الرئيسية / احدث التدوينات / أضغاث أحلام -1-

أضغاث أحلام -1-

e506dd8830d7a6a81af94b65c454409a

بقلم: حسين عثمان

في كل عام كانت الأحلام والسعي إلى تحقيقها شغلي الشاغل،لم يكن لي عمل غيرها،نصحو معاً،يبدأ يومنا مبكراً،نخرج في رحلة روتينية معتادة،نطرق الأبواب،أعرضها على الشهور عسى أن يصادف يوم سعدي فيتحقق أحدها.
في كل عام كنت أحمل أحلامي وأترحل بها من يومٍ لآخر ومن شهر للذي يليه ومن عام لعام،وفي بداية كل عام كان يولد لي حلم جديد حتى صرت لا أعرف عددها،ولا شكلها،ولا حتى السبيل إلى تحقيقها،أعرف فقط أنها ستكون معي حتى الممات،يا لتعاستها…وكيف لا تكون تعيسة وهي تتكاثر ولا تتحقق،إنها تقتلني وتثقل خطاي،شحبت سنين طموحاتي واضمحلت والسبب أحلامي وأحلام لا علاقة لي بها إلا أن أحدهم قرر أن يجعلني مطية لتحقيق أمنية أو حلم لم يجد له مكاناً أو وقتاً فرماه علي.
في عام ما وفي الجانب الغربي لنهايته،جلست أتأمل شمس هذا الأخير وهي تغرب ملوحة ببطء لمئات الملايين من العيون الوالهة والأرواح الهائمة والقلوب الوجلة،كان المنظر بالنسبة لي أشبه بلحظات فراق شيء ما لم تتح لك الفرصة أن تبثه همومك،أو تصارحه بمكنونات قلبك،أو حتى تسلمه قائمة أمنياتك وأحلامك الطويلة جداً، ولكن انقضى النصف الأول من وقتي وأنا أحاول لملمة شتات نفسى،أبحث عن شهر يتعاطف مع وضعي ويتبنى تحقيق أحد أحلامي التعيسة،مررت على الشهور شهراً شهراً فرفضت كلها بالإجماع أن تحقق لي ولو مجرد أمنية صغيرة، بل تم طردي وركلي وصرت ممنوعا من الدخول عليهم مرة أخرى طالما أن رئيسهم هذه المرة هو إبريل!!! ذلك الكاذب المخادع عليه اللعنة،لقد تنكر لصداقتنا وألبَّ علي الجميع وأوهمهم بأنني إنسان فاشل بلا طموح وأنني قد استنفدت كل فرصي التي منحوني إياها،وما ذنبي إذا كان يولد لي في بداية كل عام ألف حلم وأمنية..!؟
وبينما أنا على هذه الحالة من التوهان إذ بالرحيل يدق أجراسه معلنًا عن نفسه وابتسامة شامتة تلوح من خلفها أسنانه الصفراء القبيحة غير المرتبة،كأني به يقول لي هاهو عام آخر يمضي وأنت لم تحقق شيئاً أيها الكسول سيء الحظ، أجراس الرحيل كان لها وقع خاص ذات يوم،أما الآن….لا أدري كأنها تنادي للحزن والحسرة والألم والضياع وللمجهول أيضاً في بعض رناتها المزعجة، هاهو العام يطوي آخر لحظاته، سيبدأ العد التنازلي قريباً، وستنطلق الألعاب النارية والاحتفالات لدى بعض السفلة، تباً لهم.!!
لماذا لا يحتفلون في صمت؟
وما المغزى من احتفالاتهم وصخبهم؟
في نهاية كل عام كنت أجلس فوق السور الفاصل مابين عام آتٍ وعام تبقت له لحظات ليكون من الماضي، لحظات كانت تكفيني لأجمع أحلامي وأنثرها على مد البصر وأحاول ترتيب فوضاي وأستجمع ما تبقى لي من قوى للدخول للعام الجديد بشكل مغاير، متناسياً كل الخيبات والصدمات والرفض !
أي حلم لم يتحقق وراءه رفض بلا مبرر.
كم هو مؤلم هذا الرفض.
أخذت أجول ببصري،يا إلهي…من هؤلاء؟
من أنتم أيها الحفاة العراة؟
أجابوا بصوت واحد :
نحن أحلامك الموءودة…
نحن أمنياتك المقهورة…
نحن تطلعاتك المكبوتة…
نحن الآتون إليك من كل فجٍ…
الذاهبون إلى عمق المجهول…
صمت رهيب يسود المكان إلا من بعض الأنين الخافت هناك وسط تلك الأجساد العارية رثة الثياب التي تفوح منها رائحة العرق،والجوع والخوف.
لا أدري كم استغرقت من وقت لأتذكر أننا بصدد رحلتنا المعتادة للعام الجديد وان هؤلاء هم رفاقي القدامى المتجددون، لقد ذهبت بتفكيري بعيداً جداً.
وقفت أتأملهم منزعجاً وكأنما هي المرة الأولى التي أراهم فيها، كانوا من كل الفئات العمرية ومن كلا الجنسين، وأعتقد جازمًا أن من بينهم من هم أكبر مني سناً مثل هذا الكهل.
سألته مستغربًا :
من أنت أيها البائس؟ وما الذي أتى بك إلى هذا المكان؟
أجابني بصوت حاول بشتى السبل أن يجعله متماسكاً :
أنا شيخ الأحلام، كبيرها وراعيها.
انفجرت بالضحك رغماً عني، ضحكة هستيرية رددت صداها تلك المساحة الزمنية الضيقة المتبقية لنهاية العام، لم تعجب ضحكتي تلك الأجساد المتكدسة فتعالت الأصوات مابين استنكار وتعجب وأخرى تجاوزت الحدود وأخذت تصيح :
أيها الكهل الجاحد، لقد صبرنا عليك كثيراً ولم تتغير، أطلق سراحنا لقد سئمنا منك ومن طريقة عيشك لهذه الحياة، تباً لك.
رفعت يدي طالباً الصمت، همهمات هنا وهناك، اعتراض، رائحة تمرد في الصفوف الخلفية بدأت تفوح، وأنا مازلت رافعاً يدي..
صرخت بكل ما أوتيت من قوة : صمتاً أيها الحمقى، ناكري الجميل الكسالى عديمي الفائدة…
في تلك اللحظة ساد صمت رهيب أرجاء تلك البقعة الزمانية التي كانت تتقلص وتتقلص، واقترب الموعد كثيراً، موعد الهرج والمرج والألعاب النارية، كان الجميع في انتظار ما سأقوله.
باغتُّ أحدهم بالسؤال :
من أنت ؟
نظر إلي باستخفاف وقال :
آلا تعرفني !؟
أنا حلمك.
قلت :
أيهم ؟
قال وفي طرفي شفتيه ابتسامة مقيتة :
لا أدري، لم يجدوا لي تصنيفاً بعد ولكنهم يعملون عليه…أنا واثق من ذلك.
نظرت إليه بازدراء وقلت :
أخبرني حين يفعلون أيها المتذاكي.
وأردفت متسائلاً :
هل أشم رائحة استخفاف في كلامك؟
هل تسخر مني.
قال :لا.
قلت :
إذا امسح هذه الابتسامة الغبية وعد إلى مكانك.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة