الرئيسية / العدد السادس والعشرون / إتكاءة على الجدار

إتكاءة على الجدار

brick-wall-textures-2528993-480x320

طلال الطيب :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

أتكئ على الجدار , إتكاءة أشعر بأنها تؤثر عليه , وتؤثر على السماء الزرقاء التي وراء الجدار , فهذه الإتكاءة جعلت السماء تنحني قليلا وإكتفى الجدار بالصمت ، وفي يدي كتاب , لا أذكر عنوانه ولا أعرف بطبيعة الحال عدد صفحاته ، كلما أذكره أنني كنت خائفاً من فتحه وقراءته، يبدو أنه كان ينتزعني إنتزاعاً من صور قديمة كنت أنا جزءاً منها .

تصور ألم نزعك من صورة فوتوغرافية جمدتها الكاميرا ذات وقت ومكان ، أشبه بنزع الروح .

شيء يشبه النوم .

سمعت كثيراً عن ألم الموت لكن هناك قصة في سورة البقرة عن رجل مات مئة عام وعندما عاد إلى الحياة ظن بأنه نام يوماً أو جزءاً من اليوم , لم يرَ ملائكة , ولم يعرف عذاب القبر فقط مات وعاد إلى الحياة .

أوه أعتذر أشعر بالغرابة ؛ أشعر بالغربة أيضاً , كنت أخبركم عن الكتاب الذي لا أذكر عنوانه وأنني كنت أتكئ على جدار ثابت ولا يتحرك وأن الكتاب كان يبدو أنه ينتزعني إنتزاعاً , لكنه كان يضعني في صور جديدة ؛ تصور أن تجد نفسك جزء من صور فوتوغرافية لم تكن حاضراً وقت إلتقاطها .

مثل أن تصبح الصور التي كانت فيها وحدها , أصبحت تجمعكما معاً , تمسك يدها كزهرة , ثم تنظران معا للفوتوغرافي الذي سوف يجمد هذه اللحظة , بالتأكيد هو لا يستطيع إلتقاط حرارتها ولا عطرها ولا فرحها .

وأحب أن أخبركم بأني أحب أن أنهض من مكاني هذا وأن أتمشى قليلاً وأن أمشي بعيداً نحو مدن لم أكن أعرفها , وأن أشرب الشاي في مقاهي جديدة وأن أكل اللحم في مطاعم مختلفة .!

حقا أحب أن أنهض من هنا وأن أقرأ هذا الكتاب الذي في يدي وهي تستلقي على صدري , تراقب بطني يرتفع وينخفض ؛ تتأمل عملية تنفسي , والأجمل أن تكون بطنها مدورة مثل كعكة , وأن تكون النافذة مفتوحة عليها قط يراقب السحاب ويتثاءب بملل . ومروحة سقف تدور ببطء وأنا أقرأ الكتاب , لا صوت إلا صوت صفحاته , لا رائحة إلا عطرها والورق .

أحب أن أنهض من مكاني هذا , لكن أحياناً لا يفعل الرجال ما يحبونه , أحياناً يغرقون في الفراغ , وينغمسون في لا شيء !

أحب أن أخبركم بأني أستمتع بوزن الكتاب فكلما نازعتني فيه الجاذبية أشعر بأني أضغط على صدرها أو أنزع عنها حذاءها .

العجيب أني جالس بهذه الوضعية منذ زمن بعيد , بحيث أنني رأيت النجوم فوق الجدار , ورأيت الغمام يخفي الشمس , ورأيت النوراس تهاجر لبحر آخر , ورأيت طائرات تشارك في الحرب .

يرن جرس هاتفي , يرن كثيراً لكني لا أجيب عليه , أبتسم كأني أتأمل عالماً أخر ، عالم تغرق فيه الشمس في البحر , فيخلق الله شمساً كل يوم  .!

وبعد عشرات الرنات يسب الهاتف الوجود بصوت يعبر عن نفاذ طاقته , وأظل أنا أتكئ على الجدار , لا أحرك إنشاً من جسدي يكتفي هو بالقلب والرئتين وأعضاء أخرى يعرفها الأطباء أكثر مني .

أتأمل السماء , أراقب الناس , جريان الماء عندما تمطر , هرولة الناس في ذات الوقت , غرق المدينة , دخول قوافل الإغاثة , تكاثر البعوض , إنتشار رائحة البراز , معاناة الناس من أمراض الشتاء والصيف , محاولة الوالي الفاشلة لتنظيف ولايته , نجاحه في حملته الإنتخابية وتشويهه للجدران والجسور وحافلات المواصلات العامة بصوره ولافتاته وشعار حملته الإنتقامية _ الإنتخابية .

مر وقت كثير كثيرٌ جداً ولم يلاحظني أحد وكأني بقعة حبر على هامش كتاب من مليون صفحة , تمنيت لو يطلب مني أحد أن أنهض , ربما لو حرضني أحد على النهوض لنهضت ، ربما لو ذكرني أحدهم بالجوع والعطش لنهضت , أخبركم بأن وزني لم يزداد ولم ينقص وكأن الله أماتني مئة عام ثم بعثني , كأن الله عبث بساعتي البايلوجية وجلعني مثل أهل الكهف لكن بلا كهف ولا كلب ولا نوم ولا ثلاثمائة عام .

لم يسقط الكتاب الذي تنازعني إياه الجاذبية من يدي , لم أحرك ذراعي التي قرصها النمل كثيراً ولم أحرك قدماي إنشاً واحداً , لكني أدري بما يجري حولي , لو أمطرت غمامة في حقول الذرة التي خلف الجدار لعرفتها .

وفجأةً شعرت بالشوق المستف بالحنين وكدت أنهض لكن صوت في داخلي أخبرني بأن لا أفقد لذة الإتكاء على الجدار , أخبرني بأن لا شيء سيتغير لو نهضت .!

لكني نهضت نفضت عني غبار الحنين , نفضت التراب الذي كان على شعري وملابسي , أخرجت العقارب التي سكنت جيبي الخلفي . لا أريد أن أغير شيئاً , أريد أن أغيرني .

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .

أضف تعليقاً