الرئيسية / احدث التدوينات / أجسَادٌ مُقتَنَصَةٌ

أجسَادٌ مُقتَنَصَةٌ

human-organs (2)

     قرأت هذه القصة في جريدة وجدتها ملقاة بالقرب من مطعم، كانت ملفوفة بإحكام لكنها كانت فارغة من الداخل، تصفحتها بعد تناولي سندويتش طعمية، وتقيأت بعدها، ذلك الشئ العفن بداخلها دفعني إلى طيها و تمزيقها كمعدة كلب ثم رميتها بعيداً.

     بإمكانك تسميتنا بالهاربين، نحن بإنتظار مراكب الإسكندرية الصدئة لنعبر المتوسط، طالت الفترة التي قضيتها في مصر كشخص ذو نية للهجرة غير الشرعية، تحصلت على الأموال التي في حوذتي من والدي، دفعتُه لبيع حيازته من أراضي محصول السمسم، أخبرته بأن الأمر سهل، إلا أن فترة إنتظاري في مصر طالت، ويبدو أن المتوسط قد شبع من جثث الأخرين، ولا يرغب فيَّ، حتى كجثة طافية. كثفت الشرطة المصرية من مراقبتها للساحل، اليوم أنهيت إفطاري وتقيأته، صرِتُ الأن متردد وقلق بسبب ذلك العنوان اللعين بجريدة مرمية: جثث بلا أعضاء.

     ﻣﻦ ﻧﻮﺍﻓﺬ ﺍﻟﺸﻘﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻄﺎﺑﻖ ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ ﺧﺮﺟﺖ ﺍﻟﺮﺍﺋﺤﺔ ﺍﻟﻌﻔﻨﺔ ﻓﻲ ﺣﻲ ﺍﻟﻔﻴﺼﻞ، ﻭﺗﻢ ﺍﻹﺗﺼﺎﻝ ﺑﺎﻟﺸﺮﻃة، ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻤﻔﺎﺟﺄﺓ ﻋﺪﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺜﺚ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﻠﻠﺖ، ﺳﺒﻌﺔ ﺳﻮﺩﺍﻧﻴﻴﻦ ﻭﺑﻴﻨﻬﻢ ﺻﻮﻣﺎﻟﻴﻴن!، ﻭﺗﻢ ﺳﺮﻗﺔ ﺃﻋﻀﺎﺀﻫﻢ ﻭﺍﺣﺪ ﺗﻠﻮ ﺍﻵﺧﺮ، ﻭﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﻛﺒﺪ، ﻭﻻ ﻗﻠﺐ، ﻭﻻ ﻛُﻠﻰ، ﺩﺍﺧﻞ ﻛﻞ ﺍلجثث ﺍﻟﺘﻲ ﻣﺮَّ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺃﻳﺎﻡ. أما تلك الجروح المخيطة بدأت بالتفتح، كانت أجسادهم ملقاة كدُمى دببة يظهر القطن من بطونها الممزقة.

     لقد تذكرت، أظن أن الخبر لم يكن بتلك المأساة، أظنه خيالي المريض، ربما كانوا في زيارة عادية لعيادات أطباء طيبون، أو يمتلكون من النية الطيبة لوهب الأخرين زوائدهم العضوية، قد يكونوا أكثر حِنية، ويمتلك الواحد أكثر من قلب، أو كبد، لذلك بكرم السودانيين قرروا منحها لأخوتهم.

     في اللحظة التي سأخبرك فيها أن تتوقف، ستتوقف، وتنسى ما أخبرك به، أنا أيضاً مقاول، ولكن من نوع خاص، تخصصت في إحضار من تقطعت به السبل، مثل حالتي، بعدما إنقطعت أموالي وبعت إحدى كليتي، أخبرهم فقط بمكان العيادة، وآخذ ما أقتات به لشهر، لحين عودة القوارب، فصل الشتاء يجعل البحر مكنسة ضخمة لقوارب الهروب، تلك الكلى ذات اللون القاني غالية، ونحن نستطيع العيش من دونها، الكثير من مروا عبري، استطاعوا الوصول لأوربا، برغم عوزهم، بكلية واحدة فقط.

      في الحقيقة لا أستطيع أن أجزم بأن الجميع يسافرون، فمرة دخل محمد الفوراوي تلك الغرفة بائعاً كلية واحدة، وخرج فاقداً لكليته، وجزء من كبده، لم ينتبه للأمر، إلا عند وصوله للدنمارك، أظنه سبني ولعنني، ههه ويود قتلي، لكنه قبض مبلغاً كبيراً من العائلة المصرية.

      مرة حاول خمسة عشر شاب سوداني الهروب لإسرائيل، واتفقوا مع شيخ من عرب سينا، في الليل وضع لهم المنوم، وعند الصباح إستيقظوا في الصحراء، كادت أصوات مايكروفونات أن تصم أذانهم، لكنهم كانوا فزعين، ركضوا، تناثروا في تلك الرمال يتعقبهم رصاص حرس الحدود، كانت الرصاصات تخترقهم، وتخرج من الجانب الآخر، كأكياس نايلون، بينما أخذت الريح تطير أجسادهم، بإتجاه الرياح الشمالية الشرقية الباردة، المتجه نحو تل أبيب.

      لم تغادر مجموعة شقة حي الفيصل المدينة، لم تستوعبهم القوارب بعد، ولم يصيروا جزءاً من مخيلة الصحراء، أو سرد رشاشات حرس الحدود.

      كان عميلهم يونس المصري من طرف المشتري، ومن طرف البائعين أدم أبكر، أما كيف التقوا؟ فقد كان قبل أسابيع، في ميدان سليمان جوهر بحي الدقي. الساعة الثامنة صباحاً، مجموعات من السودانين تجوب الميدان، يتواجدون بكثافة عند القهاوي، إقترب منا الشيخ يونس، كان وجهه أبيضاً، تحيط به ذقن دائرية، وبحاجبين كثيفين، تفرس وجوه الأشخاص الجالسين، ثم جلس واضعاً يديه حول كرشه، والتفت ناحيتي، كنت بجواره تماماً حين همس: “السودانيين أجدع ناس و اللاي”. حينها ضحك أحد الشباب بجوارنا، وزاد الحوار استفزازاً حين امتعض وقال: “الحلبي الخول دا شِن داير؟ أظنه كان توقيتاً مثالياً حين حضر القهوجي بمريلته المتسخة، وطلب البعض قهوة وشاي. لم يُعر الشباب ذلك الرجل أية اهتمام، إلا بعد أن عقب بجملة: “ياض حساب الشباب دول خالص”. استنكرتُ فعلته تلك وقلت: “بإمكاننا الدفع”، حينها التفتَ، ونظر إليَّ وقال: “نحنا اخوات، اذا إحتقتوا لحاقه أولو لي”. لأيام تلت كرر فعلته تلك، إرتحنا له قليلاً، وبادرناه الفضفضة، يومها همس في أذني: “تبيعوا صفاية و له لمبه؟!”. تلت تلك الأيام فترة سيئة، لم أكن أملك فيها ما أقتات عليه، وحينها قررت التوجه إليه، فأعطاني المال الكافي.

       شلة حي الفيصل، ثلاثة منهم كردافه، واثنان من قبيلتي، واثنان من منطقة الجزيرة، وصوماليين، كنا في إنتظار المركب “فرج” ، ولما كانت أمواج البحر تتلاطم وفي أوجها، لم يكن ثمة مفر .

       أنا آدم أبكر، وكل ما يقوله جيران الشقة حول عواء سمعوه من الشقة، وعن كلاب ناوشت بعضها ليلاً هو كذب، حتى تلك الجروح الجانبية في خصورهم لم تكن مفتوحة، لقد أجروا العملية بخير، الدكتور والشيخ يونس المصري أخبراني بذلك في الهاتف، قد يكونون نيام، لكنني أقسم أن سندويتش الطعمية بسلطة الخضار تحول إلى كبد، وأمعاء بشرية ملفوفة بداخل قطعة الخبز، لم أستطيع مضغها، وتقيأت جلداً من بطني.

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان