الرئيسية / احدث التدوينات / إستانبول ” قلب الشرق الأوسط النابض “

إستانبول ” قلب الشرق الأوسط النابض “

Istanbulinautumn-1-1-1

بقلم : صبحي آدم

كلمة الشرق الأوسط هي كلمة (أوربية) المعنى و المضمون، حيث أنها تصف جغرافية العالم بنظرة الأوربي و لاشك أن (الأوربي) ينظر إلى أوربا على أنها هي مركز العالم  الحضاري، رغم الجدل الواسع حول كلمة الشرق الأوسط و معناها إلا أنها منذ بدايات القرن العشرين راجت بين الناس و كثر استخدامها بين المثقفين و السياسيين و العسكريين، حتى الشرق أوسطيين أنفسهم تبنوا الكلمة و أصبحوا يستخدمونها لوصف منطقتهم.

لكل منطقة جغرافية مدن مُلهمة قديمة التاريخ، عتيقة المعمار، ساحرة الجغرافيا،  مما يؤهلها لتكون مركزًا لمنطقتها. و في هذا يقول الأكاديمي و السياسي التركي المعروف أحمد داؤد أوغلو في كتابه مدن و حضارات “أن المدن في معمارها و تخطيطها و معابدها و قصورها تعكس المستوى الحضاري الذي وصل إليه أصحابها، و من جانب أخر شكل المدن و حركتها يلهم عقول الأجيال الجديدة و الناشئة بالتالي تُخبرك المدن بالذهنية الموجودة و تقدم لك فرضية كي تتنبأ بالذهنية المستقبلية”. و الناظر إلى المدن الشرق أوسطية يجدها في تدهورٍ و خمولٍ شديد، فبعضها نتيجة للحروب الأهلية تحولت إلى ساحة فوضوية ممتلئة بالعصابات و تجار الحروب و بعضها الآخر سقط في إدارة أنظمة دكتاتورية شمولية أسكتت الرأي الآخر و كممت كل الأفواه فساد الصمت و السكون في دور النشر و ضعفت الجامعات و خمضت كل مجالات الحياة في تلك المدن. إلا أن إستانبول شذت عن مدن الشرق الأوسط الأخر و حافظت على حيويتها نوعًا ما. فتلك المدنية العريقة التي كانت يومًا عاصمةً للإمبراطورية الرومانية الشرقية ثم بعد الفتح العثماني تحولت لتكون عاصمةً للإمبراطورية العثمانية ما زالت تحافظ على زخمها حتى اليوم كإحدى مدن الجمهورية التركية الحديثة رغم أن مؤسسي الجمهورية التركية الحديثة لم يختاروها عاصمة لجمهوريتهم الحديثة و استبدلوها بمدينة أنقرة إلا أن إستانبول بتاريخها العريق و جغرافيتها الساحرة استطاعت أن تحافظ على حيويتها وحركيتها، فهي تمثل أحد أهم القِبل السياحية في الشرق الأوسط ، يزورها السياح من كل بقاع العالم، خلال التجوال في شوارعها و أسواقها الشعبية القديمة يمكنك أن تقابل عرب، روس، صينيين، أوربيين و أيضا أفارقة. منهم من هو سائح و منهم من هو تاجر و منهم من هو باحث و كذلك منهم الطلاب، فإستانبول بأبسط عبارة هي مدنية ملتقى(cosmopolitan)

نتيجة لتطور الاقتصاد التركي في العقد الأخير لدرجة مكنته من أن يكون أحد أهم الإقتصادات الناشئة في العالم، نمت أيضًا المدن التركية مستفيدةً من هذه الطفرة الاقتصادية و كان لإستانبول قصب السبق في ذلك كونها كبرى المدن التركية من ناحية السكان فأصبحت ملتقى تجاري عالمي، و قامت الشركات العالمية الكبرى بفتح فروع لها في إستانبول للاستفادة من الكم الهائل من سكان المدنية الذين تجاوز عددهم 15مليون و كذلك ملايين السياح الذين يزورون المدينة سنويًا فنشطت حركة التجارة في إستانبول و زاد دخل السكان و تطورت المعشية، مقابل هذا التطور قامت الحكومة ببناء خطوط (مترو أنفاق) جديدة ربطت أجزاء إستانبول مع بعضها البعض سهلت الحركة فيها، فأصبح أمام من يريد أن يتجول في المدينة خيارات متعددة فيمكن أن يستغل القطار الذي يعبر من تحت بحر مرمره ليربط الجزء الأسيوي من إستانبول بجزئها الأوربي أو يمكن أن يستغل الباخرة ليستمتع بالمناظر الجميلة و هو يعبر بمضيق البوسفور و كذلك خيار الباص موجود لمن يريد أن ينظر إلى إستانبول من خلال جسورها العالية.

في مجال التعليم أيضًا الحركة في إستانبول غاية في النشاط ، فالجامعات فيها ممتلئة بطلاب من مختلف أنحاء العالم، فالمنح التي تقدمها الحكومة و منظمات المجتمع المدني التركية جذبت الطلاب المتميزين الأجانب مما أسهم في إثراء المكتبة التركية بعدد من البحوث الممتازة، و ما يلفت الانتباه أيضًا تكتلات الطلاب الأجانب فيما بينهم و نقاشاتهم العلمية للمستقبل تحديدًا الطلاب الأفارقة الذين بهرهم النموذج التركي و الكثير منهم يفكر في أن ينسخ منه ما يمكن أن يُنسخ و يحمله معه عائدًا إلى أفريقيا، أيضًا الطلاب العرب يحاولون أن يجدوا مخرجًا لأزمة أمتهم من خلال التجربة التركية،  أما في ما يخص حركة النشر و الترجمة فهي أيضًا في نشطة ، فقاعات الجامعات و المؤتمرات تشهد يوميًا لقاءات و ندوات  لمناقشة كتب كُتبت أو ترجمت حديثًا.

أما بالنسبة للسياحة التاريخية فتعتبر إستانبول أحد أهم المدن العالمية في ذلك، فبها الكثير من المساجد التاريخية التي بنيت في الفترة العثمانية بأشكال معمارية باهرة، تتيح للشخص أن يتعرف على العمارة العثمانية الإسلامية الكلاسيكية في بناء المساجد و دور العبادة  المتأثرة بالعمارة الرومانية، كذلك بعض الآثار المتبقية من الإمبراطورية الرومانية الشرقية، أيضًا إستانبول بها عدد كبير من المتاحف و المكتبات كمكتبة(السليمانية) للمخطوطات اليدوية التي تحتوي على بعض أقدم المخطوطات في العالم.

كما قال أوغلو أن حال أي مدنية يخبرك بأحوال أهلها، من هنا نستطيع نفهم حال الترك و نظرتهم للعالم و سعيهم الحثيث في التواصل مع أفريقيا و الشرق بعد فشل مشروعهم في التواصل مع الغرب و الانضمام إلى سفينة الإتحاد الأوربي، فسعى الأتراك نحو تكوين صداقات جديدة مع الأجيال الأفريقية و العربية و كذلك الأسيوية الناشئة عبر تقديم منح دراسية لهم و جلبهم إليها، و استخدام  إمكانية المدنية لبناء ملتقى أسيوي أفريقي عربي مركز إستانبول، فقط الزمن كفيل بإثبات جدوى هذه الخطوة من عدمها

سحر إستانبول و جمالها يستحق أن تفرد له كتب، تصف جمال معمارها  و سحر جغرافيتها و عراقة تاريخها بشكل يليق بها، فهذه مجرد جمل بسيطة كتبت من طرف سائح سحرته  إستانبول يصف فيها بعض انطباعاته و يمني نفسه أن يرى هذه الحركية  في مدن الشرق الأخر التي كانت في يوم من الأيام مراكز للتجارة و الحضارة  و المعرفة

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً