف حال صغري ..

عندما كنت أبكي وأتشبث بتلابيبهم حزناً لدى مغادرتهم منزلنا ..

لازلت أذكر كلماتك المواسية مربتاً على رأسي حينها :

– هون عليك بني ..

نحن ضيوف أيضاً..

ولسوف نرحل ذات يوم !

أنا الآن أفكر في الجملة الأخيرة على سرير الأرق وأرتعد بخوف ..

في هذه اللحظة بالذات !

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً