الرئيسية / العدد السابع والثلاثون / مختارات من خطابات نوبل

مختارات من خطابات نوبل

mario-vargas-llosa2-300x266

ساره النور :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

صدقاً لم أترقب أخبار جائزة نوبل يوماً ولم أسائل نفسي عنها كثيراً.. ففى مخيلتى رسمت هكذا “نوبل هى نوبل”.. أنظر إليها كحدث جميل وشرف يناله قله من المحظوظين فى هذا العالم.. صادف أن كان من بين هؤلاء القله من أعرف.. ومعرفتى المحدوده عنها صورتها لى كأمر بعيد ربما حتى لايعنينى كثيراً.. فلم أجدنى يوماً أقرأ شيئاً عنها أبعد من تلك المعلومات الصغيره المخزنه فى ذاكرتى منذ الصغر “نوبل مخترع الديناميت، ليكفر عن ذنب صناعة ماده ساهمت فى الحروب، قرر أن يعطى جائزه سنويه لكل من يقدم شئ فيه خير لهذه الأمه” هكذا كانت هى المعلومه فى رأسى لم أشكك فيها ولم ابحث لها عن تحقيق..

أبعدنى عن هذه المعلومة الأسطوره القابعه فى داخلى سؤال لصديقى ورئيس تحرير مجلة جيل جديد حين سألنى يوماً “ألك إهتمام بنوبل؟” فقلت مازحه “إهتمام بمعنى أن أكسبها يوماً ما!” فابتسم قائلاً “لما لا.. إن شاء الله” فقلت ضاحكة “إذن هو أمر يستحق الإهتمام”

كان ذلك مدخلاً لعالم نوبل.. لعالم الأكاديميه السويديه.. فقد كان حوارنا عن تقرير تقدمه مجلتنا -جيل جديد- لقرائها تعريفاَ بنوبل مع إحتفاليتها التى ستكون فى أكتوبر هذا بإذن الله.. فتح لى ذلك نافذه إلى معرفه جديده.. كم هو جميل أن نقرأ لنعرف.. أن نتفحص ماقال الأخرين فتأخذنا كلماتهم إلى عوالم أخرى.. أنا فى مقالى هذا أود أن أخذكم فى رحله مختاره فى إحدى زوايا هذا التقرير.. لنبحر معاً نحن ونوبل الأداب.. فنقف عند شواطئ بعض هؤلاء الذين نثروا كلماتهم فى فضاءاتنا فأمتعونا.. كيف هم والعالم يحتفى بهم.. ماذا قالوا حين كان عليهم القول.. فالأكاديميه السويديه المعنيه بجائزة نوبل تلزم الحاصلين على الجائزه بإلقاء محاضره أو خطاب اثناء إحتفالية توزيع الجوائز .. أو بعد ذلك بوقت وجيز.. على ان يكون مضمون المحاضره يتفق والمجال الذى أعطيت فيه الجائزه..

بدأت رحلتنا مع ماركيز ذلك العبقرى الذى أمتعنا بخياله الواقعى الطاغى.. بسرده المفعم بالحياه أخذنا إلى قلب أمريكا اللاتينيه.. لنقرأ الشبه بين عزلتهم وعزلتنا.. كان فوزه بجائزة نوبل فى عام 1982.. وجاءت محاضرته بمناسبة الجائزه حاملة جوهر رسالته.. فكان عنوان المحاضره “عزلة أمريكا اللاتينيه”.. اخذت وقتاً طويلاً بين طيات كلماته مابين الوجع والأمل.. مابين حق الحياه ومافرضته الحياه.. كم كان رائعاً صائباً.. فتراه فى إحدى الفقرات يقول “أمريكا اللاتينيه لاتريد، ولايوجد سبب، لتكون رهينة من غير إراده خاصتها… لماذا نعتقد أن تلك العداله الإجتماعيه التى حارب من أجلها الأوربيون فى بلدانهم.. لايمكن أن تكون هدفاً لأمريكا اللاتينيه بطرق مختلفه لإختلاف البيئه؟” سائقاً أمل الشعوب الغارقه فى معارك الحياه مواصلاً “لا.. ان العنف والألم الذى لايحصى فى تاريخنا نتاج ظلم ازلى ومرارات مسكوت عنها.. وليس مؤامره حِيكت على بُعد ثلاثه ألف فرسخ من ديارنا”.. وقفت هنا مأخوذة بما يرسمه التاريخ بين المستضعفين فى الأرض من شبه..

دعونا نقفذ هاهنا بالتاريخ إلى عام 1988.. إلى شهادة لغة الضاد فى مأدبة الكلام.. إلى نجيب محفوظ عملاق الحكايا.. ببساطة الكلمه وواقعية السرد.. أهدانا حضوراً هناك بخطابٍ لم تسعفه صحته على إلقائه فكان ناطقاً بحاله على لسان غيره.. يقول فى بداية خطابه معرفاً نفسه “أنا قادم من عالم ينوء بالديون، ينوء بالفقر والمجاعة، والنّبذ والحرمان من أي حق من حقوق الإنسان في عصر حقوق الإنسان! أجل كيف وجد الرجل القادم من العالم الثالث فراغ البال ليكتب قصصاً؟ ولكن من حسن الحظ أن الفن كريم عطوف، وكما أنه يعايش السعداء فإنّه لا يتخلّى عن التعساء”.. هكذا طالما نطق أرباب القلم بما يجيش فى نفوسنا..

ومن باب إشتباه الأحوال يقول نجيب محفوظ “ولعلّي لا أتجاوز واجبي إذا قلت باسم العالم الثالث:لا تكونوا متفرّجين على مآسينا ثم إنكم من موقع تفوّقكم مسؤولون عن أي انحراف يصيب أي نبات أو حيوان فضلاً عن الإنسان في أي ركن من أركان المعمورة!” أرجعنى ذلك لمقولة فى خطاب ماركيز “التضامن مع أحلامنا لن يجعلنا نشعر أننا أقل وحده.. مادام هذا التضامن لم يترجم إلى أعمال ملموسه تدعم حق الشعوب التى تتوق إلى عيش الحياه”.. ولم يكن الشبه فى خلفية المجتمعات المطحونه التى ألهمت الكاتبين.. ولا حتى فحوى الخطاب الموجه لقادة العالم الأول فقط.. بل إشتركوا فى خواتيم الأمل التى ذيلت خطاب كل من الأديبين.. فنرى ماركيز يُحمل نفسه والكتاب مسؤولية الأيمان بواقع أجمل فيقول “نحن مخترعى الحكايات.. نؤمن بأى شئ.. أشعر بأنّا ملزمين أن نؤمن بأنه لم يفت بعد الأوان للمشاركه فى صناعة مدينه فاضله معاكسه.. حيث لا أحد يحدد للآخرين كيف يموتون.. حيث الحب هو الحق.. والسعاده ممكنه.. حيث تلك الأعراق التى حُكم عليها بمئة عام من العزله.. ستحظى أخيرا بفرصةٍ أخرى على هذه الأرض”.. ويختم نجيب محفوظ خطابه أيضاً بصوت الأمل إكسير الحياة الذى نستقى منه جميعاً “رغم كل ما يجري حولنا فإنني ملتزم بالتفاؤل حتى النهاية.. لا أقول مع الفيلسوف (كانت) أن الخير سينتصر في العالم الآخر فإنه يحرز نصراً كل يوم.. بل لعلّ الشر أضعف مما نتصور بكثير وأمامنا الدليل الذي لا يجحد.. فلولا النصر الغالب للخير ما استطاعت شراذم من البشر الهائمة على وجهها عرضة للوحوش والحشرات والكوارث الطبيعية والأوبئة والخوف والأنانية.. أقول لولا النصر الغالب للخير ما استطاعت البشرية أن تنمو وتتكاثر وتكوّن الأمم وتكتشف وتبدع وتخترع وتغزو الفضاء وتعلن حقوق الإنسان!”.

**

مازلنا على شواطئ الأدباء وهنا نتكئ على شاطئ أسبانيا.. حيث يقول الكاتب ماريو بارغاسي يوسا “ثمة رعشة مماثلة تنتاب القارئ أكان يعبد بوذا أو المسيح أو الله أو حتى إن كان ملحداً. أكان يرتدي سترة وربطة عنق أم كان يضع جلابية أو كيمونو أو بومباشاس. يخلق الأدب أخوة في قلب التنوع الإنساني ويزيل الحدود التي يصطنعها بين الرجال والنساء الجهل والإيديولوجيات والأديان واللغات والحمق”.. يوسا الذي نال جائزة نوبل في عام  2010.. قال كلماته تلك مخاطباً الحضور بالاحتفالية لنعلم أننا تحت مظلة الحكايات مجتمعون.. لم يقل يوسا في محاضرته سوى ما يحمله عالمنا اليوم من أسى العنف والتعصب.. وربما كما قال ماركيز صُناع الحكاية ملزمين بالإيمان هاهو يوسا يقول “الحياة الحلوة والمتكاملة التي صنعها الأدب، تلك الحياة التي لا يمكن أن نستحقها إلا باختراعها، إلا بكتابتها وبقراءتها. حين نواجه التعصب القاتل فإننا بذلك ندافع عن حقنا في الحلم كما في تحويل أحلامنا إلى واقع.”

ومن الصين.. مويان الحائز على جائزة نوبل في عام 2012.. لم يبتعد عن مناخ الحكايات السائد.. فكان خطابه لطيفاً أخذنا معه إلى طفولته إلى تجارب عايشها فكانت وقوداَ لكتاباته فنراه يقول “لقد منحتني الفترات الزمنية الطويلة والصعبة التي عشتها تفهماً كبيراً للبشرية. أعرف ما هي الشجاعة الحقيقية وما هي الرحمة النقية. أفهم أن في القلب البشري مكان لا يمكن تعريفه بالخير أو الشر؛ أنه مظهر رمادي يهب الكاتب احتمالية كبيرة لصنع عمل جليل. وكلما اختار بشكل صحيح ووصف بشكل حيوي هذا المكان الرمادي والملتبس، استطاع عمله أن يكون أكثر جودة، فيتجاوز حدود السياسة، ويصبح أدباً حقيقياً.”.. وكان في ختام خطابه واثقاً من أثر الكلمة المكتوبة التي تُهدي صاحبها البقاء “أنني كاتب، فالكتابة أفضل طريقة للتواصل مع الجمهور. وكل ما ينبغي أن أقوله موجود في أعمالي. الكلمات التي تخرج من الفم يحملها الهواء، بينما الكلمات المكتوبة تبقى للتاريخ.”

خرجت من الصين وجولتنا مع هؤلاء الأدباء متسائلةً، وأين الأديبات؟ أليس فيهن من حُمِلت شرف نوبل الآداب.. لأجد أن ثلاثة عشر كاتبة نالت شرف الجائزة.. كانت أولاهن سلمى لوغرلوف والتي نالتها في عام 1909 أي خمس سنوات قبل أن تصبح عضواً بالأكاديمية السويدية.. فكان لي مع خطابها وقفه.. تحدثت سلمى عن دين الكاتب لكل ما حوله ومن حوله.. وهل لها يوماً أن تستطيع السداد.. في حوار مختلق مع شخص والدها الغائب عن دنيانا، الحاضر في جنة صورة نفسها زائرة له ها هناك تحدثه عن أرقها حول ما أثقل كاهلها من ديون معترفة بفضل قرائها وأصدقاءها ومن انتقدها للجميع عليها حق فقالت “ماذا كان سيحل بي إن لم يرد أحد قراءة كتبي؟”.. سلمى لوغرلوف التي لم أقرأ لها سوى خطابها هذا.. بحديثها عن دينها أشعرتني بثقل الكلمات التي نضعها من أين أتت وإلى من تذهب.. نحن نكتب ويزداد فرحنا بما كتبنا عندما يجد طريقه إلى الآخرين عندما تلقى كلماتنا موقعها في قلوب القراء.

 

لا يتسع المجال إلى أن نعرج على كثير مما قيل.. ولكن هي مساحة لننعم ببعض المعرفة.. لنمني أنفسنا بمثل هذا الشرف.. ونحن نقرأ نحن إلى عالمهم أقرب.. إن بداخل كلٍ منا فرد قادر على العطاء.. قادر على أن يمنح البشرية شيء من الخير.. ذلك الخير الذي نحن في يومنا هذا أحوج ما نكون إليه.. ربما هذا ما يميز الأدب عن غيره من المجالات.. فلنا أن نصنع بأنفسنا لأنفسنا عالما تمطره الكلمات سلاماً.. رحل نوبل وبقيت جائزته تحكي عن الكثير.. إنه ليس فقط مخترع الديناميت طالب المغفرة.. إنه إنسان أراد أن يُقرئنا معنى أن تكون إنساناً للإنسانيةِ جمعاء..

عن سارة النور

mm
سودانية بحب هى أنا .. طبيبة محبة للحروف .. ومابين سماعتى وقلمى أتوه .. متفائلة حد الأمل ما وُجِد له حد .. باحثة عني ولعلي إذ أكتب فإننى أكتب لأعرفنى أكثر .

أضف تعليقاً