الرئيسية / احدث التدوينات / الأدب والتابو الجنسي

الأدب والتابو الجنسي

FB_IMG_1479489549896

      التابو يعني أي خط أحمر لا يقبل المجتمع تجاوزه، بغض النظر عن منطقيته وتناسقه مع القوانين، وقد تعني المحرم، أو الممنوع، أو المقدس. يعتبر الجنس في المجتمع الشرقى أحد التابوهات، التى تحظى محاولات توظيفها في الأعمال الأدبية بجدلٍ واسعٍ، يبيّن اختلافاً كبيراً بين أفراد المجتمع، في طريق تعاطيهم للأعمال الأدبية والفنية عموماً، ونجد أن الغالبية تُسبِق وظائف قيمية على الأعمال الأدبية، وترى أن أي خروج عن خط القيم الإجتماعية هو بمثابة الخروج عن خط الأدب بعمومه، وهذا ما يولد صراعاً مستمراً، يثير قلق الأدباء عامة، بحكم أن مدخل الصراع بعيد كل البعد عن منطلق الأدب ودوافعه. ولربما تستغل السلطات أيضاً تابو الجنس كغطاء لترصد مخالفيها السياسيين، من الأدباء والكتاب، بتاليب أفراد المجتمع، ورجال الدين عليهم، ومن ثم تستطيع إيجاد مبرر لمصادرة أعمالهم، والتضييق عليهم.

      يبقى من الجيد جداً، أن يفهم القارى أنه لو وجدت مشكلة بين الجنس والأدب، فهي مشكلة شكل، وليست مشكلة موضوع، فالأدب ساحة كبيرة، معقدة ومتشابكة، بتشابك قضايا الإنسان، واهتماماته، وهواجسه، وصراعاته، ونزواته، ومن المؤكد أن قضية أساسية في نشاط الإنسان كالجنس سيتم تناولها ولو بطريقة عرضية. يتعالى الأدب على التابوهات الاجتماعية، والقيم الاخلاقية، من حيث أنه مبحث جمالي، يهتم بالشكل، لا الموضوع، فحتى المواضيع المبتذلة، والمكررة، قد تتحول لأعمال أدبية قيمة في حال تقديمها بشكل جيد، وهذا يعني أن الأدب أما جيد، أو غير جيد، مع مراعاة اختلافات الذائقة بين مختلف القراء، بينما لا يمكننا مطلقاً تقسيم الأدب إلى جنسي، وغير جنسي، بمفهوم الجيد والسيئ، لأن أعمالاً جيدة قد تحتوي مشاهد جنسية، بينما قد لا تحتوي أعمال أخرى على مشهد جنسي، ولكنها ليست بالضرورة أعمال جيدة.

     معضلة تصنيف الأعمال الأدبية إلى جنسي، وغير جنسي، هو أن أعمال أدبية عظيمة قد يتم وضعها في درجة أقل من التصنيف، لا لشيء إلا احتوائها على مشاهد جنسية، حتى وإن كان الجنس موضوعاً أساسيا في بنية العمل، فعمل مثل موسم الهجرة إلى الشمال مثلاً، والذي يناقش أزمات ما بعد الاستعمار، ويُشرّح عقلية المثقف الشرقي، الذي يرى في غزواته الجنسية في ملاهي الغرب انتصاراً وأخذاً لثاره، يصعب أن يخلو من مشاهد جنسية، وعمل مثل الحب في زمن الكوليرا مثلاً، يصور قصة حب في إحدى مدن أمريكا اللاتينية، في زمن غابر، لابد ان تعكس مشاهده الواقع، وكذلك عمل مثل منزل الجميلات النائمات، يتناول هواجس المسنين الجنسية. يبقى واضحاً هنا، أن الجنس بذاته، قد يكون موضوعاً قابلاً للتناول الأدبي.

      القيمة الأساسية للفن هي الجمال، بحيث أنه محاولات تقديم كل مالوف بشكل اجمل، أو تغريب ما هو معتاد لجذب دهشة المتلقي، ولا يستثني الفن موضوعاً من التلقى، فلا قيود في الفن، ويبقى الحكم الوحيد هو مقدرة العمل على تقديم ماهو معتاد في شكل جميل، أو غريب، ولا يشترط أن يكون الشكل محتشماً أو أخلاقياً، فلو قام فنان بنحت، أو رسم لوحة عارية، فإنه يمكننا أن نقول فنياً أن اللوحة جميلة، أو غير جميلة، وبإمكاننا أن ندرس تناسق الالوان فيها، وانعكاسات الأضواء كذلك، دون أن يعني شيئاً كون أن اللوحة لفتاة عارية. يبقى من المنطقي جداً أن تمر المشاهد الجنسية في الأعمال الادبية، ومن الطبيعي أن تتم محاولات توظيفه واخراجه في قوالب فنية، وفي هذه الحالة يجب ان يكون الحكم شكلي، فالمشهد جميل كلما كان موظفاً في مشروع أدبي جيد، وكلما بعد الأدب عن تسطيح فكرة الجنس وتسليعه، وكلما خدم المشهد غرضاً أدبياً دون أن يتم اقحامه اقحاماً في النص، وكلما بعد عن الابتذال، والتكرار غير المفيد، وكلما ابتعد الأديب عن استخدام الجنس كمحفز تسويقى لأعماله.

      ينطبق أمر المشاهد الجنسية على الألفاظ الجنسية كذلك، حيث أن الألفاظ في الأدب لا تستخدم اعتباطاً، بل إنها تحمل مدلولات وإشارات عن الشخصيات التي تتحدث بها، فاللغة تعكس البيئة، والتنشئة، والثقافة، ومستوى التعليم، فلغة الحوار داخل سوح الجامعات، تختلف عنها في الأسواق، أحياناً يبقى مخلاً أن يجعل الاديب كل شخصيات العمل يتحدثون بنفس اللغة باختلافهم، إذا فالألفاظ لا تحاكم إذا ابتعدت عن الابتذال والسطحية، ولم تكن زائدة عن الحوجة في الإستخدام، وقد يتم نقد عدم توافق اللغة مع الشخصيات في الأعمال الأدبية. وعليه لا يجب إغفال  دور القارئ في التعاطي مع المشاهد والألفاظ الجنسية، فعدم المقدرة على إخراج تلك الصور من حيز التفكير الجنسي، ووضعها في إطارها الأدبي الفني، هي مشكلة تخص القارئ، أكثر من كونها تخص الكاتب، وكما سبقنا بالذكر فإن الأدب ساحة مفتوحة، وإن الأدباء يهتمون بالإنسان، وهواجسه، وهمومه، ونزواته، دون أي استثناء.

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان