أحد هذه الإيام

14808824_1587819017910335_761067435_o

 

 

• تأليف : غابرييل جارسيا ماركيز
• ترجمة : صالح علماني

بزغ فجر الاثنين فاترًا وبلا مطر. وفي السادسة ، كان أوريليو أسكوفار – وهو طبيب أسنان من دون شهادة علمية، ومبكر في استيغاظه، يفتح عيادته. أخرج من الخزانة الزجاجية طقم أسنان اصطناعية، مازالت موضوعة في قوالبها الكلسية، ووضع على المنضدة حفنة من الأدوات مرتبًا إياها حسب حجمها كما في معرض. كان يرتدي قميصًا مخططًا بلا ياقة مغلقًا عند العنق بزر مذهب، وبنطلونًا مثبتًا بحمالة مطاطية. كان متصلبًا، نحيفًا، له نظرة نادرًا ما تتلاءم مع الحال، مثل نظرات الصُّم.
عندما صارت الأدوات جاهزة على المنضدة، أدار المثقاب ناحية الكرسي ذي النوابض، وجلس ليشذب طقم الأسنان الاصطناعية. بدا كمن لا يفكر في ما يفعل، شارد الذهن، لكنه كان يعمل بعناد، ضاغطًا بقدمه على دواسة المثقاب، حتى عندما لا يكون بحاجة إلى تشغيله.
توقف عند الثامنة لينظر إلى السماء من خلال النافذة، ورأى نسري رخمة ساهمين يجففان ريشهما تحت الشمس على قمة سطح البيت المجاور. عاد إلى عمله وقد استحوذت عليه فكرة أن المطر سيعاود الهطول قبل الغداء. صوت ابنه المضطرب ذي الإحدى عشرة سنة، أخرجه من وجومه..
ـ بابا.
ـ ماذا ؟
ـ العمدة يسأل إذا كنت تريد أن تقلع له ضرساً.
ـ قل له بأنني غير موجود.
كان يصقل سنًا ذهبية. أبعده عنه على امتداد ذراعه، تفحصه بعينيه نصف المغمضتين. ومن غرفة الانتظار الصغيرة، صرخ ابنه ثانية.
ـ يقول أنك موجود، لأنه يسمعك.
واصل طبيب الأسنان تفحص السن. وبعض أن وضعه على المنضدة مع أعماله الناجزة، قال:
ـ هذا أفضل.
أعاد تشغيل المثقاب، ومن علبة كارتونية صغيرة، يحتفظ فيها بالقطع التي عليه انجازها، أخرج جسرًا من عدة أسنان، وبدأ يلمع الذهب.
ـ بابا.
ـ ماذا؟
لم يكن قد طرأ أي تبدل على ملامحه.
ـ يقول إنه سيطلق عليك رصاصة إذا لم تخلع له الضرس.
ودون تعجل، بحركة هادئة إلى أقصى الحدود، توقف عن تحريك دواسة المثقاب، وأبعده عن الكرسي، وفتح درج المنضدة السفلي، وكان هنالك مسدس. قال:
ـ حسن، قل له أن يأتي ويطلق الرصاصة عليّ.
أدار الكرسي إلى أن صار في مواجهة الباب، ويده مستندة على حافة الدرج. ظهر العمدة عند العتبة. كان قد حلق خده الأيسر، أما الخد الآخر، المتورم الموجوع، ففيه لحية لم تُحلق منذ خمسة أيام. رأى طبيب الأسنان في عينيه الذاويتين، ليالي يأس عديدة، فأغلق الدرج برؤوس أصابعه، وقال بعذوبة:
ـ اجلس.
ـ صباح الخير – قال العمدة.
ـ صباح الخير – قال طبيب الأسنان.
وبينما كانت الأدوات تغلي، أسند العمدة جمجمته إلى مسند الرأس في الكرسي الخلفي وأحس بتحسن. كان يتنفس رائحة جليدية. وكانت العيادة بائسة: كرسي خشبي عتيق، والمثقاب ذو الدواسة، وخزانة زجاجية تحوي قناني السيراميك. وقبالة الكرسي توجد نافذة لها حاجز يصل إلى ارتفاع قامة رجل. عندما أحس العمدة باقتراب طبيب الأسنان، شد كعبيه إلى الأرض وفتح فمه.
حرك دون أوريليو أسكوفار رأس العمدة باتجاه النور. وبعد أن فحص السن المنخورة، أطبق الفك بضغط محترس من أصابعه.
ـ لا بد من قلعه دون مخدر.
ـ لماذا؟
ـ لأن فيه خرّاجاً متقيحاً.
نظر العمدة إلى عينيه.
– لا بأس _ قال محاولًا أن يتبسم. ولم يرد له طبيب الأسنان الابتسامة. حمل إلى المنضدة طست الأدوات التي كانت تغلي، وأخرجها من الماء بملقط بارد، وهو لا يزال غير متعجل. ثم دفع المبصقة بطرف حذائه، وذهب ليغسل يديه في حوض الماء. فعل ذلك كله دون أن ينظر إلى العمدة، لكن العمدة لم يرفع بصره عنه.
كان ضرس عقل سفلي. باعد طبيب الأسنان ما بين ساقيه، وأمسك السن بالكلاّبة الساخنة. تشبث العمدة بذراعي الكرسي، وركز كل قوته في قدميه. وأحس بخواء جليدي في كليتيه، لكنه لم يطلق أنّة واحدة. حرك طبيب الأسنان معصمه فقط. وقال دون حقد، بل برقة مريرة:
ـ ستدفع لنا الآن ثمن قتلانا العشرين أيها الملازم.
أحس العمدة بطقطقة عظام في فكه، وامتلأت عيناه بالدموع. لكنه لم يتنهد إلى أن شعر بخروج الضرس، عندئذ رآه من خلال الدموع. بدا له غريباً جداً عن ألمه، حتى أنه لم يستطع فهم عذابه في الليالي الخمس الماضية. وبينما هو منحن فوق المبصقة، متعرقاً ولاهثاً، فك أزرار سترته وبحث بالتلمس عن المنديل في جيب بنطاله. قدم له الطبيب خرقة قماش نظيفة.
ـ امسح دموعك_ قال له.
فعل العمدة ذلك. كان يرتجف. وبينما الطبيب يغسل يديه، رأى السقف المثقوف وشبكة عناكب معفرة بالغبار وفيها بيوض عنكبوت وحشرات ميتة. رجع الطبيب وهو يجفف يديه. وقال:
ـ استرح في الفراش، وتغرغر بماء مالح.
نهض العمدة واقفاً. وودع بتحية عسكرية متهاوية، واتجه نحو الباب وهو يشد ساقيه، دون أن يزرر سترته.
ـ ارسل لي الفاتورة_ قال.
ـ إليك أم إلى البلدية ؟
لم ينظر إليه العمدة. أغلق الباب وقال عبر الشبكة المعدنية:
ـ إنهما اللعنة نفسها.

روائي وصحفي وناشط كولومبي

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة