الرئيسية / احدث التدوينات / إطلالة على عوالم بوي جون

إطلالة على عوالم بوي جون

بوي

نافذة:

في العام 1983، وفي مدينة جوبا، ولد الطفل بوي جون أوانق – والذي سيغدو فيما بعد كاتباً مجيداً، ثم عاش طفولته في الخرطوم (حي الحاج يوسف)، وفي العام 2000، انشأ برفقة عدد من الكتاب مجموعة “أماسي القطاطي”، والتي اهتمت بإنتاج الفعل الثقافي. وبوي جون هو شاعر، روائي وقاص، حاصل علي منحة آفاق للكتابة الروائية، كما صدرت له أول رواية بعنوان “جنة الخفافيش” من مطبوعات دار الساقي بيروت 2017.

الأعمال الشعرية:

كتب بوي العديد من النصوص الشعرية الماتعة، والطريقة التي ينجز بها بوي الجملة الشعرية جد مدهشة، فهنالك ذلك التهكم:

لَمَعَانُ تاجِ المَلِك؛

هُتافنا له.

علوُّ عَرْشِ المَلِك؛

ركوعُنا له.

أو التراجدوكوميديا التي تظلل أغلب القصائد:

حين لم يجدوا مفرَّاً،

قالوا: “طريقٌ واحدٌ للفرار”.

سَنَطْلِي الغرابَ بالأبيض ونهتف:

هذا حَمَامُ السَّلام،

وحتى يبهت طلاءُ الغراب،

سنكون نَشَرْنا العذابَ،

واسْتُلِذَّ الخراب.

بعد زمنٍ،

لم يبهت لون الغراب،

ونسيَ البعضُ أنهم بُناةُ خراب.

مهما يكن، فقد اختلفوا؛

ظنَّ بعضُهُم أنَّ الغرابَ حمامٌ،

وقال بعضُهُم لِنَطْلِي هذا (الحمام) بلون الغراب.

بالإضافة إلى التجريب المستمر، من خلال جملٍ موسيقة قصيرة، إلى أسلوب الهايكو الياباني.

(1)

أشرقي،

لاذعٌ نوركِ،

وموتكِ مبهجٌ،

وأنت شاحبةٌ،

يا شمس.

(2)

قفي،

احملي دمعي،

وأمطريه قُبلاً،

على شفاهٍ جميلةٍ،

فأنت يا ريحُ لزجة.

كل ذلك يتم من خلال لغة غنية بمفرداتها ودلالتها، هذه المعزوفة التي تبدأ من العنوان الذي في حد نفسه يشي بقدرة شعرية عجيبة، وكمثال على ذلك “عشر مكانس لتنظيف الصمت” أو “ديمو: حربة تغلق الشمس”.

قراءة في قصيدة:

      صحوت وبي رغبة ملحة للقراءة، لأتناول مجلة إكسير، التي تحصلت عليها في اليوم السابق، من أحد بائعي الكتب المفروشة في وسط الخرطوم، ومن ثم، بدأت تمرير عيني على الفهرس، ليقع اختياري على اسم بوي جون، وذلك لسببين؛ أولهما أنه ترك أثراً طيباً في نفسي بعد قراءتي بعضاً من نصوصه الشعرية والسردية المنشورة هنا وهناك، والآخر أنني كنت أبحث عن المزيد من أعماله. ذهبت للصفحة المحددة، لأقرأ عنوان القصيدة: “أَقَامْ لٌوْنْق”، هذا العنوان المبهم، الذي استوقفني لأُخمن أنه اسم لشخص ما قبل الذهاب إلى الحاشية وقراءة: “أقام لونق؛ هو من ينقل الكلام تفخيماً في المناسبات الاجتماعية المختلفة عند الدينكا”، ليتأكد تخميني، وأفكر للحظة في سر هذه التسمية، وعلاقتها بالنص، السر الذي اتضح لي سريعاً في الأبيات الأولي من القصيدة، لأدرك أن القصيدة تحتوي علي مستويين/صوتين من الخطاب اللغوي، المستوي الأول هو صوت الشاعر الذي ينطلق ليعبر عنه هو- الشاعر- بجمل بديعة، وقصيرة نسبياً، والآخر هو صوت أقام لونق، والذي يفكك أبيات الصوت الأول، ومن ثم يعيد ترتيبها، وصياغتها بلغة مختلفة، أكثر شرحاً وإيضاحاً، مستخدماً أسلوب المبالغة أحياناَ، فتشعر كأنك في احدي تلك المناسبات لقبيلة الدينكا. فلنقرأ الأبيات الأولي من القصيدة:

أنا: مَا الذي كُنتُ أنتظرْ؟.

كنت أنتَظِرُكِ،

حتى ظُن بي الموتُ وقوفاً كشجرِ الدليبْ.

 أقَامْ لُونْق: عَنْكِ وَحْدكِ كان يبحثُ.

 كان ينتظر،

عَنْكِ قلبَ الأرضَ،

أَزعج النملَ،

لدغته العقاربُ،

شتمتهُ الثعالبُ،

منْ ينقذُه؟.

 أبراجُ الحمائِمِ لم تسلم من ظنونه،

في شباكِ العناكب له أصابع تتقلب،

يظن الريح تخبره بشيء.

 يظنها تهمس له.

 يُرْوَى: أنه يتعب،

وكلما اشتد تعبه برق تاجُه.

 ويُرْوَي: أنه لن ينجُو إلا بك.

       ونلاحظ أن صوت أمانق لونق يستخدم أسلوب الحكي لوصف حالة الشاعر، وأحيانا أخري كأنه رسول ليوصل حالة الشاعر – المحب – إلى الطرف الأخر المتمثل في محبوبته. ومن الأشياء المدهشة، كيفية استخدام اللغات المحلية لزيادة جمالية النص، فقد استخدمت لغتي الشلك والدينكا، و لنأخذ المقطع الآتي كمثال: “وبي تويلٌ لكِ لا يَنْخمدْ. يبدو هذا البيت غير مفهوم، إلي أن تجد في الحاشية أن تويل تعني الاشتياق حد المرض “المصدر: لغة الدينكا”. ومن الملاحظ أيضاً في كتابات بوي، اهتمامه بالموروث الشعبي لجنوب السودان، وهذا في نظري شيء جيد، لأنه سينتج أدب ذا قيمة جمالية، هي الغاية الأولي، ومعرفية نتيجة لاستخدام الغرائبي والميثولوجيا الشعبية المتخمة بالحكايات التي لم تكتب بعد.

الأعمال السردية:

بالإضافة إلى اشتغاله في الشعر، يكتب بوي جون الرواية والقصة القصيرة، كنت أود لو أنه توفرت لي رواياته كاملة، حتى اتمكن من تقديم قراءة تحاول أن تضيئ ولو جزءاً من عوالمه الروائية، لكن رواية “جنة الخفافيش” حديثة الصدور، لم تتوفر إلى الآن في المكتبات، وهنالك رواية أخرى تحت الطبع، بعنوان “حجر أبيض” نشر فصلين منها في مجلة البعيد الإلكترونية على الروابط التالية:

(هنا) و (هنا)

 

 

 

عن مجاهد الدومة

mm
قاص وشاعر من السودان

أضف تعليقاً