الرئيسية / احدث التدوينات / اختلافنا , معبرا لوحدتنا الانسانية

اختلافنا , معبرا لوحدتنا الانسانية

different3-600x217

 

خلال القرون السابقة , و منذ بدء الحياة على ظهر هذا الكوكب,  ووجود الانسان الاول,  مرورا بكل تغيراته وتطوره,  وتقلبات احواله وتفاعله مع بيئته ومحيطه , ظل الانسان معتزا باختلافه عن الاخر من ابناء جنسه في كل شئ ,مانحا هذا الاختلاف حجما ضخما, ملقيا على كافة جوانب الحياة ظلا اشد ضخامة وتاثيار على كافة مناحي الحياة ,  مدافعا عن هذا الاختلاف باستماتة وشراسة بالغة , ضاربا بكل القيم الانسانية والاخلاقية الاخرى عرض الحائط في سبيل الانتصار لهذا الاختلاف.

هذا الاختلاف الازلي كان ولا زال واضحا جليا في كافة اهتمامات الانسان ووسائله في تلبية احتياجاته الانسانية المتنوعة , مهما اتفق الجميع على الحوجة المعنية , كوجود دين او مظلة للقيم والقوانين تحكم الافراد , ولغات ووسائل تواصل بين افراد المنطقة الواحدة , وغيرها من السلوكيات التي يطبقها الانسان في كل مكان وفي اي زمان لضمان الاستمرارية.

مهما صغرت المساحة المكانية التي تضم عددا من الافراد برغم اتفاقهم في الكثير من التفاصيل الجوهرية والاساسية , وممارستهم لنفس الطرق والوسائل في تلبية احتياجاتهم الانسانية المتشابهة , كالتشابه في خلق المجتمعات وتاسيسها على مجموعة من القيم والاخلاق والقوانين الضابطة لعلاقات الافراد ببعضهم , من زواج ونسب ومصاهرة , وقوانين ميدانية ومجتمعية تحفظ كيان المجتمع وقيمه الاخلاقية , نجد هؤلاء الافراد في صراع دائم لنقل اختلافاتهم ولو في ادق واصغر التفاصيل الى السطح وتسليط الضوء عليها ومحاربتها بصورة بشعة  ومؤذية لهولاء الافراد تحت سقف السماء الواحدة وفوق نفس الارض.

لذلك نجد الكثير من الحروبات الاهلية الممتدة و المدمرة  بين افراد الوطن الواحد , والجدير بالذكر ان السبب الاساسي لها مجتمعة هو  عدم تقبل الاخر دينيا او مجتمعيا او عرقيا او بصورة اشد وضوحا و قسوة في مجتمعاتنا العربية  , قبليا , رغم انتماء كل هؤلاء الافراد نفس البلد وحملهم لنفس الجنسية والهوية وتحدثهم لنفس اللغة ومشاركتهم لنفس القيم الاخلاقية والمجتمعية,  الا ان هذه الاختلافات وعدم تقبلها بين الافراد ادى الى تفاقهمها بهذه الصورة المدمرة.

بين المسلمين والمسيحيين , اصحاب البشرة الفاتحة والداكنة , العرب والعجم , المنتمين لطائفة سياسية محددة والاخرين في الحزب المناهض لهم , وغيرها من الاختلافات التي تتراوح من ابسط الامور وايسرها الى المسائل العقدية والسياسية الكبيرة التي تؤثر على وحدة المجتمع وتماسكه.

ممارسة هذا السلوك كانت ولا زالت تحدث في مدى ضخم كبير جدا ابتداءا من عدم تقبل الاخر في صمت بدون اي صورة من صور نقل هذا الرفض الى الاخر ومحاولة ادعاء القبول والانسجام او التصريح بهذا الرفض بصورة هادئة بعض الشئ, او التعبير عنه بصورة ضخمة متفاقمة , مؤذية وضارا جدا للاخر.

التاريخ , ظل غنيا جدا وكريما في نقل الكثير من القصص التي اوضحت طريقة تعاطي المجتمعات القديمة مع الخلافات بين افرادها او بين المجموعات المختلفة , حيث اشتملت هذه القصص والروايات على كثير من احداث العنف في الحروب الاهلية والقبلية القائمة على اختلاف هذه القبائل والمجموعات في الديانة , او المسلمات والمعتقدات , اللغات او حتى لهجات اللغة الواحدة بين بني المجتمع الواحد , والمجتمعات العربية تحديدا شهدت الكثير من هذه الملاحم التاريخية والتي امتد اثرها حتى عصرنا هذا , الاثر الذي تم توريثه للاجيال المتلاحقة , مع الهوية , برغم الانفتاح العقلي والمعرفي والفكري الذي يمثل الطابع الاساسي لهذا العصر الا ان هذا العطب لا يزال جاريا في دماء هذه الاجيال الجديدة كالورم الخبيث.

عدم تقبلنا لاختلافاتنا في طرق ممارستنا لنفس السلوكيات لتلبية احتياجاتنا ظل عائقا ضخما في سبيل انصهار مجتمعاتنا وتحقيقها لوحدتها الانسانية , الوحدة التي تمثل اصدق انعكاس لتقبلنا لللاخر , وهذا التقبل تحديدا يعتبر النواة الاساسية والخطوة الاولى لتحقيق وحدتنا الانسانية.

مهما اختلفت سحناتنا واشكال وجوهنا , تقوس انوفنا او استقامتها , نعومة شعرنا او خشونته , سواد اعيننا او زرقتها , طول قاماتنا او قصرها لا ينتقص من كوننا انسانا , يشبه اخيه الانسان في كل شئ ويتقاسم معه نفس الاحتياجات من احترام , وتقدير لكرامة النفس البشرية وعزتها , نظل جميعنا متفقين في هذه الحوجة لكل هذه القيم الانسانية الفاضلة.

مهما اختلفت عقائدنا وتوجهاتنا الدينية , سواء اقمنا صلواتنا في المسجد او الكنيسة ,او في زاوية صغيرة في منازلنا , سواء احتفلنا بعيد الاضحى او عيد الميلاد المجيد او عيد الالوان , او اقمنا اي شعيرة من شعائرنا الدينية باي صورة كانت نحن نتفق في حوجتنا كانسان لمساحة روحية وخلق رابط روحاني بقوة ربوبية عليا يتوجب بناء عليها احترامنا للاخر في ممارستنا لهذا الحق وتاديتنا لهذه الشعائر.

مهما اختلفنا في طقوس الزواج وطقوس تاديتنا لهذا الرابط المقدس وتكوين الاسرة الصغيرة نواة للمجتمع الكبير نحن في حوجة لاحترام اختلاف طرق اختيارنا وممارستنا لهذه الطقوس وادراكنا للقيمة الاساسية الثابتة وهي ترابط الاسرة الصغيرة وتاسيسها استنادا على ارضية متماسكة وهي الزواج المعترف به دينيا او ميدانيا .

وامعانا للنظر في كافة ممارساتنا الاخرى , التي نلبي من خلالها حوجاتنا الانسانية الاخرى نصل للحقيقة الكبرى ان هذا الاختلاف جزء اساسي واصيل وطبيعي جدا , وان تقبله وحصوله على الاحترام اللازم بعيدا عن رفضه بصورة مؤذية للاخر هو النواة الاساسية لخلق مجتمعات متماسكة , مترابطة قادرة على التعايش بصورة سلمية تكفل لافرادها كافة حقوقهم بكامل الاحترام والتقدير.

تقبلنا لهذه الاختلافات, وادراك ان وجودها هو حقيقة حتمية يجب التعامل معها بحنكة وذكاء هو المعبر الاكبر واقصر الطرق المؤدية الى وحدتنا الانسانية وتجاوز كل المطبات والعراقيل التي تسببت كثيرا ولعقود كثيرة منصرمة في تحطيم الانسان وزعزعة استقراره وامنه وحفظه لكرامته الانسانية.

عن تقوى سامي

mm
طبيبة وكاتبة ومترجمة من السودان