الرئيسية / احدث التدوينات / ابنةُ العربِ الضالّة !

ابنةُ العربِ الضالّة !

ايهاب

كيف نكتُب المقالات ونحنُ لا نعرفُ تاريخها القديم والمُعاصر ، لا نعرفُ مدارسها ، ومن هُم أوّل من حاول كتابة المقالة في التاريخ الأدبي ؟!!

تساؤلاتٍ عدّة استحضرناها أنا وأحد الأصدقاء حين شرُعنا في محاولةٍ فاشلة للكتابة ، كان يسبِقُني صديقي في البحث عن المقالة الأدبية وتاريخها ، ولن أنسَى أبدًا تعليقه بعد تجربُة بحثه حين استراحَ على كُرسيّه و ( حط رجل على رجل ) ونفخ دُخان سيجارته ( كالعارف أين تضع السُلحفاة بيضها ) وقال لي : ( المقالة هي ابنة العرب الضالّة ) ، تعليقًا كان كافيًا كي يخلق بداخلي الدّافع نحو البحث بنفسي ، فالكثير من تلك ( النعرات الكدابة ) كانت مصدرًا للخلاف بيننا دائِمًا !

وفي أولى نتائِج بحثي ( عبر الإنترنت ) ظهر لِي مُقدمّات أُولى الكتب التي نُشرت بين طيّاتِها ما يُسمّى بالمقالات بغض النظر على الاتفاق أو الاختلاف على ما تحمله من أفكار وتداعيات .

* يقُول ( مونتين ) في مقدمة كتابه ( محاولات أو تجارب ) :
” إن هذا الكتاب حسن الطوية فهو ينبهك منذ البداية إني لا أستهدف من ورائه مقصداً إلا ما ينفع العام والخاص، ولم أرد به خدمتك أو إعلاء ذكرى فإن مواهبي تعجز عن تحقيق مثل هذه الغاية… لقد خصصته لمنفعة الخاصة من أهلي وأصدقائي حتى إذا ما افتقدوني استطاعوا أن يجدوا فيه صورة لطباعي وميولي، فيسترجعوا ذكراي التي خلفتها لهم حيّة كاملة ولو كان هدفي أن أظفر بإعجاب العالم لعملت على إطراء نفسي وإظهارها بطريقة منمّقة ولكني أريد أن أعرف في أبسط صوري الطبيعية العادية دون تكلف ولا تصنع لأني أنا الذي أصوّر نفسي لهذا تبرز مساوئي واضحة وسجيتي على طبيعتها ما سمح لي العرف بذلك… “

* يقول ( ابن الجوزي ) في مقدمة ( صيد الخواطر ) :
”  لَمّا كانت الخواطر تجول في تصفح أشياء تعرض لها، ثم تعرض عنها فتذهب، كان من أولى الأمور حفظ ما يخطر لكي لا ينسى، وقد قال عليه الصلاة والسلام: “قيِّدوا العلم بالكتابة”. وكم خطر لي شيء فأتشاغل عن إثباته فيذهب، فأتأسف عليه ورأيت في نفسي إنني كلما فتحت بصر التفكر، سنح له من عجائب الغيب ما لم يكن في حساب فانثال عليه من كثيب التفهيم ما لا يجوز التفريط فيه فجعلت هذا الكتاب قيداً –لصيد الخاطر- والله وليّ النفع، إنه قريب مجيب “

– يتّضح في مقدمة ( ابن الجوزي ) أنه كتابٌ ليُسجّل فيه الخواطر التي تحمل تجاربه وعلاقاته مع الأشياء ، خواطر ليست وليدة البحث والدرس العميق إنما هي آنيّة تُولد وتزول سريعًا . 

            يقُول أحد الباحثين ( للأسف لم أعثر له على اسم ) أن مراجع التاريخ الأدبي تُجمع على أن الفرنسيّ ( ميشيل دي مونتين ) هو الرائد للمقالة الحديثة في الآداب الأوروبية ، وقد قسّم مؤرخو الأدب تاريخ المقالة إلى قسمين متباينين يفصلهُما ( مونتين ) المتوفي ( 13 ديسمبر 1592) ، حيثُ يتّسم القسم الأول بالبدائية المُضطربة والتي لا يحكمها أي ضوابطٍ أدبية وذلك قبل أن تتطور إلى صورتها الحديثة حين أخذت طريقها نحو النُضج والتكامل ، فأصبح لها قالبَها المعروف وغدت فنًا من الفنون الأدبية المعرّف بها .

الفرنسي ( مونتين ) هو أوّل من كتب المقالة في العالم ، في كتابه ( محاولات ) الصّادر في عام (1585) ، لكن العالِم والأديب والمُؤرّخ البغداديّ ( ابن الجوزي ) سبقه في كتابة المقالة بعدة قرون في كتابه ( صيد الخاطر ) والذي يتضمّن قطعًا نثريّة قصيرة تدور حول شئون الحياة والمجتمع والدين وهموم النفس ونقد الصوفيّة .

غير أن مقالات ( ابن الجوزي ) لم تترك أثرًا يُذكر في الكُتّاب الذين أتوا من بعده ، ولم يشتهر كتابه كثيرًا ، وعندما ظهرت المقالة في الأدب العربي في منتصف القرن التاسع عشر ، كان ظهورها بتأثير المقالة الغربيّة ولما كان احتكاك مصر ولبنان قبل احتكاك غيرهما من البلدان العربيّة ، صارت الأسبقية في أدبيهما ومن ثَم النُضج ، من هنا برز في مصر ولبنان كتّاب كبار في المقالة أمثال ( الشيخ محمد عبده / طه حسين / العقّاد / المازني / أحمد أمين / مصطفى لطفى المنفلوطي / الرافعي / زكي نجيب محمود / جبران  خليل جبران / ميخائيل نعيمة ) إلخ من الأمثال البارزة في تاريخ المقالة في الأدب العربيّ .

هُنا يبرُز دورَ الرائِدُ والهاوْ ، هُنا يتجلّى من أثّر في أجيالٍ عدّة ، ومن بُهتِ مع غُبار الزمن وأمطارَ الإبداع المُجاورة حتّى أغرقتهُ السيول من جبالِ العباقرة ، بالطبع تُحسب الخطوة الأولى ولكن الخطوة المُنجِزَة المُؤثّرة تُحسب بخطوتين .

 

عن إيهاب الراقد

mm
كاتب من مصر