الرئيسية / العدد الأربعون / اسطورة تحديد النسل

اسطورة تحديد النسل

_3152_bsdf

فوزي بسام

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

أثناء تصفحي لأحد مواقع التواصل الاجتماعي ، مر علي خبر انتقاد مبعوث الأمم المتحدة للصحة ، الذي من ضمن انتقاداته للجهود الحكومية : عدم كفاية حبوب منع الحمل في السوق ! … و على عكس كثير من الناس ، خطر ببالي ما أسماه الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في كتابه “قذائف الحق” بـ “أسطورة تحديد النسل” ، تذكرت هذا لأنه يجب أن نستحضر الحجة الرسمية وراء هذا الانتقاد ، و التي لن تكون بطبيعة الحال : إتاحة الفرصة لمزيد من التحلل الأخلاقي ، فمهما كانت درجة التغرب التي نعانيها اليوم ، فلن تكون لهذه الدرجة التي تجعل هذه الحجة حجة رسمية ، و لكن “تحديد النسل” ستكون كافية (مع أن سعة أرض الجزائر تجعل التركيز عليها غير مفهوم ، و الحديث قياس على بقية الدول العربية) بالإضافة إلى حجج مثل : الممارسة الجنسية الآمنة !!

أيا كان ، فإن كثيراً من مثقفينا الأعزاء ، يدعوننا إلى تحديد النسل كحل مطروح للأزمة الاقتصادية ، التي نعاني منها اليوم ، مستشهدين في ذلك ببلدان الغرب ، مثل البلاد الاسكندنافية ، و التي هي أبعد ما تكون عن الأزمات الاقتصادية ، و مع ذلك نجد فيها مجتمعات تعاني من الشيخوخة !

و مع كل هذا ، نجد بأن مثقفينا الأعزاء مستمرون في حجاجهم هذه ، فنراهم يحملون الفكرة (فكرة تحديد النسل) على مستوى عالمي المتضمن للمستوى المحلي ، فنراهم يكررون إحصائيات مختلفة (و لا ندري صحتها من عدمها !) ، و كلها تؤكد بأن العالم سيشهد نمواً ديموغرافياً سيجعل الموارد الطبيعية للأرض غير كافية له ، لذلك تدعونا دول الغرب على لسان مثقفينا ، لكي نحدد نسلنا كما فعلوا هم ، مستعينين بذلك بالمعادلة التي وضعوها قصد توضيح الصورة ، و التي مفادها : P.U > R

و إننا لن ندعي بأن هذا التشخيص الرياضي داخل في سيناريو الصراع الفكري ، و لكننا نرى بوضوح بأن واضع هذه المعادلة يركز كثيراً على P (التعداد السكاني للمعمورة) و على R (حجم الموارد الطبيعية) ، و لكن ماذا عن U (الوحدة الاستهلاكية للفرد الواحد) ؟

إننا نلاحظ بأن واضع هذه المعادلة ، جعل U معاملاً ثابتاً، و لكن على أي أساس وضعه ؟ إنه ليس من السهل وضع المعامل الثابت في المعادلات الرياضية … و عليه لن نستبعد أن تكون الإشكالية المطروحة قد تكمن في ذلك المعامل الثابت …

و لا يخفى على أحد بأن الفكر الرأسمالي هو الذي وضع ذلك المعامل الثابت ، و الذي يقول المنافحون عنه بأنه حيادي في أحكامه … و بغض النظر عن كون أن معنى الحيادية هنا ليست بمعنى أخلاقياً ، من حيث أنه لا يحتمل القيم فيه ، فإن معنى الحيادية هنا لا يعفينا عن السؤال مجدداً : عن الأسس التي أدت إلى وضع المعامل الثابت U ، بما أن الرأسمالية على حسب حياديتها ، هي في حقيقتها آلة صماء ، بالتالي هي تحتاج إلى مستعمل ، فعلى أي أساس وضع المستعمل ذلك المعامل الثابت ؟!

على أن النظرة الفاحصة لآلية سير الرأسمالية ، و التي تنتهي إلى الربح و لا شيء غيره ، تجعلنا ندرك بأنها ليست حيادية ، بل هي آلية تبتغي تحقيق الربح ، أو بمعنى أدق : “تبتغي تكثير الربح” … فإذا هي في حقيقتها وسيلة للتنافس ، و تكثير الأرباح ، لذلك قلنا في فقرة سابقة ، بأن الحيادية لا تعني هنا أنها أخلاقية …

و هذا ما يفسر كون أن نفس مصمم هذه الآلة الرأسمالية ، هو نفسه المستعمل لها في تحديد المعامل U ، و هو نفسه الذي يعيش في رخاء ، في مقابل معيشة بقية شعوب العالم ، التي تعيش تحت خط الفقر ، استنادا على معامل U ، و باستعماله أيضا من طرف نفس المصمم (بشكل أو بآخر) ، في سبيل تحقيق الغلبة ، ما دام أن الرأسمالية هي وسيلة تنافسية !

من هنا يتبين لنا بعض الشيء ، بأن واضع هذا المعامل ، وضعه ليستعمله كوسيلة لتحقيق الغلبة في صراعه الرأسمالي … فلحد الآن ، يظهر لنا بأن مشكلة عدم كفاية الموارد الطبيعية للإنسان ليس سببه النمو الديموغرافي … و مع ذلك تبقى علاقة الامبريالية بدعوى التحديد للنسل ، غير واضحة تماما ، إلا من حيث كون أعدم كفاية الموارد الطبيعية استعملت كحجة بيد متلاعب في مسرح الصراع الفكري ، لتبرير هذه الدعوى …

و في هذا الشأن نتذكر تحسر مالك بن نبي رحمه الله ، على بلاد مثل الهند لما انقسمت إلى الهند و باكستان ، و من ثمة انقسمت الأخيرة بدورها إلى باكستان و أفغانستان ، بحجة أن هذا الانقسام سيضعف بلدا كالهند التي تحتوي على نسبة شبابية مرتفعة ، و انقسامها هذا سيضعف هذه القوة الشبابية ، التي كان بإمكانها أن تجعل الهند قوة اقتصادية واعدة … هذا ناهيك عن كون أن مخلفات هذا الانقسام ، ستضيع جهود الشباب في صراعات لا معنى لها …

أيا كان الحاصل في 1948 ، فإن الذي حدث في 2015 من استقبال للاجئين السوريين ، من طرف دول أوروبا الغربية التي تعاني مجتمعاتها من شيخوخة ، بأعداد محدودة -و يبدوا بأنه سيكون استقبال لفترة محدودة أيضا !- ، يضعنا أمام مشهد حيث كأن التاريخ يعيد نفسه … و يكأن أن الاستعباد يعيد نفسه بشكل جديد ، و يكأن شباب سوريا يقايضون حياتهم بخدمة شيوخ أوروبا ! … و طبعا نقول : شباب سوريا ، لأنه من غير المتوقع أن يخاطر شيخ في آخر عمره بنفسه في رحلة تحفها المخاطر ! و نحن أهل دول البحر الأبيض المتوسط ندرك جيدا خطورة هذه الرحلات……

عموما ، فإن هذه الشيخوخة التي أصابت المجتمعات الغربية ، كانت نتيجة دعاوي تحديد النسل التي يدعوننا إليها اليوم مثقفينا الأعزاء ! في الوقت الذي تسعى فيه الحكومات الغربية لتشجيع زيادة النسل الغربي ، بوسائل تحفيزية تكسر بها القيود التي وضعها معامل U على المجتمعات الغربية إلى وقت قريب …

المعامل U الذي كان ضمن السلسلة السببية التي احتضنت الثورة السعارية الاستهلاكية ، الواجبة لتحقيق الموازنة مع الثورة الاقتصادية الأوروبية ، أو الثورة الصناعة الأوروبية ، أو الثورة الإنتاجية السعارية الغربية ، الامبريالية في منتهاها كما سبق و تبين ذلك …

ذلك لأن لا سبب مقنع لتأصيل السعار الإنتاجي الامبريالي سوى تحقيق مستوى معين من المعيشة في الأوساط الغربية ، أسميناه بمعامل U ، و الذي يعبر في حقيقته عن إشكالية السعار الاستهلاكي الغربي … و الحقيقة بان هذه المعادلة التوازنية (بين السعار الإنتاجي و السعار الاستهلاكي) ، قد احتاجت إلى وقت قريب إلى فكرة تحديد النسل داخل أوروبا ، و لما وُجد بأنها فكرة فاسدة مفسدة ، أصدرت إلى خارج أوروبا على لسان مثقفينا الأعزاء !

إن شهادة رجل مثل روجي غارودي على قومه ، بأنهم هم من قسموا أراضي شعوب مستعمراتهم ، و خصصوا لكل منها اختصاص في المنتوجات الزراعية (و هو الوضع الذي تحاول الحكومات الغربية المحافظة عليه في سياساتها الخارجية) ، أو بمعنى أشمل : في المنتوجات الخام لهذه الأراضي على وجه العموم ، لكي تحافظ أوروبا على مركزيتها في عالم الرأسمالية ، و من ثمة المحافظة على علوها الامبريالي ، بعدم التوازن التجاري بين شراءها للمادة الخام ، و بيعها للمادة المصنعة ، بحيث تميل كفته بوضوح إلى الثانية على حساب الأولى ، تفضح لنا بعض الأسرار التي نحتاجها هنا …

إن هذا الوضع قد ضايق الأعداد الغفيرة من شباب دول المستعمرات ، مما هدد بثورة عارمة على الرأسمالية الامبريالية ، أو حتى في داخلها (و قد رأينا ذلك في قضية تقسيم الهند) ، مما جعل تصدير حبوب منع الحمل أحد الحلول المرضية و الفعالة في نظرهم

و يمكننا أن نتخيل حجم الخسائر التي سيمنى بها النظام الرأسمالي الامبريالي ، لو أن فكرة الاكتفاء الذاتي طبقت في دول العالم الثالث ، خاصة في ظل شيخوخة العالم الغربي اليوم ، و شبابية بقية المجتمعات . إن هذا الأمر لا محالة سيؤدي إلى تحطيم كبرياء العالم الغربي ، المتمثل في عالمه المغرق في الرفاهية …

إن الاكتفاء الذاتي لن يكون قادرا على حمل الاستقلال السياسي و الاقتصادي فحسب ، بل إنه قادر على تحقيق الاستقلال الثقافي ، إذا حصل ذلك بالوجه الصحيح ، أعني الوجه الذي يراعي إمكانيات الأرض و إنسانها ، فإن الاكتفاء الذاتي هنا سيحرر المجتمعات الإنسانية من أغلال العولمة ، لأن كل شعب في ظلها سيستغل قدراته الذاتية في موازنة معادلة “إنتاج – استهلاك” ، من هنا سيبتدع كل مجتمع معامل U خاص به ، و معاييره الخاصة في ذلك …

الأمر الذي سيحطم المعادلة الأسطورية لعدم التكافؤ بين النمو الديموغرافي و الموارد الطبيعية (P.U > R) ، لأنه سيسقط دعوى : “وجوب تحديد النسل للمحافظة على الموارد البشرية” من جذورها ، فقد اتضح بأن الإشكالية لا تحتاج في حلها إلا للاكتفاء الذاتي …

خاصة و أن الأمر سيفضي إلى جو أخلاقي مميز ، ذلك لأن الفرد الذي تكون قضيته أمته ، لن يقع في شباك السعار الجنسي ، و الذي هو من تضمينات السعار الاستهلاكي ، و بالتالي سينتظم النسل تلقائيا ، بدل الحاجة إلى استعمال حبوب منع الحمل مثلاً، و التي جعلت وسيلة من وسائل مواجهة النتائج الاجتماعية الكارثية للسعار الجنسي ، على أن الأصل في أن تلك الحبوب تمثل جريمة أخلاقية ، لأنها تقتل الجنين في رحم الأم ، إن بقي هنالك ما يسمى بـ”أم” ، في مجتمع مستعر جنسياً ، لأن الأمومة معنى أوسع من نظيره في الفكر الدارويني ، أي الفكر الغربي الامبريالي الرأسمالي ، الذي لخص معنى الأمومة في : “مفرخة جنسية” !

قد تبين بأن دعوى : “تحديد النسل” ، ليس سوى أسطورة من أساطير الفكر الامبريالي الغربي ، الذي كان و لا زال هدفه : “تدجين الإنسان” ، بدعوى القيام على شؤونه بالعلم العلماني ، ضاربين بذلك ضرب الحائط كل أثر غيبي ، فكان حقا أن تكون هذه الدعوى ، مجرد دعوى أسطورية حديثة لا أصل لها …

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .

أضف تعليقاً