إنهم هناك ! (03)

Q1ep1AS

تغريد علي:

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

دخلت الممرضة لتلقي نظرة على آناا ، فوجدتها مستيقظة و نظرها معلق على “إدوارد” النائم .

قاطعتها بقولها : تبدين بحال أفضل ، فارتبكت قليلا ما تسبب في استيقاظ “إدوارد” إثر الرعشة الطفيفة التي سرت في أطرافها .

سألها باهتمام : هل أنت بخير ؟

أجابت : نعم

اقتربت الممرضة و أمسكت بساعدها ، تفحصت نبضها و عينيها ..

دونت بعض  الملاحظات و همت بالخروج قائلة : سيمر الطبيب خلال الساعة القادمة ، ربما سيمكنك بعدها المغادرة .. ثم أغلقت الباب و انصرفت .

شعرت “آناا” بالخجل الشديد إذ أنها لا تعرف “إدوارد” و قد أوغلته في دائرة متاعبها دون أن تقصد .

قالت بنبرة خافتة هادئة : أنا آسفة حقا .

رفع “إدوارد” يده لرأسه يرتب شعره الأشعث و قال مبتسما : لا بأس لا يخلو الأمر من الإثارة .

أضاف سائلا : ما الذي حدث لك ؟ أهو الرقم مجددا !!

شدت قبضتها على ملاءتها كأنها لا تود تذكر ما حدث ، أغمضت عينيها و هي تجيب : يا إلهي ، لن يصدقني أحد .

بعد قليل من التردد قال “إدوارد” :

أنا لا أعرف ما هو الأمر على وجه التحديد ، لكني متأكد من أنك تواجهين شيئا حقيقيا بالغ السوء .

لا أحب في العادة أن أقطع عهودا للآخرين ، و لكن أنا مضطر أن أعدك بأني سأقف بجانبك حتى ينتهي الأمر .

بابتسامة دامعة قالت له :

لست مجبرا على ذلك ، كما أنني لا أعرف صدقا ما هذا الشيء و كيف أنهيه .

صوت طرقات على الباب قطعت عليهما الحديث .

ولج الطبيب إلى الغرفة مبتسما ، كان خمسينيآ يحتفظ بوسامته .

بادر بالقول مخاطبا “إدوارد” ..

ها قد بقيت إذن !.

و توجه بنظره نحو “أناا” و هو يداعبها قائلا :

أنت محظوظة بهذا الجار الطيب ما جعلها تتورد قليلا ، أتبع يقول :

أنت بخير ، عليك بتناول بعض الأدوية و أفضل ألا تبقي وحيدة بالمنزل .

أيما كان ما عانيته و تسبب لك في هذه الصدمة آمل ألا تواجهيه مرة أخرى أو تتعرضي له .

وضع الروشتة في الطاولة و أشار لها بأنهم يستطيعون المغادرة .

كانت صامتة طوال الطريق ، و عندما وصلا إلى البيت ، طلبت أن تبقى في الخارج لحوجتها لبعض الهواء المنعش .

ضحك “إدوارد” و قال : حسنا

بقاؤك بالخارج سيمهلني أن أوضب الفوضى العارمة بالداخل .

تركها بالقرب من الشجرة و دلف لمنزلها ، دقائق و قفل حاملا كرسيا هزازا وضعه تحت الشجرة .

أظنه ملائما .. أليس كذلك ؟

ابتسمت و جلست تتأمله عائدا إلى الداخل و هو يشمر أكمام قميصه .

بدأ “إدوارد” يجمع ما تناثر من مكسرات بالأرض و الأريكة ، و كنس الزجاج المكسور .. كان المطبخ نظيفا و كل الآنية مغسولة ، كذلك غرفتها مرتبة ..

قام بفتح النوافذ ليتسلل ضوء الشمس للمنزل و تنفذ بعض النسمات لتجدد الهواء .

كان قد ألتقط أثناء تنظيفه الهاتف خاصتها ، أخذ يقلبه بين يديه و يتلصص على مكالماتها و رسائلها ، ابتسم بعطف عندما أدرك لأي حد هي وحيدة .

لم يكن يحبها و لم ينو ذلك قط .

لكنه فكر لبرهة ، بأن هذه المرأة وراءها سر ، تبدو أضعف من أن تكون هدفا لأي شيء يحاول إزعاجها .

خرج و هو يرفع ذراعيه في الهواء على نحو مسرحي و هو يصرخ لها : ها قد انتهيت ، يمكن للأميرة أن تدخل قصرها الآن .

 كانت الساعة بدأت تتجه نحو الحادية عشر صباحاً ، و كان على إدوارد أن ينصرف إلى عمله بعد أن تناول الإفطار معها .

سأل آنابيل عن مكان عملها ؟

فأعطته الوصف .. قال مبتسما : حسنا سأبلغهم بأنك مريضة بعض الشيء و أطلب لك أجازة إن كان هذا لا يزعجك !

هذا أكثر مما أرجوه .. أشكرك إدوارد .

إد .. يمكنك مناداتي ب “إد” .. خرج بهدوء و هو يضع هاتفها بجيبه قائلا : سأحاول إصلاحه .

مرت الساعات طويلة و هي لم تبرح مكانها قط ، تذكرت أمها .. كانت شقراء ممتلئة بعض الشيء ذات ملامح ودودة ، بينما كان أباها أسمراً بشعر أسود و شارب كث فارع الطول و قوي البنية .

ملامحهم باهتة أصواتهم ضحكاتهم و بعض الذكريات المتقطعة القادمة من ذاكرة بعيدة ، كانت لا تزال في السابعة عندما فقدت كلاهما في حادث سير بينما نجت هي بأعجوبة .

نهضت أخيراً عندما اقترب المساء ، صنعت حساء الذرة و شريحتين من اللحم المشوي .

ثم أخذت دوشآ دافئآ و ارتدت ثياباً مريحة .

كانت الأمطار قد بدأت تتساقط في الخارج ، فأصابها الجو الغائم بشعور كئيب حاولت أن تتخلص منه بتصفح مجلة للموضة ، تقلب صفحاتها عبثآ هي في الحقيقة ليست ممن يتابعون الموضة أو يهتمون للأزياء و الجمال .

حاولت ألا تترجم طيبة جارها أي ترجمة عاطفية ترهق بها مشاعرها .. و أخذت تفكر أنه ليس مرغمآ ، لكنه تصرف معها بإنسانية و شهامة و هذا كل شيء .

سمعت نقرات خفيفة ، بعدها تحرك مقبض الباب ، كان إد يقف مبللآ و يستأذنها في الدخول .

انفرجت أساريرها و قالت بسعادة عارمة : بالتأكيد تفضل .

ثم شعرت بالإحراج عندما شعرت أنها أبدت سعادتها بطريقة مبالغ بها كونه مجرد جار .

إبتسم إد و قال لها :

في الحقيقة لست وحدي ، معي ضيف أتساءل إن كنت ستقبلين دخوله !

أجابت بصوت حائر : لا بأس فليتفضل .

فاستدار و حمل شيئا من الأرض و دخل ، صرخت بسعادة يا إلهي !!

إنها تشبه باميلا كثيرآ .

فالتقطتها بحب تمسح على رأسها ، و الكلبة تطالعها بوداعة تامة .

أهي كلبتك ؟

هكذا سألته ..

لا ، بل هي لك .. آمل أن تكوني سعيدة بها .

شعرت آنابيل برغبتها في البكاء ، و أن كلمات الشكر العادية لن تكفي .

فاقتربت من إد و عانقته للحظه و طبعت قبلة امتنان صادقه على خده و قالت : أشكرك من أعماق قلبي .

كان يبدو عليه الخجل ، ف فرك عنقه مبتسمآ و قال : على الرحب

لقد رأيت صورة على الجدار و أشار ناحيتها ، تضمك أنت و كلب من ذات الفصيلة ، و خمنت أنك ربما فقدتها ما دامت ليست معك بعد .

جلست على الأريكة و هي تحتضن باميلا و تعبث بشعرها الكثيف .

نعم ، لقد ماتت منذ شهور .. كان تصرف في غاية اللطف .

ثم إنتبهت لأنه لا يزال واقفا مبللا ، فاستدركت قائلة : يمكنك أن تأخذ حمامآ هناك ماء دافئ .

و سأحاول أن أعثر لك على ثياب جافة .

إختفت لدقائق و عادت تحمل ثياب جديدة ، قالت بمرح حزين : كنت أنوي إهداءها لخطيبي ذات يوم .. أرجو أن تناسبك .

سأعد العشاء ريثما تغتسل .. هيا باميلا .. قالتها و انصرفت .

كان الماء دافئآ تماما كالشعور الذي تدفق بداخله ، ناعما ك إبتسامة آنابيل .

 

عن تغريد علي

mm
كاتبة من السودان

أضف تعليقاً