الرئيسية / احدث التدوينات / أثر الترجمة على الثقافة

أثر الترجمة على الثقافة

5542223bdb4751108815896

بقلم: أسامة الجوهري

اللغة مكون إنساني وهي وسيلة للتواصل  مع الآخرين يتصف بها الإنسان عن سائر الكائنات هناك لغة لدى الكائنات الأخرى لكن اللغة الحقيقية هي بما بها من تركيبات لدى الإنسان تخلف تمامًا عن ما نعرفه عن منطق الطير فاللغة يولد الإنسان وهو مهيأ بها يكتسبها من خلال الجماعة التي يعيش الإنسان بينها وهي أمر معقد . يقول جورج سارتون إن “الكتابة اختراع ثوري” .اللغة هي الوعاء الذي  يحتوي كل التجربة الإنسانية. لم يكن الإنسان ليحرز هذا التقدم بدون اللغة المكتوبة.الكتابة هي الوسيلة التي تم عن طريقها نقل التجربة الإنسانية.وأنا من اشد أنصار أن الله جعلنا شعوبا وقبائل لنتعارف لا ليقتل بعضنا البعض في حروب واختلاف. التنوع سمة الحياة  ومن فجر الحضارة والإنسان يعرف الترجمة ويحتاج إليها ما كان لنا أن نعرف تاريخنا الإنساني بدون أن ينقل لنا عن طريق فك شفرة اللغات القديمة سير الأقدمين وما حققوه من انجازات من خلال الترجمة قد يرى البعض أن هذا أمر مبالغ فيه لكنه عين الحقيقة فما كان لنا أن نعرف الحضارة القديمة إلا من خلال نص مكتوب بأكثر من لغة ،حدث ذلك مع شامبليون وحجر رشيد  وحدث مع لايارد وفك شفرة الكتابة المسمارية.

الثقافة العربية أفادت بالكثير من الترجمات فقد ازدهرت الثقافة العربية بدخول أقوام من غير العرب احتاجوا لمعرفة العربية حتى يفيدوا من الوجود بين ظهراني العرب وينهلوا من ينابيع الثقافة العربية في عصرها الذهبي أيام الدولة الأموية والدولة العربية عندما كان العرب هم حملة مشعل الحضارة فرأينا ابن المقفع يترجم كليلة ودمنة ورأينا الخلفاء العباسيين يهتمون بالترجمة. ليفيدو من الثقافات الأخرى وقد كانت ترجمات سقراط وأرسطو والفلسفة اليونانية الغريب أن العرب هم من نقلوا إلى أوروبا فلسفة الإغريق ليصبح ابن رشد وابن سينا أعلامًا في الفلسفة والطب وغيرها من مناحي الحياة لدى أوروبا، ما كان هذا ليحدث بدون وجود آلية هي الترجمة . وهناك أعلام آخرين غير ابن المقفع كالبيروني على سبيل المثال لا الحصر فقد أتقن هذا العربي اللغة السنسكريتية ليكتب فصول في التاريخ الهندي لم يكن ليعرف عنها العالم شيء لولا جهود هذا العلم الجليل

إذا ما قال قائل ولكن بماذا أفادت الترجمة الثقافة العربية. المعرفة والحضارة تراكمية لننظر ما أحدثته الترجمة من اطلاعنا على الثقافة الأوروبية وبشكل شخصي واعتقد أن هذا هو حال الناس جميعا فمن منا لم يعرف الروايات العالمية وروايات الجيب والترجمات التي قامت بها الجامعة العربية من ترجمات لأمهات الكتب العالمية، أي مثقف لم يقرأ قصة الحضارة لويل ديورانت التي عكف على ترجمته أساطين المترجمين من أمثال محمد بدران وزكي نجيب محمود هل كانت اللغة العربية والثقافة العربية لتكون بهذا الثراء لولا جهود الترجمة والنقل من والى اللغة العربية . من منا لم يقرأ ترجمات مؤلفات جوستاف لوبون في الحضارة أيضا فقد كتب الرجل عن الحضارة العربية بل وتمنى لو أن العرب انتصروا في “بلاط الشهداء”وهي المعركة التي وقف عندها المد العربي الإسلامي بقيادة الشهيد عبد الرحمن الغافقي أمام شارل مارتل .وكتابه “حضارة الهند”.

 لم ينقل العرب عن الإغريق الآداب اليونانية القديمة ولكن نقلوا عن الإغريق والهند علوم الرياضيات والفلك وغيرها من ألوان العلوم لكنهم لم ينقلوا أشعار هوميروس أو ترجيديات يوربيدس واسخيليوس وسوفوكليس ربما لان هذه الآداب كانت تخرج من رحم الدين والأساطير الوثنية.

يمر الزمن وندخل في مرحلة الاستعمارية أو الكولونيالية بعد أن انتقلت شعلة الحضارة للناحية الأخرى من المتوسط ويبحث محمد على عن كيفية إنشاء دولة حديثة ويرسل البعثات ولكي ننقل هذه الحضارة كان لابد لنا من أن نتعلم لغتها ونترجم عنها وهنا نرى دور شيخ المترجمين رفاعة رافع الطهطاوي وتدور عجلة الطباعة في مطبعة بولاق التي جلبها محمد علي ويتم ترجمة وطباعة مؤلفات في شتى مناحي الحياة والعلوم والمعارف وكنت أود أن اعرف تأثير هذه المطبعة بمعرفة بيبلوجرافيا لما تم طبعه من كتب لكن اثر مطبعة بولاق لا ينكر كما عرفت الثقافة العربية الشوام الذين نقلوا مظاهر الفنون والآداب.

عرف الأدب العربي خلال الفترة الاستعمارية أجناسًا أدبية لم تكن معروفة من قبل فعرفنا المسرح والرواية والصحافة والقصة القصيرة والملاحم بل إن منا من برز بين أقرانه ليحصل على جائزة نوبل في الأدب واقصد الروائي العظيم نجيب محفوظ

والآن لأتحدث عن شخصي المتواضع كمترجم فالترجمة كما اعرفها فن والفن هو إبداع شيء لم يكن موجود من قبل ولكن له قواعد وتكنيك خاص به العمل الفني كل مكون من أجزاء . لقد تعلمت الكثير من عملي في مجال الترجمة واكتسبت بعض المعرفة التي قد يحرم منها من لا يعرف لغة غير اللغة العربية.

الترجمة هي تفسير النص يستطيع المترجم الفاهم الجيد للنص أن يقدمه إلى المتلقي بسلاسة طالما كان  ممتلكا لأدواته وعندما ترى النص المترجم مهترئًا ويقفز بك المترجم من سطر إلى آخر أو من فقرة إلى أخرى بصورة مرهقة تعرف أن النص قد غم عليه فكيف تفهم أنت ما لم يفهمه هو بشكل أشبه براكب سيارة في طريق غير معبد مليء بالحفر .وهذا ما يجعل قراءة نص مترجم ممتعة وأخرى تشعر فيها بالمشقة. وأصعب الترجمة هي ترجمة الشعر فترجمة احمد رامي لرباعيات الخيام تعد من أجمل ترجمات الخيام بل وتضاهي ترجمة الانجليزي فيتزجيرالد لأنه شاعر مطبوع يشعر بروح الكلمة ممتلك للغته العربية واللغة الفارسية

آن لي أن اعرف ما كتبته في مؤلفي المعنون “حضارات الأمريكتين” فقد توسعت في القراءة في مجال الاركيولوجي الأمريكية القديمة لأتعلم فنون وتاريخ تلك الشعوب.

لقد تعلمت أيضا من ترجمتي لبعض الكتب التي لم تر النور للأسف إلا أنها هنا في عقلي وعلى أرفف مكتبتي في صورة أوراق تبحث عن ناشر منها كتاب “تاريخ الأديان في الشرق والغرب” كتبه دكتور في جامعة ليفربول متخصص في مقارنة الأديان. اخبرني الناشر انه لم يستطع نشر الكتاب لأن الناشر البريطاني طلب حقوق التأليف الملكية الفكرية بمبلغ كبير لم يكن ليستطيع إيجاد هذا المبلغ ولا اعرف مدى صدق هذه الرواية. الحقيقة أن دار النشر تلك لم تترك لي نسخة من هذا العمل لأني كنت أسلمه الترجمة فصلًا فصلًا لتكتبه السكرتيرة على الكومبيوتر لأني كنت وقتها اكتب بخط يدي. ولم يكن لدي كومبيوتر من الأصل

ازددت معرفيا أيضا بترجمة كتاب “تاريخ الفن الغربي” لمؤلف أمريكي وهو يتناول الفن الغربي من إنسان الكهف في أوروبا والغريب انه ادخل فنون العراق ومصر والشرق الأدنى كأصول للفن الغربي .  وسبب عدم رؤيته للنور هو أن الناشرة لم تستطع نشره لأنه كتاب كبير وهي لا تؤمن بنشر الكتاب على جزأين كما أخبرتها حلا لهذه الإشكالية.

وقد قمت بترجمة كتاب لم ير النور أيضا في مجال التصوير السينمائي وهو كتاب “سادة الضوء” وهنا أتعامل مع البيروقراطية في هيئة الكتاب فالأستاذ الفنان وهو مخرج سينمائي “نشف ريقي” رغم أني كنت قد وقعت عقدا معه وكان الكتاب مكون من 15 فصل أو يزيد كل فصل منها يتناول مصورًا سينمائيًا من كبار المصورين السينمائيين من أنحاء العالم .والكتاب من مكتبة المصور السينمائي المصري شيخ المصورين السينمائيين الأستاذ “سعيد الشيمي” وهو رجل دمث الأخلاق .

أما الكتب التي ترجمتها للمركز القومي للترجمة فهما كتابين “فن الاستمتاع بالفن “وهو كتاب يمنح القارئ بالفعل ما هو مكتوب على غلافه كيفية الاستمتاع بالفنون البصرية وكيف تعرف الفن.ورغم انه كتاب قديم اشتريته من احد الوراقين في سور الازبكية إلا انه كتاب لا يفقد أهميته على مر العصور بل ازعم انه كالنبيذ المعتق له مذاق خاص. وقد نفذت طبعته بالكامل.

واحدث كتاب ترجمته وصدر العام الماضي بعد نشفان ريق هو كتاب التنوع والمجتمع وهو كتاب في علم الاجتماع.

وهناك كتاب آخر كما يقول النجم يحيى شاهين “بضاعة أتلفها الهوى” وهو كتاب بعنوان “الطيور الجارحة ” وهو في أنواع الطيور الجارحة وقد كنت غرًا فقد سلمت له الكتاب والترجمة بخط يدي ولم اسلم له صورة من الكتاب.

لم يخل سبيلي في الترجمة من بعض الطرائف  فقد ترجمت ورقة لأحد محال  بيع النظارات في اليمن  وكانت  العدسات اللاصقة في بدايتها أواخر الثمانينات، لم اطلب من صاحب المحل أي اجر لهذا الكتالوج الذي كان صفحة واحدة تبين كيفية العناية بالعدسات اللاصقة فما كان منه إلا أن عزمني على طعام الغداء وقد كانت سمكة  تناولتها معه وكنت في تعز .كما اشترى  لي تذكرة سينما.وفي اليمن أيضا كنت أترجم لبحار يمني أوراق البنشن المعاش لأنه كان يعمل على مركب انجليزي وخرج على المعاش كان سخيا معي والطريف انه في إحدى المرات عندما مرت سيارة الدجاج اشترى دجاجًا ثم ألقى باثنتين بجانب قدمي وعندما نهضت لأعود إلى مسكني قال لي “شل الدجي حقك” وبعد حلفان عدت للسكن وأنا احمل الفرختين وكانت وليمة مع المدرسين زملائي في السكن.

هذه بعض من رحلتي كمترجم

 

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة