الرئيسية / احدث التدوينات / إدواردو غاليانو .. حكّاء القصص المنسية

إدواردو غاليانو .. حكّاء القصص المنسية

152
(1)

لا أذكر بالضبط متى كانت أول مرة تعرفت فيها على إسمه ، لكنني أتذكر جيداً أن أول كتاب قرأته له ( أبناء الأيام ) حلق بي في رحلة شيقة على امتداد 365 يوماً من أيام العام ، مستخدماً فيه كل براعته الكتابية ومعلوماته الغزيرة ليحكي عن التاريخ مختزلاً في كل حدث رسالة صغيرة .. قصة معبرة ونقداً عنيفاً لكل أنواع الأخطاء التي ارتكبت في الماضي والتي لا زال بعضها تلاحقنا آثاره إلى اليوم ، إدواردو غاليانو إختار ” أبناء الأيام ” عنواناً لكتابه لأن شعب المايا في غواتيمالا هو الشعب الوحيد الذي يعتبر الزمن فضاء حيث الأيام هي التي تصنع أو تُشكِل الأشخاص ، ومن هؤلاء تتولد القصص والحكايات ، لأن الإنسان هو ابن تاريخه أو حكاياته ، وفيه يقدم غاليانو تاريخاً يحاول أن ينتصر فيه للمظلومين والمستعبدين في الأرض ( سكان أمريكا الجنوبية من الهنود ، العبيد الأفارقة ضد المستعمر الغازي ، المفكرون والعلماء والنساء ضد محاكم التفتيش وسلطة الكنيسة ، والأرض والحياة الطبيعية ضد الآلة التجارية التي تسعى لخلق مجتمع مستهلك فقط ) .

الكتاب الذي لم يكن منشوراً ثورياً أو محاولة لكتابة تاريخ جديد فقط رغم محاولته فعل هذا منطلقاً من إيمانه بأننا قد : ” تعلمنا الماضي بطريقة جعلتنا نستكين للحاضر بضمائر جافة ، لا لنصنع التاريخ الذي صنع سابقاً بل لكي نقبله ، توقّف التاريخ المسكين عن التنفس ، تمت خيانته في النصوص الأكاديمية ، كذب عليه في المدارس ، أغرق بالتواريخ ، سجنوه في المتاحف، ودفنوه تحت أكاليل الزهر، ووراء تماثيل برونزية، ورخام تذكاري ” لكنه أيضاً محاولة للاحتفاء بالجمال الذي في التاريخ ، وبمن صنعوه : ( تشيخوف ، ديستوفيسكي ، مارك توين ، تشي جيفارا ، هوشي منه ، زورو ، بوب مارلي ، فيلم ذهب مع الريح ، أجمل هدف في تاريخ كرة القدم ، ومحمد البوعزيزي حيث كتب عنه : ” النار الصغيرة التي لا تتجاوز طول قامة بائع جوّال، صارت خلال أيامٍ قليلة بحجم العالم العربي بأسره، المشتعل بأناس ملّوا من كونهم لا شيء ” .

(2)

كل ذلك شدني لمواصلة البحث عن باقي ما كتبه الرجل وحين بدأت ” أفواه الزمن ” واصل غاليانو ممارسة سحرِه كنسرٍ هبط من الأعالي ليصطاد من البحر ما لا نراهُ نحن ، بمونولوجاتهِ الساحِرة .. قِصصهِ القصيرة .. شذرّاتهِ الصادِمة يصطادُ لأجلِكَ اللقطات التي تمرُ عليك دونما انتِباهْ .

و بطريقتهِ المُفضلة .. إختار العناوين بتناسقٍ ذكي يهبُكَ الدهشة بتكثيفٍ بارع طارِحاً الأسئلة الفلسفية والوجودية والتاريخية ، منحازاً في كل ذلك – كما كان دوماً – للجمال الإنساني ومعادياً لسُدنة المال والآلة وللمجتمع الاستِهلاكي .

وريثُ حضارةِ المايا منحني فُرصة التوغلِ داخِل مملكةِ الزمن ، حيثُ يعيدُ للحقائق ملامِحهَا الأصلية ، ويضمنُ للقارئ مُتعةً ممزوجةً بالألم .

(3)

إدواردو غاليانو رحل عن 75 عاماً ( 1940 – 2015 م ) بعد أن ترك خلفه إرثاً ضخماً من الكتابات التي يعترف هو شخصياً أنه لا يعرف إلى أي جنس أدبي تنتمي ، فهي ليست قصصاً فقط ولا شهادات أو ملاحم شعرية أو مقالة أو تاريخاً ، ولا يهتم بذلك لأنه لا يؤمن بالحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية إستناداً إلى أهواء ضباط جمارك الأدب .

(4)

لو عدنا للبدايات فسنرى أن إدواردو كان ملخصاً لحالات فشله ، فحين كان شاباً أراد أن يصبح نجم كرة قدم ، لكنه كان يملك قدمين خشبيتين ” كنت ألعب جيداً، كنتُ رائعاً، ولكن في الليل فقط، في أثناء نومي ، أما في النهار فأنا أسوأ قدم متخشبة عرفتها ملاعب الأحياء في بلادي” ، ليقتنع بأنه : ” مجرد متسول يطلب أن تُقدم له كرة قدم حقيقية، يمضي متوسلاً في الإستادات : هاتوا هجمة جميلة واحدة ، لعبة جميلة حباً بالرب ” لدرجة أنه كان في كل مونديال يضع لافتة على باب بيته مكتوباً عليها بخط يده ” مغلق بسبب كرة القدم ” ، ويؤلف بعد سنوات من ذلك كتاب كرة القدم الأكثر شاعرية ( كرة القدم بين الشمس والظل ) ، ثم أراد أن يصبح قديساً لكنه لم يستطع ﺃﻥ يفعل ذلك فقد كانت لديه ميول ﺇﻟﻰ الخطيئة ، وبعد ذلك حاول أن يغدو فناناً وأصبح يرسم بالكلمات ، وقد كانت له مواهب في الرسم حيث زين ببعضها صفحات كتابه المعانقات .

(5)

لم تكن الكتابة بالنسبة له أمراً سهلاً ومحاولة إنتحاره الفاشلة كانت خير دليل على ذلك ، قبل أن يضع نصب عينيه بعدها نصيحتان حصل عليهما من المايسترو الأورغواياني خوان كارلوس أونيتي الذي قال له ذات مرة : ” الكلمات الوحيدة التي تستحق الحياة هي الكلمات الأفضل من الصمت ” ، ومعلمه خوان رولفو الذي أمسك في أحد الأيام قلم رصاص وقال له : ” إنني أكتب بهذا، ولكنني أكتب أكثر بكثير بهذه ” وأشار إلى الممحاة .

(6)

إدواردو غاليانو الذي يؤمن بأن “التاريخ لعبة نرد” كرّس نفسه لتشريح الواقع المزيف مميطاً اللثام عن الذاكرة المسروقة بدعاوي العولمة القادمة من أوربا وأمريكا ، مُعرياً اللغة ومتحرّراً من الوصاية والإملاء وسلطويّة الكتّاب الذين يعتقدون أن الله انتقاهم كي يعلّموا الجماهير : ” بعض الكتّاب يخالون أن الله اصطفاهم ولكنني لست كذلك، فمن اختارني هو الشيطان، هذا واضح ” ، رافضاً إعتباره معلماً فهو ” لا يدرّس أحداً، بل يحكي القصص المنسيّة التي تستحقّ أن تُروى “

كان يقول : إن ذاكرتي تعرف عني أكثر مما أعرفه عن نفسي ، وإن خوفي الكبير هو أننا سنعاني جميعاً من فقدان الذاكرة ؛ لذا تم إعتبار عمله الأشهر “العروق المفتوحة لأميركا اللاتينية” والذي إحتاج لأربعة أشهر من التقصي والبحث وتسعين ليلة كي يكتبه وتمت ترجمته إلى نحو عشرين لغة إنجيل الثوار هنالك لأنه يساهم في إنقاذ الذاكرة المخطوفة لتلك الأرض المحتقرة والمحبوبة كما يُحِب هو أن يسميها ، ورغم حملات الهجوم التي شُنت على الكتاب من أساطين الفكر الرجعي إلا أنه ظل أكثر الكتب تعرضاً للسرقة من مكتبات بوينس أيرس على الرغم من مرور أكثر من أربعين عاماً على صدوره ، «هذا يعني أنه الكتاب مطلوب أكثر من سواه بين من لا يملكون نقوداً لشرائه». يعلق غاليانو ضاحكاً .

(7)

عاش إدواردو غاليانو طفولته وشبابه الأول في مونتيفيديو عاصمة الأوروغواي، واندفع إلى العمل الصحافي مبكراً، في نهاية عامين من دراسته الثانوية، وانضم إلى محرري صحيفة مارشا الأسبوعية وانتقل إلى رئاسة تحرير الصحيفة اليومية «ايبوكا»، وبعد استيلاء الطغمة العسكرية على السلطة عام 1973 دخل غاليانــو السجن ثم نفي إلى الأرجنتين حيث أصدر مجلة فكرية وثقافية، وظهر اسمه في قائمة المطلوبين لدى كتائب الموت، بعد الانقلاب العسكري في الأرجنتين فهرب إلى إسبانيا «تركت الأوروغواي لأنني لم أرد أن أبقى سجيناً، وغادرت الأرجنتين لأنني لم أرد الاستلقاء في المقبرة، فالموت ممل جدّاً» ، وهنالك أنجز ثلاثية «ذاكرة النار»، وعاد أخيراً إلى مونتيفيديو عام 1985، بعد عودة الديموقراطيين إلى السلطة في انتخابات حرة، كتب عنها غاليانو تحت عنوان «حيث يصوّت الشعب ضد الخوف» ، وعند عودته، وضع مرساةً كبيرة أمام بيته في إشارة إلى أنه لن يغادر البلاد مهما جرى. وقد أقام حتى وفاته في مونتيفيديو، مدينة مولده.

(8)

لا يمكنك إلا أن تحترم هذا الرجل المحافظ على مبادئه وإنحيازه نحو الفئة السحيقة رغم كل العواصف العاتية التي واجهها ، تلك الفئة التي يطلق عليها : ” اللا أحد ” ، وقد كانت قيمة المثقف الحقيقي عنده تتمثل دوماً في مواقفه ( مع أو ضد ) هذه الفئة ؛ ولم يكن يتوانى في إبداء رأيه بوضوح بخصوص مواقف النخب التي لا تتماشى مع قناعاته ؛ لذا شن هجوماً لاذعاً على خورخي لويس بورخيس قائلاً :

” إن بورخيس لم يشغل أية مكانة في أعماقي أبداً ولا أشعر بتلك الجاذبية في أعماله ليس لأنها تفتقد الى الإبداع والإبتكار ، بل على العكس فأنا أقدّر كثيراً أسلوبه وكونه رجلاً حاذقاً وهو مثقف كبير بلا شك ، لكني أراه محض رأسٍ ولاشيء غير هذا الرأس فهو لايمتلك قلباً دافقاً ولاجنساً إنسانياً ولا معدة جائعة تشعر بفاقة الآخرين ، نعم يحوز رأساً لامعاً في غاية الذكاء ليس الاّ ، أراه من أصحاب النخب الغارقة في إنعزالها عن الشريحة المسحوقة ، نكوصياً وعنصرياً يعتاش على حنينه الدائم للدكتاتورية والعسكريتاريا المعادية لشعوبها والمتسلطة على مقدرات الملأ العريض وكم أمقت تعلّقه الدائم بالجنرال ” فيديلا ” حاكم الأرجنتين الأسبق والجنرال ” بينوشيت ” قائد الانقلاب القذر على سلفادور أليندي وتنصيب نفسه رئيسا موتورا حاقدا على الشعب التشيلي ، فما جدوى ان يكون بورخيس مجرد عقلٍ مثقف قابع في مكتبة “

(9)

في العام 2009، حين أهدى الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيس، نسخة من كتاب “العروق المفتوحة لأميركا اللاتينية” إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما خلال القمة الأميركية ، سُئل غاليانو عن إحساسه بأن كتابه أصبح الأكثر مبيعاً وأنه أصبح مشهوراً، وقد جاء رده حاسماً: ” أنا لا أكتب لتُباع كتبي أو لأصبح مشهوراً ولا أكتب لأجل السوق. أنا أكتب لكي أقترب من الناس ” ، وقد كان صادقاً ففي نفس العام منحته «جامعة فيراكروث» المكسيكية جائزة دكتواره الشرف ، وقرأ حينها مقتطفات من كتابه «مرايا» الذي كان قد صدر حديثاً. وبعد انتهاء القراءة في قاعة نيزغوالكويوتل الضخمة والممتلئة بجمهور من الطلبة الجامعيين، دوت القاعة بتصفيق بالأيدي وبالأقدام ، فقد قرأ غاليانو في ذلك اليوم مقطعاً صغيراً عن تقديم فرقة مسرحية من الأورغوي لمسرحية لوركا «الإسكافية العجيبة» في إسبانيا فرانكو، بعد سنوات طويلة من مقتل الشاعر الغرناطي وتغييب اسمه. الجمهور يومها صفق للعرض بالأقدام. صفقوا بالأقدام كي تهتز أرض إسبانيا ويصل الدوي إلى لوركا المدفون في مكان مجهول منها، ويقول له كم أنت حيّ أيها الشاعر.

(10)

“هل للكتابة أيّ معنى؟ “

أخيراً يتساءل غاليانو ، ثم يجيب :

” الكتابة ليست أكثر من محاولة، في زمن الخزي والعار، لإنقاذ الأصوات التي سوف تشهد على حقيقة أننا كنّا هنا وكيف كنّا ؟!”

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

أضف تعليقاً