الرئيسية / العدد الثاني / أنا .. ابنهما !

أنا .. ابنهما !

حفيظ

حفيظ الحاج :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

هب بأنكَ نبيُ اللهِ سُليمان، أعني أنكَ بحكمتهِ ذاتها لا بشخصه، ولكي تتفهمني جيداً عليَّ في بادي الأمرِ أن أُحكيكَ قصةَ حكمتهِ مع المرأتين لمّا أحتكمتا إليه بإختصارٍ ، يقال بحسب ما جاء في الأثر والخبر ” أن امرأتين تركتا طفليهما وخرجتا للمتاعِ ولمّا عادتا، وجدتا أن الذئبَ أكل طفلاً من الطفلين، فأدّعت كلّ واحدةٍ منهنَّ بأن الطفلَ الناجي هو طفلها، فلما أحتكمتا لنبي اللهِ سليمان، يقال بأنه أغمض عينيه قليلاً وقال : “ما دمتما تتصارعان فيه هكذا، عليَّ أن أشقّه إلي نصفين ولكل واحدة منكما النصف”، فصرخت الصغری منهما بأن لا داعٍ لذلك فالطفل طفل المرأة الكبری. فحكم سليمان للصغری فحملت طفلها ومضت!

وأظنكَ لا تحتاجني لكي أوضح لك  لِما حُكِم للصغری، ولا تريد مني أن أحدثك كيف أن “الأمَ” الحق هي من ترضی لنفسها بفجيعة فراق إبنها علی أن تراه يُشَقُ لنصفين أمام عينيها.

حسناً، الآن هب أنك أنت ذاتك تجلس علی كرسي حِكْمةِ نبي اللهِ سليمان ،وأن الامرأتين دخلتا عليك تتصارعان علی طفلٍ، هب بأني الطفل المتحاكم عليه، وأنت تغمض عينيك، وتتلبَس ثوب سليمان زيفاً وتدّعي الحكمة قطعاً، وتقول بصوت رخيم : ( حسناً سأشقه إلي نصفين ولكلِ واحدة منكُنّ النصف ) وأنتَ ما زلت تغمض عينيك، منتظراً صوت إحداهن يستجديكَ بأن لا لا يا سيدي الطفلُ طفل أختيَ الأخری ولا داعي للأمر، فتغلقُ أنت المشهد الدرامي قائلاً كمن لم يسبقك عليه أحد : الطفل طفلك أنت، لا لأختك الأخری. ولكن …

هاهما يقلبانِ الطاولةَ علی حِكمَتِكَ فتجدهنَّ علی درجةٍ سواء من  الاستجابة لحكمك، فيصرخن صرخة واحدة يتوسلنك فيها كي لا تفعل ذلك ،وتجد فجأة أن كل واحدةٍ منهن قد تنازلت للأخری بالطفل .

 وها أنت تعضض علی لسانك قائلاً بهمس اللعنةَ ويح هاتين المرأتين، من أين هما؟!

والآن أنت تدّعي التفكيرَ والحكمةَ قطعاً ، تقول بسرّك ولا أحد يسمعك، و بحكمةٍ خرقاء كما تعودّتَ أنت دائماً عندما تسقط في منعطف الإختيار بين حاجتين بذات القدر من التساوٍ

 “

يا أيدي،

شيليني،

ختيني،

في بيت الله العاجبني،

كان حلال كان بلال،

كان الجنة وكان النار”

 

وتبتسم كمن وجد الكنز، تجاه إحداهن قائلاً هو لك أنتِ لأن الجنة صادفتك. ولا تريدني أن أخبرك بأن الحظَ هذه المرة لم يحالفك ولم تكن التي حكمت لها هي أمي، والأحری كنتَ أن تحكم بي للأخری، فخرجت الامرأتان من عند مجلسك ولا نعرفُ ما الذي حدث بعدها.

 

ثم دعكَ من هذا الآن،  هل تتخيل معي أنه في يوم ما سيأتي علینا عَالمٌ ويخترع زيتاً يدحض قاعدة عدم تجانسه مع الماء،  أم هل تراه سيجئ ساحرٌ ويخلط الماء بالزيت وينظر للجميع بتحدٍ ويقول أين الزيت وأين الماء إذاً ؟!  ، أم ربما ستأتي امرأةٌ وتدحضُ مبدأ الأمومةَ في الحملِ والرجم والمشيمةِ والرضاعةِ والفصالِ لتخبركم أن الأمومة أولاً في المحبة، فقط في المحبة لا غير، والبقية تأتي من بعدها!

 

هب الآن أن الذي كان يجلس علی الكرسي هو” ليس أنت ولا نبي الله سليمان، ولا الحكمة الخرقاء التي تأخذ بها أنت عندما تسقط بين منعطفين ، إنما كان يجلس الموتُ والقدر ، وبأنه لشئ لا يعرفه أحد، قال كلمته وأخذ عنده الأم الحق، وحكم للأخری بأن تكن أمّاً للطفلِ، ذات الطفل المتصارع عليه والمُتحاكم فيه، ذاته الطفل الذي هو أنا .

والآن أنا أجئ إليك ممسكٌ بيدِ أمي ،متباهيآ بأمي كما المسيحُ ، وأقصُ عليك قصتنا لعشرين عاماً، ياااه هل تصدق أن الزيتَ سيذوب في الماء،  هل تنتظرني أن أخبرك بأن أمي دحضت الآن أمومةُ الرحم والرضَاعةِ بإمومة المحبة!

 

 لا لا تنتظرني أن أخبرك بذلك، لأني أنا نفسي، ولعشرين عاماً قضيتها، كنت أجهل ذلك، ولكن دعني أخبرك بأن العشرين عاماً مذ كنت طفلاً أتبولُ عليها وأنام في حضنها وأصرخ عليه وأضحكُ عليه ولا أجد الأمن إلّا بينه، وأبكي وأشتاق إليه إن بعدتُ أنا عنه، ولساني لا يعرف أن يناديها بغير أمي، والناس يهمسون بعد أن صرتُ رجلاً، بأن الموتَ قد قال كلمته، وأن الأخری كانت بقدرِ كلمته ، يااه وإخواتي من أين همو؟، قالوا منها هي، وأنا الزيتُ لا أعرفُ بشيء من ذلك، أدوبُ فيهمو كأنني من ذاتِ رحم أمهم  ماءً.

قطعاً لا تريدني الآن إخباركَ  بأن المرأةَ الأخری جمعت بين الثلاث ، (العالمُ والساحرُ والأمُ) ،وأن الزيتَ الآن بين الماء يدوب، وأن عدم التجانس بينهما محض توهم ، وأن الأمومة رأسها في المحبة.!!!

 

أنا الآن إحترقُ لأني أحسبُني أكتبُ بفيض عن التي جاءتني بالحب، وإيُ درجةٍ كنت سأبلغها إذاً إن إرتأيتُ وجلستُ ولَمستُ الأمومة عند وبين التي جاءت بالرحم؟!  النارُ تلسعني…..

 

وأنا الآن بين هشيم رمادي أراكما_ أمهاتيَ الإثنتين_ بعيداً بعيداً هناك، تتمشيانِ الهوينی كما الحورياتِ علی بساط الجنان تتوسطكما بحبٍ أم المؤمنين عائشة وأنتما تمسكانِ بيديها، توزعنَّ ثلاثتكن الإبتسامات علی أهل الجنة ، يغبطكما الجميع علی درجتكما هذه، وألّوحُ  أنا إليكن من تحت رمادي بفرحٍ إليكمو ،قائلاً :

يا أم المؤمنات هاتين قد زاحمنك في عِظام الدرجات!

يا أم الرَحم، قد حفظت أختك من بعدك الأمانة وزادت.

  أيتها السَاحرُ والعَالِمُ والأم أحُبكِ، أحُبكِ وأكثر ،فأنتِ عندي واحدٌ بثلاث بل أكثر.  

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

تعليق واحد

  1. check below, are some totally unrelated websites to ours, nonetheless, they are most trustworthy sources that we use

أضف تعليقاً