الرئيسية / العدد التاسع والثلاثون / أن نبدأ من البداية *

أن نبدأ من البداية *

محمود

يتذرع أعداء الإسلاميين في السودان بأن الموت الكامل للسياسة سببه تفرد الإسلام السياسي بالسلطة، يشيع مثلا أن يقال بأنه لا يمكن لوم أية معارضة في دولة شمولية على ضعفها، فالمعارضة هي ابنة الدولة الديمقراطية، تزدهر مع ازدهارها.

يمكن القول أولا أن هذا النمط من التفكير ينشأ عندما تعرف السياسة على أنها الممارسات النضالية اليومية التي لا يشترط فيها أن تكون مسنودة بفكرة كبرى أو صغرى، بهذا الاختزال للسياسة في الممارسة التلقائية فإن مشاغبات النخب العلمانية بعد ثورات الربيع العربي يمكن اعتبارها”سياسة ثورية”، بينما هي في الحقيقة سياسات رد الفعل reactionary politics. إن الانتصار الأعظم للإسلاميين في هذا العصر هو تحولهم للنقطة التي تعرف بها السياسة، لقد تحول الفضاء العام لمنطقة صراع بين الإسلاميين و “من هم ضدهم”، و أصبحت أسئلة النخبة العلمانية تتركز حول الكيفية التي يمكن بها إزاحة الإسلاميين من السلطة أو منعهم من الوصول إليها ديمقراطيا، في فضاء كهذا فإنه لا فرق بين أن تكون ليبراليا أو اشتراكيا أو حتى شيوعيا، فأنت بالمحصلة ضد-إسلامي، تتلخص الإستراتيجية و التكتيك لديك في عبارة “الدولة العلمانية” أو بصورة أكثر ابتذالا في عبارة “الدولة الديمقراطية”.

 لقد كان للإسلاميين في مصر مثلا سبق الفعل دائما، فهم نظموا أنفسهم بين فئات اقتصادية و اجتماعية معينة، و هم صالحوا الأنظمة و خاصموها، و هم كسبوا الانتخابات و ووصلوا للسلطة، و خسروها. بينما قادت سياسات رد الفعل منافسيهم لفعل كل ما هو مشروع و غير مشروع لمحاولة اللحاق بهم، و كانت النتيجة أنه “و رغم أن الإسلاميين لم يكونوا في السلطة”، فإن السياسة بعد الثورة ولدت ميتة، و انتهت لأن تقتل الثورة معها. و هذه السياسة الميتة هي ما ينتظرنا هنا حال ذهاب الإسلاميين بالثورة أو بدونها.

إن موت السياسة يظهر دائما في نزعتها للتكرار. عندما فقد العلمانيون السودانيون أي رؤية حقيقية للمستقبل قاموا بتحويل الثورة نفسها إلى غاية و هدف، و هنا ظهر التقديس المريح لثورتي أكتوبر و أبريل بوصفهما الحدث الذي يجب تكراره، و كفى .

إن الشعب الذي يخرج ليموت في الشارع بلا أي طائل، كما حدث في الثورتين الماضيتين، تحول للخيال الذي تقوم عليه كل سياسات المعارضة. في الجامعة يتم تربية المناضلين الجدد على فكرة أن “المظاهرة” هي الغاية الأولى و الأخيرة، بحيث يتحول الشاب إلى آلة معارضة لكل ما هو قائم بدون أن يشغل نفسه بأي أسئلة أخرى، الأسئلة نفسها تحولت من كونها فعلا تحرريا إلى مجرد إستراتيجية أمنية تتبعها الحكومة عند هؤلاء، جرب أن تسأل أحدهم “طيب، ما هو البديل الذي تطمحون له؟” مثلا، و لن تجد غير التجاهل. تكرار ثورتي أكتوبر و أبريل إذن أصبح الغلاف الأيديولوجي الذي يخفي وراءه حقيقة أن المعارضة العلمانية لا تملك أي رؤية، و أن مؤسساتها لم تعد قادرة على إنتاج الرؤى بدون أن تتفكك نهائيا.

لكن هنا فإن سؤالا مهما يطرح نفسه: هل ما زال من الممكن استعمال  “رأس المال الرمزي” لثورتي أكتوبر و أبريل بدون تحويلهما لمجرد مهرب خيالي؟ ربما تكمن الإجابة على السؤال في العلاقة التي تجمع فكرة “الإعادة” أو “العودة” بفكرة أننا في مرحلة تاريخية تتطلب منا أن نمتلك الشجاعة لنفهم أننا يجب “أن نبدأ من البداية”. إن كل بداية جديدة جذريا هي محاولة للعودة لشيء ما، شيء أصيل فشلت المحاولات الأولى للوصول إليه، لذلك فإن أي بداية جديدة فعلا هي اعتراف مرير بأن المحاولات الأولى قد فشلت، و أنها لم تفشل نتيجة لتآمر خارجي عليها، و نتيجة للظروف و الصدف، بل فشلت بكامل الاستحقاق، و بكل مرارة.

كل بداية جديدة هي وفاء لما كان ممكنا و نقد لما حدث فعلا. في هذا الإطار فإن أي اقتراح لبداية جديدة لليسار السوداني لا يمكن إلا أن يأخذ شكل العودة للمحاولة الجذرية الأولى، المحاولة التي بدأت قبل الاستقلال و انتهت في مطلع السبعينات.

ليصبح السؤال ليس “كيف يمكن أن نصنع حزبا شيوعيا مثلما فعل عبد الخالق محجوب و رفاقه؟”، بل “لماذا يجب أن نظل أوفياء لهذه التجربة رغم أنها لم تنجح؟ ما هو ذلك الشيء في صلب هذه التجربة الذي جعلها إحدى اللحظات القليلة في التاريخ السوداني، حيث ظهر أن كل شيء كان ممكنا؟” إن الوفاء للجوهر الذي أمكن رؤيته فيما حدث سابقا يحتم علينا ألا نحول التجربة لشيء مقدس، و ألا نحاول تكرارها، يحتم علينا أن نمتلك الشجاعة لأن “نبدأ من البداية”. أما إحدى الإجابات على السؤال، فهي أن هذه التجربة قد فتحت الباب أمام فكرة التطبيق الخلاق للفكر في أرض الواقع، بعيدا عن حتميات الثقافة السائدة، و بعض أنواع التدين المقعد عن التفكير، و رغما عن قوة الوضع الراهن و السيرورة الاعتيادية للأشياء، فإن تنفيذا خلاقا لفكر ما أمكنه أن يصنع معجزة زراعة التقدم و الحداثة في بيئة كان يعتقد أنها معادية لهما.

إحدى الأشياء التي يمكننا أن نستفيدها من عملية ربط فكرة “العودة” بفكرة “أن نبدأ من البداية” هي أننا سنلتزم، وقتما أردنا العمل ضمن سياسات تحرر جذرية، بالنظرية كممارسة، و بالممارسة كنظرية.

إن أحد أشكال موت السياسة هو فصلها عن كل ما هو مادي، عن كل ما هو اقتصادي. و عن كل ما هو نظري تجريدي بالتالي. لغة كاملة تم إنشاءها لتعبر عن هذا الموت: لقد ظهرت فكرة الفساد مثلا لتحول الانتباه عن كل ما هو فساد مؤسس (تنفيذ طبقات اجتماعية كاملة لمصالحها على حساب طبقات أخرى) لما هو فساد شخصي عارض، و أصبح علينا أن ندير السياسة اليومية حول مثل هذا العدو المتخيل.

في مثل هذا الجو من السياسة الوهمية، و التي لا تسأل الأسئلة الحقيقية و لا تحاول الإجابة عليها، فإن أنواعا كثيرة من الحراك السياسي سوف تكون ممكنة: الإسلاميون، النخب العلمانية و الأحزاب الطائفية يمكنها دائما أن تمارس السياسة اليومية عديمة المعنى لتتأكد فقط من أن كل شيء سيبقى كما هو. يمكننا إذن أن نقول بأن اليسار يموت –على الأقل- متى ماتت السياسة، أن ندافع عنه بهذا القول إن شئت. و ستجد دائما أنه في الفترات التي تكون فيها السياسات الجذرية مستحيلة فإن قسما من الناس سيلجأ للتفكير، للنظرية، محاولا التعديل فيها و إعادة إنتاجها، محاولا إعادة اكتشاف الماضي و نقده بحيث يكون ممكنا أن يرى مستقبل ما لا تنتصر فيه التلقائية البليدة للأشياء على الحرية الإنسانية: هذا ما يمكن أن نسميه فكرا ماديا.

يمكنني أن أقول في نهاية هذا المقال بأنني مقتنع بأنه حتى نتمكن فعلا من البداية فإننا يجب أن نتحمل فكرة أننا مجرد ظاهرة ثانوية، و أن نقاوم من ثم فكرة القفز إلى السياسة من نهاياتها (محاولة إصلاح الأحزاب المهترئة ، الالتزام في مجموعات حشد ثوري لا رؤية لها)، و أن نعود لفكرة محاولة “فهم الواقع”، تحليله و تكوين رؤية لما يجب أن يكون عليه. هذا الابتعاد هو من الصعوبة بما يسمح لنا أن نطلق عليه فعلا ثوريا. علينا “أن نبدأ من البداية”.

*لسلافوي جيجاك مقالة رائعة تحمل نفس العنوان.

عن محمود المعتصم

mm
طبيب و كاتب سوداني ، مهتم بالسياسة و الفكر .

3 تعليقات

  1. poignant and nuanced post capturing the complexity of relationships. thank you, stu, for spending time to put human experience down on “paper.”

  2. When i have planned returning home many of these simply because hotlink in one within the brazilian body wav https://www.youtube.com/watch?v=T6hp4Ndf7vU ripped via the clothes. I surely have often called your own personal client support and then was first encouraged can easily should probably go forward. I are likely to be requesting an important pairing. With a little luck, the latest set of will not have this dilemma.Say thanks a ton.

  3. Those betterscooter.com http://adf.ly/6249830/banner/www.scamadviser.com/is-betterscooter.com-a-fake-site.html are actually nice Wonderful inside specific. However i position the waterproofing junk on the subject of highly very well and they wasted his / her actual colors. i don’t know the pair were definitely worth the money but i favor these.

أضف تعليقاً