إقرأ

19b3cc7d31670eb32b5060344b70af2a

فوزي بسام :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

اعلم يا هداك الله ، أن الله لم ينزل آية “اقرأ” كأول آية في القرآن الكريم عبثاً،و لا خلق الله أول ما خلق ، القلم و اللوح المحفوظ ليدون كل ما سيكون بقدرة الله ، و هو القادر على خلق كل شيء دفعة واحدة ، و لا يرهقه في ذلك شيء ، إلا لغاية تتعلق بالمخلوقات ، و بالأخص الإنسان … و كأن الله جعل إدراك خلقه و الغاية من خلقه ، هو سبيل النجاة …

و كأن الله جعل الفكرة سابقة على كل شيء مخلوق ، فإذا أراد الإنسان أن يخلق شيئاً (أي أن يشكل شيئاً من الموجودات ، على غير خلقوية الله التي هي إيجاد الشيء من العدم) ، وجب عليه أن يعرف أولاً سنن الله في خلقه ، بالتالي فإن نجاحه في فعله الاستخلافي متوقف على المعرفة ، معرفة خلق الله ثم القيام بالفعل على مقتضى المعرفة …

و عليه يترتب أن الفكرة كانت موجودة قبل وجود الإنسان ، و كل ما فعلته البشرية هو اكتشاف هذه الفكرة الموجودة قبل وجودها بالجملة ! ثم تحاول اكتشاف الممكنات من تفاعل الموجودات ، بما فيها الأفكار ، على أن تفاعل هذه الموجودات ، من معرفة بالمخلوقات العينية و الأفكار القبلية ، ليست سوى محاولة لاكتشاف الممكنات الكامنة في جملة الموجودات القبلية (الأفكار و الأشياء) ، و الممكنات من تفاعلها ، و التي هي بالأساس موجودات قبلية ! … فاكتشاف الفكرة إذا هي نتاج تفاعل الإنسان مع الطبيعة و التاريخ ، و التاريخ يحمل معه حتمية معينة وجدت قبل الإنسان ، و على أساس تفاعل الإنسان الحر بطبعه يتغير التاريخ ، بحتمياته الموجودة قبله …

فالحتمية ليست هي الإجبارية كما يطرأ على ذهن الكثير ، و إنما هي النتائج الحتمية عن تفاعل الإنسان (المخلوق المخول للخطأ و الصواب) مع الموجودات القبلية من الأفكار و الأشياء ، و عليه تتغير حركة التاريخ بنظام عجيب ، أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه نظام إعجازي !

و قد تحدث أبو حامد الغزالي رحمه عن العوالم الممكنة ، و التي هي تعبير عن الأثر الشهير : “يعلم ما كان و ما سيكون ، و ما لا يكون كيف كان ليكون” (المقصود هنا هو الله سبحانه في علاه)،فالإنسان في حياته من حيث أن كل ما يملك من رأس المال هو لحظته ، فإن تلك اللحظة هي أصل فعله الحر ، و على أساس فعله يختار أي الممكنات سيتخذ ، ثم على أساس اختياره تطرأ سنن الحتميات التاريخية ، و تفاعلها مع فعل الإنسان في الاختيار ، ثم ترتد نتائج أو عقبى فعله عليه …

و قد قيل أن سبيل الحق واحد و سبل الباطل متعددة ، و عليه يكون اختيار الإنسان في لحظة الحرية تلك ، لحظة الآن ، هي اختيار سبيل الحق أو سبيل الباطل … و قد لا يعلم الإنسان الحكم السنني (الذي هو حكم تفاعل سنن الله في خلقه ، كما قدره الله من قبل في اللوح المحفوظ) إلا بعد حين ، طال الزمان أم قصر ، و على أساس تقييمه المستقبلي سيدرك الإنسان خطأه من صوابه ، ما لم يكابر في الحقائق …

و عليه يكون حتى معيارية : الصواب و الخطأ ، و المعيارية الأشمل : الحق و الباطل ، هي دليل آخر على أن الفكرة موجودة قبل وجود الإنسان ، و لم تنتظر حتى قدوم الإنسان لكي يخلقها من العدم كما يتوهم الكثيرون ! … من حيث تفاعل فعله الذهني مع سنن الله في الكون و في التاريخ …

فالتفاعل مع الكون في التاريخ بالشكل السليم ، أي على أساس الحقائق الموجودة (الحقيقة المطابقة للموجود ، لا الحقيقة المتوهمة) ، هو أصل التمكين للإنسان ، و استعمال الموجودات ، و بالتالي هي أصل تمكن الإنسان من الطبيعة ، فعلى سبيل المثال ، إن التوهم أن الحديد لين لن يمكن الإنسان من استعماله ! بل سيظل استعماله عصي على الإنسان ما لم يبدل وهمه حول حقيقة الحديد ، على أنه صلب يحتاج في تطويعه إلى النار …

و هذا ما انطلقت منه الحضارة الغربية في ثورتها الصناعية ، و التي تميزت بأكثر ما يكون في استعمال الحديد و الفحم ، فهي لم تخالف سنن الموجودات في استعمالها لها ، بالتالي هي صدقت في رؤيتها لها … إلا أن الخطأ الذي وقعت فيه أن اعتبرت أن الموجودات هي التي تعبر عن ذاتها ، كما هي موجودة ، و بالتالي أصبحت الموجودات هي مصدر المعرفة ، و بالتالي أصبحت هي موجودة قبل الفكرة ، أو بمعنى آخر : أصبح الشيء موجوداً قبل الفكرة عندهم ، أو على الأقل : أصبح وجود الفكرة كامن في وجود الشيء … !

و لعل هذا الخطأ ناجم عن التمجيد المبالغ فيه للمنهج التجريبي ، الذي و إن حارب بعض الخرافات ، إلا أن التعصب له خلق خرافة جديدة ، ألا و هي إنكار كل القبليات ، و بالتالي إنكار كل الغيبيات ! فأصبح وجود الشيء هو عين عقله ، و بذلك أصبح الإنسان محبوساً في لحظته الزمنية ، بدل أن تكون تلك اللحظة هي لحظة حريته ! فقد امتد هذا النموذج الفكري الحتمي إلى الحد الذي جعل الإنسان من جملة الأشياء الواقعة تحت طارئ التسلسل السببي الحتمي ، و بذلك فقد الإنسان حريته …

و كيف لا يفقدها هو قد جعل الفكرة الشرط الأول لحريته محبوسة في المكان الشيئي في لحظة زمنية ما! و بذلك جعل الشيء أعلى مرتبة من الإنسان و من الفكرة …

و لعلنا لو عدنا خطوة إلى الوراء لننظر إلى سيناريو تحول الإنسان من المعرفة الأسطورية إلى المعرفة التجريبية ، للاحظنا أن الإنسان بمحاولته ولوج مرحلة التجريب ، أنه يحاول بشكل خفي تراكم مع الوقت ، و بالتالي عظم مع الوقت ، أن يخرج الفعل الإلهي من خلال تقنين حركة الطبيعة بعلمها الوضعي ، المتعلق بالظرفية الزمانية و المكانية … فأي غرور و تعالي أكثر من هذا من الإنسان على الله !

فإذا ، انتهى الأمر به مؤخراً ، أن جعل الشيء أو الطبيعة أعلى مرتبة من الإنسان ، و جعل الإنسان أعلى مرتبة من الله ! بالتالي قلب الأمور رأس على عقب ، و أكثر من ذلك ، هو بهذا الشكل صرع كل ممكنات حريته ، التي هي لحظته المعاشة … فلا عجب أن يتحول دور العلم في العصر الحديث من التبرير إلى التفسير ، أي أن يفسر حركة المادة دون أن يعتني بالمعنى ، و أن يسبق الشيء على الفكرة …

فكيف تحول العلم من وسيلة للتنوير إلى وسيلة للظلامية ؟! أي من وسيلة للإيمان إلى وسيلة إلى الإلحاد كما ادعينا مؤخراً ؟!

الحقيقة أن هذه المشكلة بدأت كما تبين من خلال طرح السياق التاريخي السابق ، لما حاول العقل البشري فصل تسلسل أحداث الكون في الزمن عن قدرة الله ، أي بمعنى لما فصل معنى الحتمية عن السننية ، فظن أن سنة الله في خلقه هي محض قانون مجرد (ابتدأ مشوار هذا التجريد لما قال الفلاسفة القدامى بجوهرية العقل ، بالتالي أمرا مجردا بذاته !) ، أي أن هذه القوانين الكونية قائمة بذاتها ، غافلين عن كون أن الله هو ما يأذن لهذه القوانين أن تتحقق ، بقدرته تعالى …

فعكفوا إلى دراسة الظواهر الطبيعية ، و ردوا تفسيراته إلى محض التسلسل السببي ، و عزلوا عن دراسة الطبيعة دورها التبريري (و هي الغاية من وراء دعوة اقرأ) أي بمعنى غفلوا عن كون أن هذا التسلسل السببي الطبيعي ما هي إلا صورة منطقية ، قد لا يمكن للبشرية أن تستوعبها كلها في يوم الأيام ، و أن هذه الصورة أصلا مخلوقة محفوظة في علم الله ، يحب أن يدعي بعض المتكلمين أنها محفوظة في اللوح المحفوظ …

لذلك كان من جملة ضلالات العلم الإنساني ، أن غرق في هذه الصورة التسلسلية السببية ، بعد أن جعل حتميتها منفصلة عن قدرة الله ، فلا عجب أن جعلها إله الإنسان دون الله ، يتقربون إليها من دون الله … و بذلك تحولوا من عبادة المطلق إلى عبادة المقيد !

و عليه ، فإن دعوة “اقرأ” تدعوا إلى التدبر في آيات الله ، لعلها تكون واعظة للإنسان ، و التي لا تقتصر فقط في جملة الأشياء السائرة في صورة التسلسل السببي فقط ، بل حتى هذا التصور السببي المتسلسل هو بحد ذاته آية من آيات الله يحتاج إلى التدبر فيه (في جزءه و في كله) ، لا في مضمونه فقط ، فبهذا يكون العلم وسيلة تنوير …

و من هذا المنطلق يمكننا القول أن أصلا من أصول الحرية ، هو إدراك أن الطبيعة و التاريخ هي من سنن الله …

و انظر كيف أن الآية الأولى الكاملة في القرآن الكريم هي : “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ” ، و ليس ” اقْرَأْ ” فحسب ، و كأن الآية تضعنا أمام غاية هي نفسها وسيلة للهداية ، ألا و هي العلم بالله و لله و في الله … فمن دون نور الله أو هدي الله ، الذي لا يؤتى إلا بالعبادة أو الدعاء ، يصبح العلم ظلامياً ، بالتالي وسيلة للضلالة

و كأن الدعاء هاهنا هو طلب للعون الإلهي ، في رحلة تعلم الإنسان ، و بالتالي هداية سعيه في هذه الحياة ، بتنوير طريقه و عقله بقدرته سبحانه و تعالى ، ما دام أن كل شيء بأمره يتم ، حتى سنن الله في الكون ، التي جعلها ثابتة بالنسبة للمعرفة الإنسانية ، في نظام صوري متسلسل ، و التي لو شاء لغيرها كتحدي للعقل البشري المغرور … على أنه حتى هذا النظام الصوري الدقيق هو تحد كاف لإعجاز هذا العقل ، فلا عجب أن يؤمن أكابر علماء الطبيعة بعد رحلة إلحاد طويلة ، في كنف الفلسفة العلمية الحديثة …

 

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .

أضف تعليقاً