الرئيسية / احدث التدوينات / أحلام عازف الليل

أحلام عازف الليل

m5i9403

بقلم : صالح شوربجي

الجسر الممتد على النهر مثل غماط طفل غريق أوشك الليل أن يمحي أثره من عيون الصبح الأخير.كان عبارة عن متحف فني رائع بأعمدته الحجرية والمدعمة بالحديد الصلب. تجسد فراغاته أماكن عرض ممتازة للوحات افتتن الموت بها.

أطلق ضحكته في الريح التي تنبح مثل كلاب تجر على أعناقها المنتفخة من رداءة الطقس وجودة الطعام سلاسل مربوطة بإحكام على كتل من الجليد.لوحات صامتة متخيلة وحقيقية لأناس فضلوا أن يسخروا بطريقتهم من الجسور.لقد كان بإمكانهم أن يفتتنوا بالمكان في تخيلاتهم المفترضة عن الموت بصورة أكثر جلافة ،لذلك كان يحرص بمجرد وصوله على تفقد الجسر بأعمدته الخمسة عشر.يمارس هذا الطقس منذ عشرة سنوات حتى انه أصبح بإمكانه أن يدخر بعض المال الذي كان يقوم بصرفه لأجل شراء تذكرة لمشاهدة بعض الأعمال الفنية التي دائمًا ما يحرص على مشاهدتها بل ولمسها بخفة كأنه يحاول أن يعرف أين استوت مهارة الفنان في ذاته.بصيرته التي قاوم بها الفتنة في لوحات الجسر الصامتة.كان هذا الصمت يساوي مبلغًا لا بأس به يمكنه بالكاد من شراء أوتار جديدة للكمان الذهبية العتيقة . بالإضافة إلى شراء القليل من الطعام له ولقطته الوحيدة.في بداية اليوم يجلس ليراقب الجسر من مكانه. يحصي الغرباء وسكان المنطقة في استغراق مهيب.ينهض عند غروب الشمس من مكانه بعد أن يشعر باستواء فراغه العاطفي من الناس.يكتب نوتته الموسيقية في هدوء بينما تنبعث من جهاز تسجيل موجود بجواره دائماً أصوات خربشات وطقطقات أحذية لأناس يسيرون مسرعين وبعضهم يركضون بينما ترافقها أصوات أبواق سيارات وباعة جائلون وأمواج تصطدم بالحيد البحري في تناغم رتيب.

الناس في نومهم الأخير لا يتذكرون سوى إحساس أطرافهم.ينتهي من كتابة النوتة التي سيقوم بعزف جزء منها في مكان معين في الجسر.يخرج من بيته عبر طريق البحر يمشي على الرصيف يتأمل وجوه العابرين.يصل إلى الجسر عند المغيب لا احد يتأمل النهر في هذه الساعة إلا إنسان ضاق عليه الحذاء.!

الأحذية لا تحظى بالاحترام الكافي في هذا الجسر.عندما يقفزون إلى المجهول لماذا لا يتركون متعلقاتهم الشخصية الأخرى.بطاقاتهم الشخصية. صور نساء جلن في حياتهم لم يفتحن في شرفات عمرهم زهرة.يتركون ذاكرتهم و يرحلون حفاة. تاركين أحذيتهم على أرصفة الإسفلت. عرايا منذ أن ولدتهم الحياة.

كان صوت الأقدام الكثيرة يزحف ببطء فوق الأوتار النافقة على رقبته منذ أن عرف أن الموسيقى في عمره كله لم تتجسد بهذه الروح الباهية.استغرق في رهبة الصوت الآتي من لجة بلا قرار.فار النهر شهقة واحدة ثم همد مثل تمساح جريح.تكبدت أطرافه هزيمة الولوج إلى فواصل الحكايات التي بعثها الصوت للحياة.أناس تركوا أحذيتهم خلفهم وقفزوا إلى المجهول لأجل رقصة أخيرة صامتة.

انتبه:

إن الأحذية لا تطوق أجسادنا لتحميها من الموت.إنني امتهن عزف الموسيقى بعمر هذا الجسر ولم احلم بلحظة مجيدة لأطل منها على الموت بابتسامة ساخرة إلا في هذه الأحذية.

آخر تصريح له لصحيفة محلية قبل أن يقفز إلى النهر منهيًا حياته من غير أن يترك حذاءه.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة