الرئيسية / احدث التدوينات / استطلاع: أسئلة مقلقة وإجابات واحتمالات حول الاحتجاجات الشعبية ضد الضغط الاقتصادي

استطلاع: أسئلة مقلقة وإجابات واحتمالات حول الاحتجاجات الشعبية ضد الضغط الاقتصادي

الثورة

       الشعب سيخرج إلى الشارع عاجلاً أم آجلاً.

      اتساقاً مع الاحتجاجات الشعبية ضد الضغط الاقتصادي، ومن منطلق دافعها، هل ستكون فاعلة، وأين دور أحزابنا وكياناتنا السياسية، وضعنا عدة تساؤلات مختلفة، لنعرف اتجاهات الرأي واحتماليات المستقبل.

     – بدءاً كان السؤال: ما هي ركيزة التحرك في الاحتجاجات، شعبٌ كامل أم جزر معزولة، وهل باستطاعة أحزابنا تحريك الشارع وتنظيم جماهيرية التحرك؟

      ذكر الصحفي علاء الدين محمود: “إن الشعب لابد من أنه سيخرج إلى الشوارع عاجلاً أم آجلاً؛ لأن الظروف الاقتصادية والانتهاكات لم تترك له بديل غير ذلك، وستستمر مسيرة التظاهرات السلمية سواء أن دعت لها الاحزاب أو بشتى السبل والطرق الأخرى، وربما ستتعثر هذه المسألة في البدايات، لكن التراكم سيجعل الأمر ناجحاً في المحصلة الأخيرة. وكما قلت، فإن للأحزاب مقدرة كبيرة في تنظيم الجماهير، وهذا الأمر تشهد له الثورتان السودانيتان الكبيرتان في أكتوبر 1964 وابريل 1985، وهذا يتطلب قدراً من التنسيق العالي بين القوى السياسية المختلفة.”

     ويقول في هذا الشأن الكاتب الريح أحمد: “الشعب السوداني مقهور ومحبط على مدى طويل، ولا يؤمن بوجود بدائل، وذلك ما تؤكده تجاربه مع الأحزاب التي يمكن أن نقول أنها غير صادقة في ما تقول، ولا يمكن أن تؤجل صراعها إلى ما بعد بناء الدولة، وخطابات التغيير هي التي تضع للثورات أهدافها التنويرية، وتعطي الأمل في مقابل الإحباط. هي التي تحول هذه الطاقات إلى مسارات جديدة ايجابية وفاعلة. فالشعب يحتاج لقيادات جديدة ثورية تستطيع اقناع واستقطاب المزيد من الافراد للمساهمة في التغيير؛ ليتم تعديل ميزان القوة الذي ما زال يرجح كفة النظام، ومسألة التعديل في ميزان القوة مهمة جداً، فوجود حركة مقاومة مدنية منظمة هو فقط ما يحافظ على الثورة من الثورات المضادة، ومن ميلاد ديكتاتوريات جديدة تعود بنا إلى حروب الايدلوجيا من جديد.”

      – سؤال ثاني: هل قيمة تغيير المفاهيم هي رأس الرمح في حراك الاحتجاجات، أم أن فشلاً جديداً بانتظار نجاحها كثورة ومن ثم ضياعها كالعادة؟

      يذكر هنا الأستاذ ياسر فائز: “ليست المفاهيم هي رأس الرمح، فالقوى السياسية، والكيانات المعارضة في البلاد، في خضم مواجهتها لنظام الإسلاميين، ظلت تتبنى خطاباً عاطفياً، تستدرج به المواطن البسيط، خطاب يُعنى بلقمة العيش والظروف الاقتصادية، دون أن يربط ذلك حيوياً ومباشرة بمعاني الكرامة والحرية، وهذه المعاني إن وجدت لارتبطت مباشرة بمسألة الدولة الوطنية. كمثال: في الوقت الذي كان فيه الإسلاميون يحشدون الشباب للقتال في الجنوب بشعارات دينية، فشلت المعارضة في تشكيل صوت رفض مقابل يتبنى معاني الوطنية، وتوضيح أن البندقية التي يحملها الجندي في الجيش السوداني أو في ميليشيا الدفاع الشعبي لا تصوّب فعلاً إلا على جسد الوطن متمثلاً في الجندي أو المواطن في جنوب السودان. هذا يعني أن هذه الاحتجاجات، وإن أدّت لإسقاط النظام القائم بسبب الانهيار الاقتصادي وتصدّع النظام في داخله، فإنها بأي حال لا تشكل حرفاً ذا دلالة في معنى كلمة “ثورة”، وأن الضمانة الوحيدة لعدم ضياع هذا الإنجاز – إن تحقق –  هو صياغة بديل ديمقراطي متين، منذ الآن، وهو الآخر ليس سوى أداة أولى من أدوات الثورة، وأن الثورة نفسها ستستهلكه. وإن كان السيناريو يبدو قاسياً وسخيفاً فإن ما أراه هو أن البديل الديمقراطي المفترض هو أول ما ستحرقه الثورة في سبيل تحقيق نفسها.

      – ثم تساؤل عن: إلى أي مدى سيكون للصحافة دوراً طليعياً كقوة ضاغطة خاصة وهي محاصرة من السلطة، أم أن وسائل التواصل الاجتماعي ستكون هي القوة (القادمة) في ذلك؟

      يقول الناشط والمدون على الفيس بوك أحمد الشريف: “الصحافة ركيزة من ركائز الديمقراطية، وستبقى الصحافة ما بقيت الديمقراطية، الصحافة هي ضمير الشعب مانح السلطات، وهي مرآته التي تنعكس عليها طموحاته ومخاوفه. الصحافة لا خوف عليها، بمعنى لن تنقرض، نعم قد تتغير، وتتجدد وفق تقدم التكنولوجيا وتغير الشروط الاجتماعية، فالصحافة الحالية ليست هي صحافة القرن العشرين، وبالتأكيد صحافة المستقبل مختلفة عن صحافة الآن. إذن وسائط التواصل الاجتماعي لن تكون بديلاً للصحافة، وقد ظهرت مسبقاً الصحافة الإلكترونية كاستجابة عملية لتقدم التكنولوجيا.

      الصحافة سلطة من سلطات الديمقراطية، مثلها والقضاء مثلاً، وكما لا يكون القضاء فاعلاً ما لم يكن مستقلاً عن بقية السلطات، كذلك الصحافة تحتاج الاستقلال التام عن السلطة، هذا الاستقلال غير متاح حالياً، ولهذا لم تعد الصحافة قادرة على أداء المنتظر منها، وهذا سرّ عزوف وانصراف الناس عن الصحافة الورقية، أنها أصبحت بلا روح، إذ أن الحرية هي روح الصحافة، ولذا شهدت الصحافة الإلكترونية والوسائط الاجتماعية ازدهاراً كبيراً على حساب الصحافة. ستعود الصحافة لتكون قوة فاعلة ومؤثرة يوم تعود للصحافة حريتها واستقلالها.”

      ويضيف الصحافي علاء الدين محمود: “الصحافة تمارس دورها في طروف غاية القسوة، وهي تحقق انتصارات كبيرة جداً على المستوى المهني وفي رسالتها تجاه الناس، وقد أجبرت السلطة على أن تضع لها ألف حساب، فكان أن تراجعت السلطة عن هامش الحريات المعلن منذ نيفاشا، وذلك لأنها لم تستطع صبراً مع حرية التعبير والقليل من حرية الصحافة، وعلى الرغم من هذا الخراب ظل كثير من الصحفيين يتمسك بمهنيته بعيداً عن آليات الترهيب والترغيب، وذات الصحفي الذي تحجب مادته ينقلها إلى الأسافير. فالتطور في المعلوماتية غل يد القهر والكبت تجاه حرية الصحفيين، لذلك أعتقد أن الصحفي السوداني بشكل عام نجح في مواجهة أجواء كبت الحريات، دور الصحافة لن ينتهي لكنّها صارت تتوسع فصار هنالك الصحفي المواطن، والمدون، ونرى الآن شباب تميزوا في هذا الجانب، وسيكون بالفعل لوسائل التواصل الاجتماعي، بفضل المعلومات التي يوفرها الصحفيون، دور كبير في نشر الحقائق.”

     – ثم رؤية في عقلنا: هل الثورة القادمة ثورة وعي تضع البديل المناسب وتشكل نظام انتقالي تطوري لديمقراطية، أم من الممكن أن سؤال البديل سيهزمها بالكامل؟

      يقول عن ذلك الاستاذ ياسر فائز: “ربما يجدر التساؤل أولاً “هل هناك ثورة قادمة؟” لا محالة نعم، لكنني لست على يقين بأن إرهاصاتها اكتملت، هناك وعي نسبي كبير خلال السنوات الماضية في مسألة الحقوق العامة والحريات، لكنه ليس كافياً بطبيعة الحال، ليؤسس لقيام ثورة؛ ذلك أن الثورة ترتبط بخطابات فكرية راسخة، وتشكُّل كتلة تاريخية تقودها. والواقع أن هذين الشرطين مفتقدين، وأن نخبتنا ذاتها تعاني كثيراً من الزيف والتناقض، وحتى لا أقع في تضاد ما أتبناه، بأن هناك ثورة قادمة لامحالة ثم القول بأن شرطها الموضوعي لم يكتمل، أن أبيّن أن ما يدفعني للقول بحتمية الثورة هو أن الجميع يعرف بأن الأوضاع منحطّة، وتمضي نحو الحضيض، وأنه لا مخرج سوى بالتغيير، وسواء تحقق هذا التغيير قبل أن يسحقنا الحضيض أو إن وجدنا أنفسنا مواجهين بصياغته ونحن في حضيض إنسانيتنا، فإنه قادم لا محالة، ذلك لأن الإنسانية بطبعها وفي تاريخها الطويل تنحى نحو السلام والاستقرار. وهنا لا بد أن نفكك العلاقة بين تحقق نظام ديمقراطي، أو تحقق تحول ديمقراطي، وبين الثورة نفسها بوصفها تحوّلاً جذرياً سيعيد تعريفنا لأنفسنا وتعريفنا للعالم – في طريقة مشابهة لما أحدثته الثورة الفرنسية فيما أزعم – أي أن ذهاب النظام الحاكم ومحاولة صياغة بديل ديمقراطي قد يكون خطوة مفتاحية في تحقق الثورة لكنه ليست الثورة نفسها.

      إن الثورات تمر بمنعرجات كثيرة، وتنقلب على أوضاع اجتماعية وسياسية؛ أي على منظومة مفاهيم كاملة، وهذا عادة يحتاج لسنوات حرجة في أحداثها، خاصة في بلد مثل السودان يشهد تعقيداً لا مثيل له، وتمتد هويته الأنثروبولجية والسياسية والتاريخية إلى خارج حدوده الجيوبولتيكية. أي أن ثورة في السودان لن تتحقق بمعزل عن هزة عنيفة تصيب المنطقة المحيطة به كلها أو جزءاً كبيراً منها، أي كان مصدر هذه الهزة، وبصيغة أخرى أن هناك ثورة قادمة، لكنها تحتاج أن تبحر كثيراً. أما متى وكيف تصل/ تتحقق فذلك يعتمد على ممكناتها الكامنة والمكتسبة، وعلى مدى عزمها على تجاوز الماضي، وعلى مقدرتها على الخلق والابتكار.

      وفي إجابتي هذه أتجاوز سؤال البديل الذي يبدو لي أشبه، بمحاولة تلفيقية بين القوى المدنية والسياسية في البلاد، لتجاوز الفراغ السياسي حين غياب النظام الديكتاتوري المهيمن، لكن هذا البديل المفترض لن يحقق ثورتها بأي حال، وعلى الرغم من ضعف أملي فيه أطمح أن يستوعب في بنيته الفكر والثقافة ليس كترف رأسمالي بل كبنية أساسية في محاولة اجتراح مشروع وطني سوداني.”

     فيما ذهب استاذ الريح أحمد قائلاً ب: “إن الديمقراطية دائماً نبشر بها كحل سحري، وكثمرة نقطفها بدلاً من بذرة تتم زراعتها ورعايتها، وهي ثقافة وممارسة تحتاج لزمن طويل لتسود ولنرى اثرها كثقافة سياسية في الدولة، وعند الأفراد كثقافة عامة ترفع مستوى وعيهم في قبول الآخر والحريات والرأي و تقديم المصلحة العامة والانتماء للدولة بدلاً من الرجوع إلى القبيلة وإلى دوائر مغلقة صغيرة تفكك الشعور القومي.

     سؤال البديل يعتمد على مدى مقدرة الكيانات الموجودة سياسياً واجتماعياً على التوافق وتأجيل الصراع لفترة محددة من أجل مصلحة الوطن، أو التناحر على السلطة بمجرد حدوث الثورة وتكرار ما حدث في فترة ما بعد الاستقلال ما بين الأحزاب التي كانت ترفع الديمقراطية كشعار لها وهكذا فقط ستكون هي البديل.

     الطريقة التي سيتم بها التغيير ستحدد ملامح الفترة القادمة، ومن الأفضل للشعب أن يمسك بزمام مصيره، وأن يفرض حقه في الحرية والحياة الكريمة والرعاية بدلاً من الخوف والاستسلام والعجز والفساد والإفقار الممنهج عالمياً.

     الاحتجاجات الأخيرة قادتها الأحزاب، والحركات الشبابية، والكثير من الأجسام التي ظلت تعمل منذ سنين وإلى الآن، وما يحدث ليس ثورة؛ إنه مجرد حراكات واحتجاجات صغيرة، أو يمكن وصفها بالتعبئة والتحضير للثورة، وهكذا تكون البدايات بتراكمات مستمرة وقضايا تهم المواطن بصورة مباشر مثل الغلاء وأسعار الدواء وقد كانت شعارات مسيرة 16 يناير التي نظمها الحزب الشيوعي جاذبة للمواطن، وكانت المسيرة بمشاركة فئات مختلفة تلتقي كلها في القناعة بالمقاومة السلمية، والاحتجاج على الاوضاع الاقتصادية، ويجب أن تستمر هذه الحراكات وسينضم المواطنين القادمين من سنين الاستكانة والاحباط والعجز والقهر إلى الشوارع طلباً للحياة، ثم تحدث التحولات إلى فعل قومي جماعي يسمي ثورة، وهي تحدث في توقيتها الخاص وباستمرار العمل لها والالتزام بها.”

     – ثم نقطة مفصلية وهي: صناديق الاقتراع، هل تعتبر بناء لكيان توحيد فكرة الشعب، وهل هي المناخ السياسي المعافى الذي يحتاجه، وهل الاعتراف بجغرافية الإنسان كفرد ضمن منظومة الوطن سيضمن تلاشى عناصر الاختلاف الطبقية – والعرقية – بما في ذلك أقاليمها الإنسانية؟

     فتقول الباحثة والناشطة الحقوقية ميرفت حمد النيل: “تحديد علاقة الفرد بالدولة عن طريق المواطنة يعني حرية وصوله لكل الفرص والخدمات والوعي بجغرافيته كفاعل مشكل للبيئة حوله؛ بما في ذلك كفالة طرق منصفة للتفاعل والتطور مبنية على احترام التنوع والقدرات، وفي هذه الحالة فقط يصبح السستم ليس مصمما على أساس نموذج طبقي/ عرقي/ جندري/ وضع صحي، مع إيجاد وتطوير المواعين الحاملة لهذه المفاهيم : إعلام، تعليم،… ، بهذا يكون السستم أقرب للواقع المتنوع ويسمح بحرية أكتر للفرد والمجتمعات في التعبير عن نفسها.

     أي شكل تداول للسلطة بعكس علاقات القوى الموجودة في المجتمع؛ والصناديق هي آلية تداول للسلطة ليس من شأنها إحداث تغيير اجتماعي جذري عاجل ما لم تكن هنالك قوى تعمل للوصول إلى السستم أعلاه، ومع ذلك هي ضرورية للسماح لتلك القوى أو التيارات لنشر مفاهيمها والعمل على التطوير للوصول للواقع المنشود، وهذا لن يتم بصورة جيدة إلا في ظروف حرية ودولة قانون.

     الأهم أن لدعم ظهور وقوة هذه التيارات نحتاج لأن نحترم مكوناتنا الذاتية ونحتفي بها – في نوع من “سكنى العالم شعرياً” كما عبر دولوز – وهذه ثورة مستمرة متدرجة وجدلية.”

     ويضيف الكاتب أحمد حامد بله: “حسب رؤيتي البسيطة لهذا الأمر ليس هنالك أي ضمانات لتلاشي عناصر الاختلاف، لأن الاعتراف لا يعني أي شيء إذا لم يكن المستهدف بهذا الاعتراف لديه إيمان كامل بضرورة تلاشي هذه الفوارق، والوعي اللازم لحدوث التغير. وإذا تواجد هذا الهدف من المؤكد حدوث التغير الكامل بما في ذلك الاقاليم الانسانية للفرد، مع ذلك فأن الاعتراف بهذا الامر سيعطي مناخ جيد للعمل على برامج للتوعية، صناديق الاقتراع للممارسة الديمقراطية وفكرة التوحيد هي أقرب للشمولية، لأن الاقتراع أصلاً مبني على التعددية والديمقراطية تحتاج للرأي والرأي الآخر، إذا استثنينا فكرة التوحيد فهي المناخ السياسي الذي نحتاجه لحياة أفضل في هذه البلاد.”

عن فاتن علي

mm
كاتبة من السودان أحاول أن أُحيل الرماد من عيون المجتمع .