الرئيسية / احدث التدوينات / أوراق منسيّة

أوراق منسيّة

4efca78e4f59c3e513a50ca08daafb09

بقلم: نوف عائض

ديسمبر2012

لا بأس أن يموت الزمن، يتدحرج العمر كرة بين أقدام النوائب، يتنقل مشوّها من منحدرٍ إلى هوّة..لا بأس ما دامت الأيام تدفع نفسها نحو الأفول.. هكذا تنقضي الأيام وتنهدم أركانها دون بواكي..

آخر يوم في العام2012 كان الأمس.. وكان هذا الدفتر مغلقا يترقّب.. كان هديّة من صديقتي، قالت لي وهي تبتسم:” سجّلي في هذه اليوميّات آمالكِ، أنا واثقة أن العام الجديد سيكون أجمل، يكفي أنكِ هنا..” أخذتُهُ لأجد على وجهه بومة سوداء تُحملق في الفراغ. أما الغلاف الخلفي فغراب يكاد أن ينعق في وجهي وإنْ سمعتُ صدى النعيق في أعماق روحي…

اليوم، فتحتُ الدفتر لأكتب هنا، هنا في الخلف، في آخر صفحة من ديسمبر2013… أريد أن أبدأ بالمقلوب،هكذا ستضِلّ الندوب طريقها ولن تراني، ستبحث عن الآلام دون جدوى ثم تعود إلى كهوفها غاضبة وتنام.. في الليل سأقف مع البوم في قمّة شجرة الأحزان، وأمدّ يدي نحو النجوم والكواكب، ومن الفلك، من عمق الكون السحيق سيجيبني صوتٌ ملائكي بأني سآتي قريبا..حدثني البوم، أخبرتني النجمة، قالت لي الآمال..سأمضي لامحالة. ما ينقصني الآن قدرٌ أعلى من الجرأة…

الأول من إبريل2013

صادف أن وقعتُ اليوم في فخ الزمن، هذه الصفحة..أول إبريل هي أول إبريل فعلا..لِمَ لم أُقَلّب الدفتر جيّدا لأقع على صفحةٍ أكثر عشوائية من هذه؟!! أهذه حقيقة أم لا؟!!

في الماضي البعيد، نسيتُ أي عامٍ لكنهُ يشبه الآتي في حلكة سواده كنتُ هناك..في وادٍ غير ذي زرع، أحفر لي بئر عطش، وأجني الرماد.. أتذكّر الآن كفّي وهي تنثر الرماد في وجه الريح، والريحُ تُعيدُهُ إليّ فيمزّق وجهي شظايا..كنتُ حينها رملا، رملا يتجسّد دون ملامح، وكان وجهي ذاهلا كمن صعقَهُ الموت فجأة.. وأقدامي امتصها الوحل، والليل أطفأ آخر مصباح وأدار ظهرهُ لي ونام..

ذاك الزمان المنسي قالت عنه حمامة عابرة إنه كذبة في مخيلتك،أنتِ هنا، الضوء والطريق الممهد أمامك.. خبأتُ بقايا وجهي عنها وقلتُ:”أنتِ كاذبة!”

مارس2013

نحن الآن في أكتوبر، سمعتُ ذلك قبل قليل في التلفاز لكن الدفتر أخرج لي شهر مارس..ليس في أيامي ما يستحق الذكر إلا الملل..

أيها الملل..يا صديقي الأبدي، أرجوك..قليلا فقط، ابتعد حتى اشتاقك!

اكتوبر2013

آخر أكتوبر لكن هذه الصفحة تحمل اليوم الأول منه، إنها تعني أن الحقيقة في أعماقنا لا ما يقوله الزمن واليوميات..هذا ممل جدا، يشبه شخصا مكتئبا يعرف علاجه لكنه يبتلع “البروزاك”ليموت!! أنا المكتئب الممل، وعلاجي مزيد من الملل والضجيج الفارغ..

أتذكر وجه طفلةٍ تضحك، امتلأت بها الصحف والشاشات، وأبكي سرّا لمصيرها الذي لاتعرفه.. هذه الطفلة غارقة في الجهل، فإذا أفل النهار حين غرّة ستذوب ضحكتها إلى الأبد..ما كان أجدر بأبويها أن يموتا تكفيرا عن ذنب وجودها!! أوجودها ذنبها أم ذنب أولئك الحمقى؟! الذنب ضحكتها البلهاء، أما تبصر بقلبها سواد الأفق وهروب النجوم وثورات البراكين؟!! فلتشربي أيتها الصغيرة من الكأس الأمرّ! أنتِ تستحقين ذلك، لأن هذا القلب غافل، وهذا القلب آمل، وهذا القلب مفتون..وأنتِ أنتِ ستمطر سماء نهاركِ شهبا، وستطوي لكِ البوم صفحات ليلكِ قصصا تهلك فيها الأرواح كلها ليبقى شبح الموت وحده يحرس الوحشة،و يضيء من أضلاعنا ظلام قلبه الأبدي…

1يناير 2013

هذه آخر ليلة في العام2013 لم تنجح محاولتي في وأد الآلام. ها أنا أكتب في الصفحة الأولى البيضاء وسواد قلبي ازداد كثافة..و آخر ضلع أهديته للموت يكاد أن ينطفئ.. آويتُ إلى عش الغراب، سرقتُ حنجرته لأنجو من نفسي، نعقتُ على هشيم الأيام، ثم واريت سوأتها وهربتُ مني..لستُ أستحق هذا الظلام أيضا.. انكفأ المصباح الأزلي في قلبي، وهوام الظلام سحقتني حتى التعب، وآخر ظفر في أصبع قدمي الصغير ابتلعهُ الضياع..أسفتُ لي، للساعة التي لاتكف عن الهرولة فوق رأسي، لصديقتي التي تظن أن الأمل حيّا، لمحاولات “البروزاك” إنقاذي دون جدوى، لدفتر اليوميات..أسفتُ للأرض التي ستحمل حطامي مرغمة، لكل محاولات رحيلي الفاشلة، للجنون الهارب من مخيلتي، لآخر سطر أتركهُ فارغا، لآخر قرار أتجرأ على فعله..لهذه النافذة التي فتحتُها على الشارع..أسفتُ لصاحب هذا البرج الذي سأقفز منه، لليّل الذي سيتلقى هسيس روحي، لخطواتي التي أجرها جرّا لتمضي نحو العدم..هذا الألم أكثر من احتمالي، وكل هذا الضياع لن يورق أملا.. سأكون الرماد الذي أطفأ الأمل الكاذب، لأذهب إلى أبعد من الضياع.. كم خسرتُ هنا..لعلّ هناك ربح واحد،أمل يتيم صادق..لعلّه هناك..

إلى الأبد الخالد،الصمت السرمدي، شكرا للضياع والصبر والألم والملل.. وصبرا لكم أيها الماضون تحت أكوام الوقت تضحكون، وقلوبكم لمّا تزل مفتونة غافية..

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة