استخدام القوّة

14808824_1587819017910335_761067435_or

 

 

• تاليف : ويليام كارلوس ويليامز
• ترجمة : إقبال التميمي

كانوا مرضى جدداً بالنسبة لي ، كل ما أعرفه عنهم هو أنّهم من عائلة أولسون. قالت لي الأم:
– “أرجوك أن تحضر بأسرع ما تستطيع ، ابنتي مريضة جداً.”
عندما وصلت قابلتني الأم. امرأة ضخمة ملفتة للنظر، مظهرها نظيف ، وتعتذر كثيراً.
سألتني بكلّ بساطة: “هل أنت الطبيب؟”
وأدخلتني البيت ، أضافت : “اتبعني إلى الجهة الخلفيّة ، اعذرنا يا دكتور، وضعناها في المطبخ حيث المكان دافئ ، لأنّ المكان هنا رطبٌ جداً معظم الوقت.”
كانت الطفلة مرتدية كامل ملابسها ، وتجلس على حجر والدها بجانب مائدةالمطبخ. حاول أن يجعلها تنهض ، لكنّني أشرت إليه بأن لا يتعب نفسه. خلعتُ معطفي ، وبدأت أستطلع الأحوال. رأيت أنّهم جميعاً قلقين ، يعاينونني من رأسي إلى أخمص قدمي بشكل ينم عن عدم الثقة ، وكما هو الحال في العادة في مثل هذه الظروف ، لم يتحدثوا لي بأكثر ممّا يلزم ، وكان علي أن أسألهم ، لماذا اضطرّوا لإنفاق ثلاثة دولارات من أجل حضوري.
كانت الطفلة تلتهمني بعينيها الباردة المسلّطة عليً ، دون وجود أي تعابير على وجهها بأي شكل كان. لم تتحرّك ، وبدت في غاية الهدوء ، وجميلة بشكل ملفت للنظر ، أدركت أنّها تعاني من ارتفاع درجة حرارة جسمها. كان شعرها أشقراً وكثيفاً. بدت مثل أحد الأطفال الّذين ترى صورهم في الإعلانات وملحقات الصور على صحف يوم الأحد.
قال والدها: “كانت تعاني من الحمّى منذ ثلاثة أيّام ، ولا ندري السبب. زوجتي أعطتها أشياء كما تعلم ، كما يفعل الناس ، لكن هذه الوصفات لم تُحسّن من حالتها ، هناك حالات مرضيّة كثيرة من حولنا. لذلك ظننّا أنّه من الأفضل أن تعاينها وتخبرنا ماذا بها.”
وكما يفعل الأطبّاء عادةً استخدمت هذه النقطة كبداية للانطلاق ، وسألت إن كانت تعاني من ألم في حلقها.
أجابني كلا الوالدين معاً: “لا .. لا ، إنّها تقول أنّ حلقها لا يؤلمها.”
“هل يؤلمك حلقك؟” ، أضافت الأم تسأل ابنتها ، لكن تعابير وجه الطفلة لم تتغيّر، ولم تشيح بنظرات عينيها عن وجهي ،وسألتُ والدتها:
“هل أخذت نظرة؟”
أجابت الأم: “لقد حاولت ، ولكنّني لم أرَ شيئاً”.

بالصدفة كنت قد عاينت عدداً من طلاب المدرسة ممّن كانوا يعانون من الدفتريا في نفس المدرسة التي كانت ترتادها هذه الطفلة ذلك الشهر ، ويبدو أنّنا جميعاً فكّرنا بذلك ، مع أنّه لا أحد منّا ذكر ذلك.
قلت: “حسناً ، لنفترض أنّنا نريد أن نلقي نظرة على الحلق أوّلاً”.
ابتسمتُ بأفضل طريقة أظنّها مهنيّة ، وسألت عن الاسم الأوّل للطفلة.
وقلت: “هيّا يا ماتيلدا .. افتحي فمك لنُلقي نظرةً على حلقك”.
لم يجدِ الأمر.
– “هيّا “، لاطفتها ، “فقط افتحي فمك واسعاً ، ودعيني ألقي نظرة.”
قلت لها: ” انظري” وأنا أفتح كلا ذراعي على وسعهما ، “لا يوجد شيء بيدي ، افتحي فمك فقط ، ودعيني ألقي نظرة”.
قالت الأم: “إنّه رجل طيّب. انظري كم هو لطيف تجاهك. هيّا ، افعلي ما يقوله لك ، لن يؤلمك”.
في تلك اللحظة عضضت على أسناني من الاشمئزاز. لو لم يستخدموا كلمة ” ألم ” لكنت قادراً على فعل شيء ، لكنّني لم أسمح لنفسي بأن يستعجلني أحد أو يقاطع عملي ، فبدأت أتكلّم ببطء وهدوء ، واقتربت مرّة أخرى من الطفلة.
بمجرّد أن حرّكت مقعدي قليلاً مقترباً منها ، فجأة وبحركة تشبه حركة القطّة ، انقضّت بكلتا يديها بردّة فعل على عينيّ ، وتقريباً استطاعت أن تصل إليهما. في الحقيقة استطاعت أن تُسقط نظّاراتي بحيث طارت في الهواء على بضعة أقدام منّي على أرض المطبخ ووقعت دون أن تنكسر. كُلاً من الأب والأم شعرا بالحرج الشديد واعتذرا لي.
قالت أمّها: ” أنتِ بنت سيّئة”. أمسكت بإحدى ذراعيها وهزّتها بشدّة. “انظري ماذا فعلتِ بالرجل اللطيف؟”
قاطعتُها: ” بالله عليكِ ، لا تقولي لها عنّي رجل لطيف. أنا هنا لألقي نظرة على حلقها لأنّ هناك احتمال إصابتها بالدفتريا ، وربّما تموت بسببه ، وهذا لا يعني شيئاً.”
قلت للطفلة: “انظري هنا .. سوف نلقي نظرةً على حلقك ، أنتِ كبيرة كفاية لتفهمي ما أقوله. هل تسمحين بأن تفتحي فمك الآن بنفسك ، أم سنضطر أن نفتحه لك؟”
لم تتحرّك ، حتّى ملامح وجهها لم تتغيّر ، مع أنّ أنفاسها أصبحت تتسارع أكثر فأكثر، بعدها بدأت المعركة. كان علي أن أقوم بالعمل ، كان علي أن آخذ عيّنة من حلقها لعمل زراعة من أجل حمايتها ، لكن في البداية أخبرت والديها أنّ هذا يعود لاختيارهما ، وضّحت لهما الخطر، وقلت أنّني لن أصر على فحص حلقها إلا إذا تحمّلوا المسؤوليّة.
قالت أمّها وهي تعاتبها بشدّة: “يقول الطبيب إذا لم تفعلي ما يقوله سيكون عليك أن تذهبي إلى المستشفى.”
‘آه حقاً ” ، اضطررت للابتسام بيني وبين نفسي ، لقد وقعت بحبّ تلك الطفلة الشرسة رغم كل شيء ، مع أنّ الوالدين كانا حقيرين في تعاملهما معي ، خلال الصراع الناجم أصبحا أكثر إشفاقاً ، محطّمين ، منهكين ، بينما تزايدت كميّة غضبها المجنون من مجهودي المتزايد من خلال رعبها منّي.
حاول الأب أقصى جهده ، وكان رجلاً ضخماً ، ولكن حقيقة أنّها كانت ابنته ، شعر بخجل من تصرّفاتها ، وخوفه من أن يؤلمها جعله يدعها عدّة مرّات في الوقت الذي كدت أسيطر عليها ، إلى درجة أردت معها أن أقتله ، لكن مخاوفه من أن تكون مصابة بالدفتريا جعلته يحثني على الاستمرار، طلب مني الاستمرار مع أنّه هو شخصيّاً كان على وشك الإغماء ، بينما كانت الأم تتحرّك جيئةً وذهاباً خلفنا ترفع يديها وتخفضهما بقلق مؤلم.
أمرته: “ضعها في حجرك ، وأمسك بكلا رسغيها.”
لكن ما إن فعل هذا حتى أطلقت صرخةً: “لا تفعل إنّك تؤلمني ، اترك يدي .. أقول لك دعني”. بعدها صرخت بطريقة مخيفة بشكل هستيري: “توقّف .. توقّف .. إنّك تقتلني!”
سألتني الأم: “هل تظن أنّ بإمكانها أن تتحمّل يا دكتور؟”
قال الرجل لزوجته: “اخرجي أنتِ ، هل تريدينها أن تموت من الدفتريا؟”
قلت: “هيّا ، أمسك بها”.
بعدها أمسكت برأس الطفلة بيدي اليسرى ، وحاولت أن أدخل ملعقة الفحص الخشبيّة بين أسنانها. قاومتني بأسنان مصطكة وبشكل يائس ، لكن عندها كنت قد أصبحت غاضباً من الطفلة. حاولت أن أتماسك ، ولكنّني لم أستطع. كنت أعرف كيف أكشف الحلق من أجل الكشف ، وفعلت ما بوسعي ، وعندما أخيراً استطعت أن أدخل ملعقة الفحص خلف آخر أسنانها وأصبح طرفها في تجويف الفم ، فتحت فمها فجأة ، ولكن قبل أن أرى أي شيء ، عادت مرّةً أخرى وعضّت على الملعقة الخشبيّة بين أضراسها ، إلى درجة حولتها معها إلى قطع صغيرة قبل أن أستطيع إخراجها.
صاحت الأم بوجهها: ” ألا تشعرين بالخجل؟ ألا تشعرين بالخجل من الطريقة التي تتصرّفين بها أمام الطبيب؟”
قلت للأم: ” أحضري لي ملعقة ذات يد ملساء ، سوف نقوم بفحصها ” ، كان فم الطفلة ينزف ، لسانها مجروح ، وكانت تصرخ بأصوات هستيريّة عنيفة. ربّما كان عليّ أن أبتعد وأعود لاحقاً بعد ساعة أو أكثر ، لا شك أنّه كان أفضل ، لكنّني كنت قد رأيت طفلين على الأقل ميتين في فراشهما بسبب الإهمال في مثل هذه الحالات ، والشعور بأنّني يجب أن أحصل على تشخيص الآن أو لن أحصل إلى الأبد جعلني أحاول مرّة أخرى ، لكن أسوأ ما في الأمر أنّني أنا أيضاً فقدت القدرة على التصرّف العقلاني ، كان يمكن أن أمزّق الطفلة أثناء غضبي وأستمتع بهذا. كان لدي شعور بالغبطة وأنا أهاجمها ، كان وجهي يتوهّج بالسرور.
يبدوا أنّ الطفلة الصغيرة اللعينة محميّة ضد حماقاتها ، والمرء يقول لنفسه في مثل هذه الحالات أنّ الآخرين يجب أن يكونوا تحت حماية من عدوتها ، هذه ضرورة اجتماعيّة ، وهذه الأشياء جميعها صحيحة ، لكن غضب أعمى ، ولّد لدي شعور بالخزي والخجل من كوني لجأت إلى القوّة الجسديّة ، ومع ذلك استمريت في محاولاتي حتى النهاية ، وفي محاولة هجوم غير منطقيّة في النهاية تغلّبت على رقبة وأفكاك الطفلة. قمتُ بإرغام الملعقة الفضيّة الثقيلة بإدخالها خلف أسنانها وأسفل حلقها إلى أن تقزّزت وكادت تتقيّأ ، بالرغم من كل المخاطر والاختناق ، وهناك كان كل شيء واضحاً ، كلتا اللوزتين غطّاهما غشاء. قاومت بعنف ، وحاولت بكلّ الطرق أن تمنعني من معرفة سرّها ، كانت تخفي حلقها الملتهب لمدّة ثلاثة أيّام على الأقل وتكذب على والديها لتتهرّب من نتيجة مثل هذه.
أصبحتْ الآن غاضبة بحق ، كانت في البداية على الجانب الدفاعي قبل أن تتعرّض للهجوم. حاولت أن تنهض من حجر والدها وتطير باتجاهي بينما دموع الهزيمة تعمي عينيها.

طبيب وشاعر وأديب أمريكي (1883-1963)

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً