الرئيسية / احدث التدوينات /  بريد القراء :أنا الإله

 بريد القراء :أنا الإله

Capture

بقلم آلاء يحي:

 

نعم سأحكم عليك وأحاسبك، أنت مذنب في نظري، أنت مجرم ولا تستحق أن تكون في عداد الصالحين، نعم سأمحوك من لائحتهم وأسطر اسمك في عداد أولئك الفاسدين، سأحرمك من جنتي ونعيمها وسأدخلك إلى ناري وسعيرها، أنا الإله فلا تجادلني لأنك إن تجرأت يومًا على عظمتي وقدرتي وجبروتي التي صنعتك أنت من لا شيء، إن فعلت يا هذا سأسلط عليك أتباعي في السماوات والأرض سأجعلك تتمنى الموت يومًا ولن تجده سأقلب حياتك إلى جحيم دنيوي لتكمل عذابك لاحقًا عندي في ناري التي لن تطيقها لا أنت ولا أشباهك.

نعم عزيزي القارئ هذه الكلمات ينطقها أحدهم كل يوم ينطقها بلا اكتراث وبكل وضوح، هذا الشخص أنا أعرفه جيدًا، هذا الشخص يعيش بيننا ويأكل من طعامنا ويشرب من مائنا، لا تقل لي “بأني أبالغ وأنك لم تسمع بهذه الكلمات من قبل!” أتعتقد فعلًا أنه يتجرأ على الله بهذه الطريقة! 

الغريب فعلًا أن هذا الشخص أنت أيضًا تعرفه عزيزي القارئ ! هذا الشخص موجود في كل حي وشارع ومدينة، هذا الشخص موجود فينا، موجود في أجسادنا ونفوسنا وعقولنا، هذا الشخص أوهمنا أن لنا سلطة على غير أنفسنا، أوهمنا أننا أولياء على خلق الله. هذا الشخص هو “المتحدث الرسمي باسم الرب”. 

يا للسخرية! ربما شعرت بالخوف لمجرد قراءتك لكلماتي تلك والحقيقة أنني جسدت لسان حالنا فقط في كلمات، جعلتها واضحة أمام عينيك تقرأها، فكما تعلمون، ليست الألسنة وحدها تنطق وتشهد (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون)، هذا لسان حالهم، وهذا ما تشهد به أفعالهم، قد لا ينطقون بها “أنا الإله” بألسنتهم، ولكن قلوبهم سبقتهم ونطقتها، عقولهم جهرت بها وبهرجتها، يخافون قولها بألسنتهم فهذا كفر وإلحاد” على حد فعلهم” ولكنهم لا يتأخرون أبدًا في إظهارها في تصرفاتهم.

لو نظرنا في سيرة حياة أعظم خلق الله ممن نفعوا البشرية وارتفعوا بها، لا نكاد نرى فيهم بشرًا واحدًا اتخذ الحكم على الناس منهجه، ما كان الحكم على المظهر أو المذهب أو العرق أو حتى الفكر منهجهم، كان منهجهم “إن كنت أنا على صواب فهذا لا يعني أنك على خطأ” كان منهجهم “خلقنا لنختلف لا لنتخلف”.

لو شاء “الإله” لجعل الناس كلهم امة واحدة، لو شاء “الإله” لجعلنا نسخًا متكاثرة، لو شاء “الإله” لجعلنا نتشابه في مظهرنا وعرقنا وفكرنا ومذهبنا ومعتقداتنا وعاداتنا وتقاليدنا وأسباب سعادتنا وأسباب حزننا، لو شاء “الإله” لوحد آمالنا وأحلامنا وغايتنا وطرقنا.

لكن “الإله” أعظم بكثير من تفكيرنا المحدود، الله أعظم، الله أكبر.

قالها الله (وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا) شعوبًا وقبائل “لتعارفوا” لتعارفوا، تعرفوا على بعضكم، تعرفوا على وجهات النظر المختلفة وأشكالنا المختلفة ومنهاجنا المختلف، تعرفوا على عادات مختلفة تاريخ مختلف وبيئة مختلفة، ليس عليك أن تعيش حياتهم ولا تنجر وراء أفكارهم ولا أن تدعم منهاجهم فأنت مميز بطبعك ومنهاجك الخاص ولكن تقبل غيرك كما هم حتى يتقبلوك واعرفهم حتى يعرفوك وتعايش معهم حتى يعايشوك لا تصدق أوهامهم بأنك ستنجر وراء التفاهات إن تعمقت في منهاج غيرك، هذه سخافة وتفكيرٌ عقيم أعزل، إن كانت أفكارك فعلًا سليمة وقوية وأنت فعلا مؤمن بها، لن تزعزعك ألف فكرة ولن يهزك ألف منهاج، إن لم تتقبل غيرك فلن يتعب شخص إلا نفسك ولن تصل يومًا إلا نتيجة بالأحرى “ترضيك”, تقبل الاختلاف الذي بيننا ما دمنا لا نضر بعضنا، واحمي جسدك من أمراض الكبر والكراهية، وترافع عن سفاسف الأمور وأرح بالك وانشغل في صلاح نفسك يصلح غيرك، لسنا أوصياء على الناس في قرار اتخذوه وحياة هم اختاروها، إن كنتم فعلًا تؤمنون بالله وكتابه فهذا قوله في كتابه (يا أيها الذين امنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون) فاسمعوا وأطيعوا وارضخوا لأمر ربكم فلا إله إلا الله.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة