الرئيسية / احدث التدوينات / إنتحار ليلة رأس السنة

إنتحار ليلة رأس السنة

25975668_1669840979725884_928823170_n

بقلم : ميرغني طه

في إحدى بنايات الحي السادس «Malá Strana» – بمدينة براغ التشيكية – تركتُ كل الأمسيات الرائعة والبهجة في المدينة ،نهر فلتافا ، والأنس مع العم «خليل» الفلسطيني العجوز الذي يقيم بالمدينة منذ زمن طويل ، قلعة الباروك التي تصدّت للأطماع الفرنسية بحفلاتها اليومية الساحرة ، المتاحف الغنية بأروع اللوحات والتماثيل الأثرية ، والطرقات الأسطورية الصادمة آنذاك لأفريقي هارب من الجحيم . تركتُ كل هذا وأكثر ، وجلستُ على الشرفة أبكي حينًا حنينًا للبلاد التي أنجبتني ، وأستمعُ لمقطوعات المؤلف الموسيقي «بدريخ سميتانا» محاولًا الإندماج في هذا المجتمع الصادم والمُبهر البعيد جدًا جدًا عن تصّوري، تجوّلت في الشقة الصغيرة التي منحتني لها مفوضية اللاجئين رِفقة «مارك» الطبيب اليوغندي اللاهث خلف البارات والسهر والنساء؛ تصفحتُ كتاب علمي يتحدّث عن التحكم في سلوك الفئران،

وقفتُ في الشرفة أستنشق النسمات العابرة اللّاسعة ، ثم قادتني عيناي للبناية المقابلة ؛ – غرفة في الطابق السادس – شخصٌ ما يقف في النافذة، وضوء بسيط يُضيء الغرفة إضاءة خافتة كأنه ضوء فنار في ساحل بعيد . تجاهلتُ الأمر وقررتُ النوم بعد يوم حافل بالجلوس في مقاعد مترو الأنفاق الذي يشق المدينة، النهار بأكمله أنفقته في التجوال دون هدف ودون وجهة محددة، نمتُ كمخمور تجرّع مائة كوب من الشمبانيا. 

 

لاحظتُ لاحقًا بعد عدة أيام ؛ أن الشخص الذي يقف في النافذة يكاد لا يتحرك من مكانه صباحًا نهاراً ليلًا وهو يقف هكذا !! . ترى ما هذا الشيء ومتى يتحرك ؟… تمنيتُ لو أن أعرف حقيقةَ الأمر ولو بالتسلل إلى تلك الشقة ولكن متى؟ وكيف؟ ..

 

-صباح التاسع والعشرون من ديسمبر- بينما أتناول وجبة الإفطار في شرفة الشقة، وأُراقب من حين لآخر الشقة المقابلة . لمحتُ ذلك الشخص أو ال«شيء»، رأيتهُ يتحرَّك ومع ضوء النهار وبواسطة منظار مُكبِّر لمحتهُ يضع شالًا من الصوف الأحمر، ثم أختفى .. نزلتُ بسرعة إلى الشارع، وظللتُ أراقب مدخل العمارة حتى خرجَ رجلٌ ثلاثيني -تقريبًا- يرتدي شالًا أحمر يبدو عليه الإضطراب بل والذُعر مُسرِعًا، تجاوَزَ العابرين بعصبية … لم أُفكرْ أبداً، اندفعتُ فقط إلى داخل العمارة نحو شقة الرجل، وجدتُ البابَ غير مغلق، حركتُ القفل ببطء، أصدرَ صوت ظننتهُ لوهلة صوت مقصلة إعدام إحتكّت مفاصلها مع بعضها البعض، ذُعرتُ … وقادني التوتّر لإقتحام الشقة وإغلاقها من الداخل .

 

وقفتُ لمدة طويلة في فناء الشقة، ألتقطُ أنفاسي المتسارعة، ثم فتحتُ باب الغرفة التي تطلُ على شُرفتي … غرفة تشبه الموت، إنني لا أستطيع أن أجد وصفًا يماثلها سوى الموت، الجدار بلا لون معروف على الأقل بالنسبة لي، مزيج فوضوي من الألوان رمادي، أسود، كحلي، أخضر، وأظن أن أحداً ما دَلَق في الجدران دِماءاً، وساهم ذلك بنسف كل محاولاتي لمعرفة حقيقة هذا اللون البائس.. مكتوب في الجدار : [ 1/1-الفناء ] .

 

نافذة لم تعُد تتسع سوى للخراب، عالمٌ كبير خلف النافذة، أشخاصٌ كُثر على هيئة زومبي يسيرون دون وعي في طرقات متسخة ومرعبة ومأساوية، عقارب بين الناس تلسعهم، وثعابين ضخمة تلتهم ما تصادفه بسرعة وتهضمه على عجل، ثم ترسم إبتسامة تسيل من أطرافها الدماء … سرير تافه يشبه تلك النوعية التي في حوادث المستشفيات والعنابر الطرفية، حديدٌ قديم، الطلاء الذي عليه بلغ العام العشرون قبل عِدة سنوات … لمبة قديمة لم تُضئ منذ سنوات تتدلى من السقف، مسجونة بقفص حديدي صدىء معلّق على مسمار ضخم مغروز في سقف الغرفة … الفِراش قطعة إسفنج قوية مغلّفة بمُشمّع، يتم وضعها على خشب تم رصّة بعرض السرير … 

 

شيء لا يُناسب ابداً إلا لشخص قضى نهاره كُلّه يُفكر جديًا في الإنتحار، العبارة التي على الجدار تؤكد ظني هذا . كأن الحياة تقول له: “هيّا، هيّا افعلْها، لاشيء في هذا العالم لك، أنت لا شيء سوى شيء مُهمَل ومنْسي، رجلٌ خراب” … حتى المروحة التي على السّقف متوقفة منذ سنوات، اتخذتها العناكب مسكنًا، ودَعَت لاحقًا أقاربهن من كل بقاع العالم ليُشاركوهن السكن الهادئ، كجزيرة نائية في بحر لا تعبره السفن! … صورة لرجل ثلاثيني يُشبه «فرانز كافكا» في كل شيء، يرتدي شالًا أحمر اللون؛ ملامح مُنهارة، عينان جاحظتان يفيض منهما دمع كثيف يرسم على وجهه خرائط من الملح، يبدو كمُسن تركه الأبناء الأوغاد في دار للمسنين دون أي زيارة حتى! … تُجاوِرها شهادة جامعية في الكيمياء من جامعة التشيك للتكنولوجيا في «العاصمة براغ»… حريق مُرعب يشتعل داخلهُ بلاشك، أعتقد أن قلبه لهبٌ لا ينطفئ إلا ليضيء مرة أخرى ، هكذا بصورة أبدية، قهرٌ لا نهائي يحيط به إحاطة السِّوار بالمعصم … لا طعام هنا مُطلقًا ولا بقاياه، لدرجة أن فأر الغرفة تحّول إلى قطعة جِلد جافة وهزيلة تساقط الشعر الذي يكسوها، وتعرّض للإصابة في أطرافه بمرض «باركنسون» !!.

 

خرجتُ من المكان كمن تطاردهُ الشياطين، جلستُ أمام البناية التي يسكن فيها «الرجل» أُحدِّث نفسي :” يا إلهي أضطرَبت خلايا مخ الفأر، انخفضت مستويات تلك المادة الكيميائية اللعينة -التي قرأت عنها مصادفة مساء الأمس- في دماغه بسبب الجوع !!! ترى ماذا حدث إذن لذلك «الرجل» !!! “. أظنُّ أن كلاهما بحاجة لتدخل جراحي على مستوى الدماغ والأعصاب، للتحكم في هذا الكم الهائل من المشاعر المشوهه لدى هذا الرجل … مهلًا ! هل يفكر «الرجل» حقًا في الإنتحار؟!! .. 

تركتُ تساؤلي جانبًا، وفكرتُ في ذلك الفأر المسكين يحتاج طبيبًا يُعيد له حياته المُبددة، وأظن أن العلم قد تطوّر بما يسمح بذلك، كما قرأتُ في كتاب «مارك» أن علماء قد أعلنوا مؤخراً و في سابقة حديثة قُدرتهم على السيطرة الفعلية على دماغ الفأر و التحكم بأفعاله !!

ترى هل يملك النشاط الكهربائي القدرة الكافية على التحكم في الأفكار و المشاعر و السلوك الإنساني ؟!! ؛ لو أن ذلك بالإمكان ؛ فثمّة أمل «للرجل» بتعديل نشاط وإدراك ذلك العقل المهترئ المُنهك!! .

 

ثم انتبهتُ لِما خلف نافذة «الرجل»!! يا الله كيف عبْر النافذة المشاهد بائسة قبيحة ومختلفة عن حقيقة الشارع!! ، لا مقارنة مطلقًا !. هل الخوف جعلني أتخيل أشياء ليست حقيقية، لا أظن !!، بكامل عقلي وتركيزي رأيت ما رأيت !… أصوات صاخبة لأطفال عابرين أعادتني للحياة من عصفٍ ذهني قاسي .. مُسرِعًا توجهتُ إلى مكتبةٍ مجاورة، أشتريتُ مِنظارًا مُكبرًا أكبر وأحدث، والرؤية عبره أوضح من الذي كنت أراقب به..

 

لم أسمح للخوفِ من السيطرة عليّ ، جلستُ بإستمرار ليومٍ كامل أُراقبُ الشقة المقابلة. مضى الوقت … وتبقى القليل على الموعد المُبهم للرحيل الأبدي الوشيك!! … ماذا أفعل؟! هل أبلغ الشرطة؟ .. كيف أبرر دخولي الشقة ؟!، أنا مَحض لاجئ، سأتسبب لنفسي بمشكلاتٍ نصحَنَي العم «خليل» بتفاديها … في الأثناء دخلَ «الرجل» إلى الغرفة، برؤية واضحة راقبتُ تحرُّكاته، رتّب كل شيء بدقة لموتٍ لا محالة!! . 

على الطاولة المتهالكة، كيسٌ به مادة بيضاء، ظلّ يعمل عليها بتركيز، ربما مستفيدًا من مهاراته في الكمياء!، يصنعُ سُمًا؛ مزَجَ المادة بحمض النتريك الذي في قارورة مكتوبٌ عليها الرمز الكيميائيHNO3 ، الذي يُذيب الصَّلب والفولاذ !! … ثم اطمأن على فعالية أنبوبة الغاز التي ترقد بسلام في ركن الغرفة … بينما تتدلّى من السقف مشنقة عَلقها في قفص اللمبة الحديدي ! .

 

في تمام الثانية عشرة -ليلة رأس السنة- صعدَ الرجل على الطاولة المتهالكة؛ ليضع رأسه في المشنقة، يحمل بيد كوب السّم، وبيد أخرج مسدس محشو بالرصاص … ركلَ الطاولة بعُنف، ودلق الكوب في جوفه، وأطلق الرصاص العشوائي على الركن الذي يحتضن أنبوب الغاز !!! .. تلاشى كل شيء في ثانية، رحيلٌ بشِع! ، ظللتُ أتابع هذه الأشياء كمن يشاهد فيلمًا سينمائيًا دون أن أفعل شيئًا !! . لِتأتي ردّة فعلي لاحقًا كالأوغاد؛ أكتبُ دون جدوى! ..

 

عن ميرغني طه

mm
كاتب من السودان