الرئيسية / العدد الثلاثون / اخلع نعليك ( 2 )

اخلع نعليك ( 2 )

عمر

عمرو جنيد :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

لقد صار قلبى قابلاً كل صورة

 فدير لرهبان ومرعى لغزلان

 ومعبد أوثان وكعبة طائف

وألواح توراة ومصحف قراّن

أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه

فالحب ديني وإيماني

أبيات شعر خطها الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، هي خير إفتتاحية لمقال اليوم ، فماذا كان يقصد الشيخ بربطه المنساب بين كل إتجاهات البشر الروحية ، هذا السؤال ما أحاول أن أجيب عليه وهذه الأبيات هي دافعي إلى اتخاذ هذا المنحى للتفكير .

أولاً بعد تفكير طويل وإطلاع على متون الديانات ( وضعية ، سماوية ) ، وجدت أن الإنسانية تبنت السمو الروحي كفكرة موحدة واجهت التطورات و تأثرت بالتراكم المعرفي الممتد في عصب هذا العالم منذ الخليقة ، نعم الهدف واحد باختلاف الرؤى و باختلاف المقدسات ، كل الديانات الكبرى تدعو إلى الأخلاق والفضيلة ( لا تسرق ، لا تقتل لا تحسد لا تزني ) ، إذن الدين في حد ذاته إن لم يكن موحي به كان يجب إختراعه كضرورة للإنسان كضرورة إكتشاف النار ، الدين ضرورة وجدت حتى في المجتمعات البدائية كأول تشريع ضابط لأخلاق المجتمع الناشئ ، كان يجب أن توجد سلطة ما تنظم التعامل بين أفراد المجتمع ، كما قال هنري بريستد في كتابه الرائع فجر الضمير( سلطة الضمير الواعي) .

الضمير هذا شكل لبنة الحضارة التي تحولت لقشرة – وإن كانت هشة أحياناً – تفصل بين الإنسان كمخلوق عاقل يتدبر و بين نزعاته الحيوانية الأولى ، فكان النظام ، ملك هو يد الإله النافذة إلى شعبه ومجمع الكهنة القائمون على الدين التشريعي ، سلطتان تصبان في منبع الضبط الاجتماعي ، لتظهر الحضارة المستقرة ذهنياً في بلدان على مجرى الأنهار، مصر و العراق والصين و فارس  

خضع الناس لقانون الإله و القائمين عليه بالتالي، وهذا ممتد في الديانات البدائية أو الوضعية أو الثالوث الإبراهيمي الكبير( يهودية، مسيحية، اسلام).

ثانياً : عندما تنتشر ديانة ما و تغلغل بين المجتمع بقوة، و يستقر القطر في منظومة، و تنتعش كل سبل الحياة من زراعة و صناعة يأتي كنتيجة مع الوقت الرخاء و البذخ ليصبح سمة لمجتمع مستقر، الدين دوره كضابط يتحول إلى أداة تشريعية  في يد الحاكم و مجمع الكهنة ، الممارسات الظاهرية هي ما تغلب على الدين والبعد الروحاني يتراجع في خضم التحور الجديد ، التشريعات المنبثقة تأخذ مكان النص الأول النقي ، فترى الأفراد يتجاذبهم تياران ، تيار التطرف الديني الظاهري المستمسك بسيف النص الثاني التشريعي و تيار آخر لا يعبأ بالنص الديني ككل و إن كان صوته أقل علواً من التيار الأول ، يحدث التصادم كثيراً فتختفي القشرة الحضارية المتمثلة في فكرة الضمير الواعي ليرتد الأفراد أثناء الصدام إلى حيوانيتهم الأولى.

من هنا إنبثق تيار ثالث عجيب ، كأخر ملاذ من الجنون ، هذا التيار هو التيار الروحي الصوفي ، بأبعاده الفلسفية العاقلة وأبعاده الروحية الباطنية ، تيار مستقل بعيداً عن التطرف الأول وصدامه الحتمي مع التطرف الثاني .

التصوف هو محاولة من الإنسان للعودة إلى الشكل الروحاني وللضمير وللتدين وعبادة الإله بلا وسيط مستبد بإسم الإله .

اذاً لو قارنّا بين كل ظهور لحالة التصوف بشكل مجملأوعام على امتداد التاريخ الإنساني سنجد أنها دوماً مسبوقة بصراعات بين المتطرفين لهذا الطرف أو ذاك

التصوف هو محاولة التوازن

حتى التصوف الإسلامي ظهر من خضم الصراعات التي تعرضت لها الأمة الإسلامية ، كأمثلة عديدة عن التيار الروحاني الإنساني أذكر منها ، جوتاما بوذا و بوذا بمعنى المستنير، هذا الشاب المنعم من ولد في أسرة ملكية ، و كان وريث لعرش آبائه، عاش في ترف و دعة، و نهل من مظاهر البذح ما نال ، لِما في لحظة فارقة ترك كل هذا ورائهُ و اعتكف متاملاً وحيداً تحت شجرة تين هرمة ؟

إنه نداء الروح القلقة التي لم تهنأ بإستقرار، وسط ديانة راسخة مستقرة إلا وهي الهندوسية ، لكن طبقية الهندوسية و تفرقتها بين الأفراد دينياً من منطلق وضعهم الاجتماعي و تنافي المظهر مع المخبر، دفع الفتى أن يذهب إلى ما وراء النصوص، إلى الحقيقة التي تلمع في آخر درب الاستنارة ، بغض النظر عن إقتناعنا أو عدمه بعقائد الآخرين فقط أريد أن أشير إلى تجربة روحية ، تجربة الفتى الذي اعتكف و زهد في العالم و لخص معاناة البشر في سعيهم المسعور للسلطة و الملكية وتحقيق ذواتهم على حساب بعضهم البعض، سلك طريق الزهد وعلم أن الإنسان ليسمو يجب أن يستمع إلى قلبه و يرى تجليات الإله في كل ما ابدع و خلق، الرياضة الروحية و مكابدة الغرائز و الشهوات، الإنتصار على الكبرياء و غرور النفس، فيسمو فوق زلات البشر ليستحق القرب و الكشف، يكون مجلسه اسمي من غلاف القشرة الحضارية بالتخلي عن نوازعه الجسدية منذ أن وجد في هذا العالم.

أخيراً أريد ان أجدد الإشارة أن النهج الصوفي ممتد منذ الأزل إلى الآن في النفس البشرية، موروث عميق الأثر و القيمة، منذ رسومات إنسان الكهف العجيبة حتى تجليه الأكبر في تراثنا الإسلامي.

 

أدين بدين الحب أنى توجهت      ركائبه  فالحب ديني وإيماني

عن عمرو جنيد

mm
كاتب من مصر

أضف تعليقاً