الرئيسية / احدث التدوينات / إشكالية توالدات الديمقراطية الحديثة

إشكالية توالدات الديمقراطية الحديثة

  pillars_of_democracy4

ليس استقبال القرن الجديد، وعقوده، هو وحده الذي يُحتم قراءة مستجدة لمفاهيم وإشكالات الديمقراطية، ولأنه لا يمكن تمييز النموذج الأيقوني عندما يسقط فيما نعنيه بتراجع الحدود، وفي ظل التحّولات الكبرى، يجبر على تغيير جِلده، لاستيعاب الآني والمتدفق، من ثورة تقنية وسيلٍ معلوماتي، في خارجه، فيبدو الإصلاح بعيدا ومعقدا.

ما دام الوضع السياسي، قائماً على الاستبداد، فلا بد من الصراع بين الفكر الحّر والكوابح والمّحدات له، فالديمقراطية مشلولة، نتيجةً للانقسامات الحزبية، فإن مدياتها الفلسفية والتي تأثرت بشكل مفرط بالمصالح، كما أفسدها إسقاط معاني الفضيلة المدنية، تَهْدم، كل ادعاءٍ يقيني، لتظهر غير قادرة على تحديد مشكلاتٍ، كالتعبير عن الرأي، والمساواة، والتوازن بين الحريات والقيود الأخلاقية.

مثل المباني، تحتاجُ الديمقراطية بشّدة إلى ترميم، بما يُجدد النموذج، ويُكيفه مع العصر، فهذه المشاكل ليست فريدة، بل معضلاتٌ أكيدة، ومتراكمة للديمقراطية، حتى الراسخة منها، نشاهد تشككاً يقتربُ من التشاؤم حول ما إذا كان بإمكان الحكومات البرلمانية أن تواجه التحديات العالمية بنجاح.

هذه الشكوك تتحدث عن عدالتها، منذ أواخر القرن الثامن عشر، عندما تصادمت الأنظمة الدستورية الليبرالية، بشكل متكرر، مع أشكال الحكم الاستبدادي التي تدعيّ التفوق الأخلاقي.

اليوم، في رأيّ لا وجود لبديل استبدادي يُنافس الديمقراطية، في الانتشار والعمومية، وبدلاً عن المنافسة، هناك شاغلان آخران يُميزان المناقشات الحالية.

أولاً، هناك شعورٌ بأن الأشكال والممارسات الديمقراطية تتضاءل أو في مواجهة أنواع المشاركة السياسية الأصيلة -التي تحدث خارج المؤسسات الديمقراطية، أقرب إلى الشعب- لتبقى كنوعٍ من الديمقراطية المُستتِرة.

وهناك أيضاً الكثير من القلق إزاء الوطنية التي لم تعد تحدد قيماً، والتي يُفترض أن تكون آمنة بدرجة أو بأخرى من التهديدات، ومنعزلة عن القواعد والشروط، التي تضعها المؤسسات عبر الاتفاقات الدولية، التي لا يمُكن تحريكها على ما يبدو.

هذه المخاوف، نادراً ما تم الإصغاء إليها، من قِبل الديمقراطيات الليبرالية، لكن في عام 1989م أعلن فوكوياما في كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» انتصار الأنظمة والأسواق الحرة.

ووصف فوكوياما عولمة الديمقراطية الليبرالية الغربية بأنها “الشكل النهائي للحكم البشري“ فبانتصار الليبرالية تحققَ عالمُ الأفكار والوعي، حتى لو كان غير مكتمل بعد، تحت تأثيرات الرأسمالية، في العالم المادي.

بشكلٍ جدير بالثقة، فإن تعطيل هذا الاتجاه الذي لا يُقاوم، قد دفع، في الآونة الأخيرة، إلى هشاشة بالغة في مؤسساتها حول العالم.

ربما تكون ديمقراطيات اليوم الممثلة -تلك التي لا تبدو مرشحة للانهيار أو التطور- تواجهُ فقط مخاوفاً سريعة الزوال.

لكن التحدي أعمق من الشرعية الأخلاقية، والقدرات الحالية، إن استحسان التمثيل السياسي، الذي استعاد به جون لوك، فكتب في رسالته الثانية للحكومة:“إن القانون الإيجابي الأول والأساسي، لكل الكومنولث هو تأسيس السلطة التشريعية“.

وبالمثل، وصف جيمس ميل في عام 1820م «نظام التمثيل» بأنه:“الإكتشاف الكبير للأزمنة الحديثة“.

وليس كما قال بيير جوزيف برودون(1809-1865) وهو اشتراكي، لا سُلطوي:“الديمقراطية لا شيء، سوى طغيانٌ الأغلبية، أنها أسوأ أشكال الطغيان، لأنها لا تستند إلى سلطة الدين، ولا نُبل العِرق، ولا على حسنات الذكاء، بل على أرقام”.

ومع التمثيل السياسي، فإن الحجة مؤسسية، والقرارات التي تأتي نتيجةً للصراعات، لا يمكن التنبؤ بها.

ليس من المُستغرب أن تشمل أولى أعمال الدكتاتوريات الحديثة، عادةً تعليق البرلمان.

مع ذلك، فإن الديمقراطية السياسية يجبُ أن تعني أكثرَ من محاسبة الممثلين المُنتخَبين بانتخابات منتظمة وحرة ونزيهة.

جادل النظري السياسي روبرت أ.دال بأن أية عملية ديمقراطية محترمة، تتطلب أيضاً فرصاً متساوية للمشاركة خارج أكشاك الاقتراع، وفرصاً أخرى للمواطنين لفهمٍ مستنير سياسياً، وتشكيل أجندة السياسة.

ومع ذلك، ففي المجتمعات المعقدة والمتنوعة، والتي يكونُ التأثير المباشر فيها بعيد المنال، يتطلب اتخاذ القرارات الشرعية الجماعية، بانتخاب مُمثلين يفكرون بالتشريعاتِ، ويشرفون على تنفيذها.

كانت الدول الليبرالية القائمة على الحقوق والقانون والتمثيل، في الأصل غير ديمقراطية، حيثُ كانت العضويةُ محددةً، ومشروطةً بالملكية والجنس والعرق.

لكن مع تطور المشاركة الجماعية، فُكَ ارتباط الديمقراطية بالليبرالية.

لقد أصبحت شرعية الديمقراطية تعتمدُ على الحواجز العالية بين الثروة غير المتكافئة، من جهة، والمواطنة المتساوية من جهة أخرى.

كما أنه في ظل التعبير عن الجميع أصبح «المجتمع المدني» بأبعاد متعددة، يوجبُ إضافة التسامح إلى القيم الأساسية لليبرالية الجديدة.

لطالما خَشِيت النخبُ الديمقراطية، ولأنها لم تكن فكرةً قابلةً للتنفيذ فحسب، بل الامتداد والتطور.

وقد تطلب هذا التمدد -الاندماج الإشكالي بين الليبرالية والديمقراطية- بنمو قواعد للمعاملات تربطُ بين الدولة والاقتصاد والمجتمع، إذ كان تقديم الحقوق للمواطنين، وحماية الملكية لازماً، وهي عملية لا تتم بالثورية، بل عبر خدمة الدولة من قِبل النخب، الذين رأوا أن الحكومة، يجب أن تأتي بالانتخابات، وألا تكون مغلقةً أو مقتصرةً على جماعةٍ حاكمة.

على الرغم أن الفكرة ليست بلا حدود، إلا أن النظام، سيكون مفتوحا لأعضاء المجتمع المدني من خلال المنافسة الانتخابية، والصحافة الحرة، وتشكيل الرأي العام، غير المملوك للدولة، وقبل كل شيء، التمثيل في الهيئة التشريعية.

كما سيضمن تنظيم الحياة الاقتصادية بطرق تسمح لأصحاب العقارات ورؤوس الأموال بتحقيق أهدافهم التجارية في إطار قانون ”الصالح العام“.

مجموعة من التحديات شكّلت جزءاً لا يتجزأ من هذا المزيج بين الليبرالية والديمقراطية.

وتشمل هذه العوامل تأمين النمو الاقتصادي والأنماط المحترمة من التقسيم، وهذا ليس عملاً مهماً في ظل الظروف الرأسمالية، التي غالباً ما يكون فيها الاستبعاد، وليس الإدماج، هو القاعدة؛

لم يتم حل هذه المعضلات بشكل حاسم، سواء فكرياً أو سياسياً. ولأنها الفخاخ الدائمة، لليبرالية.

لكن في ظل التحولات، حتى الملتزمين بالديمقراطية، يُشككون في إرادة وقدرة الأنظمة الليبرالية على تحديد ومعالجة القضايا الملحّة.

في سنوات ما بين الحربين العالميتين، ازدادت أشكال الاستبداد التي تميزت بها السلطة التنفيذية غير المقيدة -بما في ذلك الفاشية والنازية والبلشفية الستالينية والشعبوية البيرونية والنزعة العسكرية اليابانية- من حيث القدرات، بينما بدت الديمقراطيات محفوفةً بالمخاطر.

بحلول أوائل الثلاثينيات، كانت الدكتاتوريات المتحمسة، تستقطبُ جاذبية جماعية، وسمعة بفعالية.

يبدو أنهم، وليسوا ديمقراطيات، سيحددون المستقبل! تساءل البريطاني جيمس بريس، وهو ليبرالي مبكّر، عما إذا كانت الأنظمة الديمقراطية تستطيع حلحلة تحديات اليوم، في الحكم والشرعية السياسية.

يمكننا قراءة التاريخ، سنعثرُ على تحذيرات بلا حدود، من أن ثقافة “الحداثة الليبرالية“ غير قادرة على إعطاء التوجيه لجيلٍ مشوش يواجهُ تفسخاً في النظام الاجتماعي، وبصعود الشيوعية، فالنظام الاجتماعي المحتضر، يُعجل بوفاته مع الجهود المحمومة لتجنبها أو تأجيلها“.

أعلن الفيلسوف ويليام إرنست هوكينغ، أن وقت الديمقراطية الليبرالية قد مضى فعلاً، ولأنها غير قادرة على تحقيق الوحدة الاجتماعية، هذه الحكومة، كما تنبأ، ليس لها مستقبل؛ وقد تطورت نقاطُ ضعفها، التي لا تُعد إلى شرورٍ مهددة“.

وحتى عالم السياسة المتفائل ليندسي روجرز اعتقد أن المؤسسات، يجب أن تتصالح مع وضع المبادئ، وكتب:“إن إعادة تجديد آليات الحكومة الجماهرية، التي ستحدث، أمرٌ مرغوب فيه إلى حد كبير“.

من الأمور الحاسمة، أيضاً، «شرعية التوجه نحو السياسة» الذي يتوقف على نكران الذات و«الغموض الأخلاقي» ضمن نظام سياسي يُضفي الشرعية على القرارات وفق الصياغة الرسمية دون تمييز المحتوى، وبالتالي، لا توجد إشارات إلى العدالة الجوهرية، أو اية علاقات بالقيم النهائية.

فالالتزام بالديمقراطية، يتطلبُ درجة عالية من الحياد السياسي، بشرط أن يتم احترامُ القيم الليبرالية، في مجتمعات عديدة، مثل الحرية المدنية، وسيادة القانون، وأن تكون عملية صنع القرار مفتوحةً وغير ملوثة.

إن مستقبل الديمقراطية الليبرالية يتطلبُ حلولاً لما حدده أ.دال منذ ستة عقود كإشكالية «تباين الكثافة التي يمتلك بها الأفراد والجماعات الأفضلية السياسية».

إذا كانت الديمقراطية تتطلب مثل هذه الاتفاقية الأساسية، أو الضمنية؛ كشرطٍ للتوفيق السياسي والعمل التشريعي، وأن تُنتج القوانين التي تعترف بالانفتاح على الأسئلة، فما هي نقاط الضعف التي تنشأ في غيابها؟ وما هي الآليات التي تقوم عليها هذه التفاهمات؟ وما هي الظروف التي تقلل من احتمال ازدهار هذا الإطار؟ نحن في حاجة مُلحّة إلى نقاش عميق حول هذه الأسئلة.

لقد بدت الحكومات الديمقراطية في عصرها أدنى بكثير من أدوات التعبئة الجماهيرية وحل المشكلات التي صاغتها الديكتاتوريات.

إذ كانت الضغوط على الديمقراطيات شديدة،

ثبتت صحة تأكيدات موسوليني عام 1932م بأن “الليبرالية تستعدُ لإغلاق أبواب المعابد“.

لقد أفُسح المجال أمام الدكتاتوريات، في إيطاليا وألمانيا واليابان وإسبانيا لتوطيد أنواع من الديمقراطية، حتى روسيا السلطوية، تحتضنُ شكلاً من الديمقراطية.

وباستثناء التجربة الواسعة للصين في الرأسمالية الاستبدادية، والتي تعود إلى «نظام الرجل» بعد عقود من الانفكاك من سلطة ماو، ومع الاندفاع المفاجئ للديمقراطية في الشرق الأوسط، فإن الليبرالية القائمة على حُكم القانون، والحكومة بالتعاقد، والحقوق الفردية، والتمثيل السياسي، ينبغي أن يُفهم أن الانتصار الأعظم، لم يكن في نجاحاتها السياسية الفردية -رغم وجود الكثير منها- ولكن إظهار، من خلال صنع القوانين، أنها قادرة على التعامل مع انهيار الرأسمالية.

لقد نجحت الليبرالية في إعادة تنشيط الديمقراطية، وعادت إلى مزاعم أعدائها، وأدت إلى تهدئة الشكوك، إن النجاحات المعيارية للديمقراطيات التشريعية بعد الحرب العالمية الثانية، تكمن في إدعاء شميت بأن الديمقراطية تمتلك «تناقضات جوهرية» غير قابلة للحل، تتطلب تحولاً جذرياً نحو السلطة التنفيذية، والتي تدعمها شرعيةُ سيادةٍ شعبية غير مسلحة.

بالنظر إلى التاريخ، لماذا تعاني الديمقراطية، مرةً أخرى من شكوكٍ حول إمكانية نجاحها في ظل صعود اليمين الشعبوي وتراجع اليسار؟

قبل عقدين، أشار ميشيل ألبرت إلى أن الجدل الأكثر أهمية، في أي لحظة محددة حول «الخيارات السياسية» يتم تحديدهُ من خلال البدائلِ الأكثر تطرفاً في سلسلة متصلة، على سبيل المثال، كانت الشيوعية السوفييتية غريماً منافساً؛ لذا كان سقوط الإتحاد السوفيتي في نهاية المطاف، يعني أن الديمقراطية لم تعد موبوءة بمعارضٍ، بل عليها أن تتصالح مع نفسها.

طُرحت الكثير من الأسئلة، على شاكلة: هل ستقوم الدولة بتنظيم الرأسمالية بقوة لضمان الرفاه العام، كما هو الحال في الكثير من دول أوروبا، أم أنها ستأخذ النهج الإنجلو أمريكي نحو المصالح التجارية؟

وبغض النظر عن الإجابة، لم يكن هذا الخلاف حول ما إذا كان يجب أن تكون هناك ديمقراطية ليبرالية أم لا، بل حول النوع الذي ستكون.

الآن، يبدو أن هذا النقاش غير كافي، لأن أزمة الديمقراطية في كلا النوعين من الأنظمة.

وعلى الرغم من أن الديمقراطية الليبرالية ليست ضد أكثر البدائل وحشية، فإن مؤسساتها المركزية مُشوهة بسبب عدم المساواة، في الوصول إلى النفوذ والتأثير، ولا سيما، عدم قدرة الهيئات التشريعية الوطنية على وضع السياسات.

لكن من المؤكد أن التشابه الجزئي بين اللحظة الاستبدادية الماضية، والاستياء المعاصر يجب أن يتم التعامل معه بحذر شديد.

لكن الحيز الحالي للخيارات أوسع وأكثر خطورة من السابق، التحديات تأخذ شكلين رئيسيين.

الأول هو ما إذا كان بإمكان المواطنين الوصول إلى الحياة السياسية والتأثير فيها بشكل فاعل أو حتى تطوير وجهات النظر المستنيرة حول القضايا الرئيسية.

فحجر الأساس للديمقراطية، هو ما أطلق عليه عالم الاجتماع الألماني كلاوس أوفِه «مبدأ عدم قابلية التحويل»: الفكرةُ القائلة بأنه لا ينبغي تحويل الأصول الاجتماعية والاقتصادية غير المتكافئة إلى نفوذ سياسي غير متكافئ، وحيث لا يتم فصل الثروة عن التأثير السياسي، فتفتقر الديمقراطية إلى التوزيع العادل لقوة المواطنين.

فإن كل ديمقراطية كبرى يتم إفسادها من خلال حدود مسامية بشكل كبير من خلال أسواق غير متكافئة، والسياسات القائمة على المساواة؛ في ظل هذه الظروف، تضعف المواطنة.

قد يتحولُ أعضاء النظام السياسي إلى جمهور من المتفرجين السلبيين بدلاً من مجتمع نشط.

التحدي الثاني للديمقراطية، يركزُ على طبيعة العملية التشريعية وعملها وقدراتها على «الموافقة» و«كرامة التشريع».

هذه المخاوف ليست خطيرة مثل تلك التي حدثت في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، عندما ادعت الديكتاتوريات أنها أكثر ديمقراطية لأنها أكثر مباشرة.

ولكن هناك أوجه تشابه في المخاوف الحالية حول الآثار المشئومة للانقسام الأيديولوجي، والآفاق الزمنية المحدودة، لصانعي القرار الذين يفشلون في التعامل مع القرارات الحاسمة.

فعندما تفشل الهيئات التشريعية في القيام بالأمر الصائب، هناك إغراء بالتحول إلى اتخاذ القرارات التنفيذية، قد تكمن الدوافع المتباينة وراء تشويه العملية التشريعية من ناحية، الرغبة في الحصول على نتائج سياسية من ناحية أخرى.

القضية ليست ما إذا كان انهيار الديمقراطية قد بدأ مما إذا كانت العملية المعقدة التي أُطلق عليها «إلغاء الديمقراطية» قيد التنفيذ.

في الديمقراطيات الراسخة في عصر هتلر وستالين، حاول العديد من النقّاد تجاوز ”فوضى السياسة الجماهيرية“ لقد سعوا إلى طرق أبسط وأكثر مباشرة لإدارة الشؤون العامة.

أرى أنه تم إحياءُ هذه الفكرة، فإن السعي وراء النتائج الصحيحة في الديمقراطيات المشحونة بالقلق في الوقت الحالي، غالباً ما يتجنب التمثيل السياسي.

لكن الجهود المبذولة للتغلب على «فوضى الديمقراطية الجماهرية» أمرٌ مؤسف لأن البرلمانات ليست مجرد متاجر لبيع الكلام؛ يجبُ أن تتمتع بالفضيلة في الجمع بين الرأي والإرادة.

إن أحد البدائل للديمقراطية الجماهرية، هو نموذجُ الديمقراطية التداولية، المبنية على فكرة أن المشاكل الصعبة سوف تُحل وتصبح النتائج تمييزية بشكل متساوٍ إذا تم منح المواطنين فرصًا للتفكير سويًا على أساس افتراض المصالح المشتركة. هنا، فإن رأي يتجاوز، خيار آخر هو شعبوي نافذ.

وقد دُفعت هذه الشعوبية السياسة إلى اليمين، ورغم أن هذه الحركات متفاوتة في أهدافها، إلا أنها تشتركُ في الاقتناع بأن الأشخاص المعبئين يجبرون على التوصل إلى نتائج تفوق تلك التي حققتها النخب.

الخلافُ الثالث هو الاستفتاء، وعلى النقيض من النهج التداولي، فإن هذه الاستفتاءات ليست فرصاً للتداول الشعبي.

تجدر الإشارة إلى نسخة جان جاك روسو من الجمهورية، التي ألغت أنماط التمثيل العدائية، وسعت هذه البدائل إلى المزيد من الديمقراطية – المزيد من التصويت، والمشاركة الكثيفة، والمباشرة، والمزيد من مواقع المداولات- بفصلها عن الأسس المؤسسية الرئيسية للديمقراطية الليبرالية.

مع ذلك، وعلى الرغم من سخطها، لا يمكنُ للديمقراطية أن تستغني عن التمثيل السياسي. هذا الفهم كان حيوياً.

ومثل روسو، كان المفكرون الأساسيون -مختلفون مثل جيمس ماديسون، وهو الرئيس الرابع للولايات المتحدة، وتوماس بين- يتخذون السيادة الشعبية كنقطة انطلاق.

ولكن على خلاف روسو، قد شددوا على أن القرارات الأساسية للحكومة يَجِبُ أن تأتي من هيئة تشريعية قائمة على التمثيل السياسي، وليس من أناس مجتمعين.

عندما يتم تشغيل ظهور التمثيل التشريعي، ونشر أدوات بديلة، لا كشريك ولكن كبديل للمنافسة الانتخابية ولعمل القوانين البرلمانية، فإن خطر الاستبداد غير الليبرالي ينمو.

لقد توقف الشكل الاستبدادي الناجم عن قسوة النازية أو الستالينية، بخلق في أسوء الأحوال ديمقراطية، تآكلَ فيها الفصلُ بين القوات المسلحة والسياسات المدنية، وتغلبت فيها السلطة التنفيذية بشكل روتيني، على الإجراءات البرلمانية وصنع القوانين الديمقراطية.

عندما شرع لوك في وصف النظام، حدد السلطة التشريعية، وأعرب عن قلقه إزاء الإفراط في تفويض الصلاحيات التشريعية، قائلاً:“لا يجبُ على التشريع، أن ينقل سلطةَ وضع القوانين، إلى أي هيئةٍ أخرى، أو يضعها في أي مكان، فقط حيث يوجد الشعب“.

عن محمد سالم

mm
كاتب من العراق