الأصالة

اليوم-وبعد-ثلاث-سنوات-من-وضع-حجر-الأساس-افتتاح-مسجد-الشيخ-خليفة-في-كازاخستان

فوزي بسام :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

ارتبط مصطلح الأصالة في المخيال الشعبي العربي منذ عقود عديدة –و ربما قرون- بمفهوم التراث ، ارتباطا تلقائيا ، بحيث صارت تعني في غالب الأحيان بضع مظاهر تراثية ، جمالية في الغالب ، تستدعى من القبر الحضاري ، لتشخص تمثيلا في المحافل الثقافية ، رغم وجود بعض الشوق الخفي لمثل هذه المظاهر عند الفرد …

فإذا قد صار بينا ان الأصالة و التراث ، من حيث توحد مفهومهما الجزافي ، أنهما مرتبطان بالثقافة ، أو بمعنى أصح : أصلهما أن كل منهما وصف لارتباط بعض المظاهر الحضارية و الثقافية بثقافة معينة ، أو بلغة الرياضيات ، نقول أنهما دالتين تربطان فردا أو عدة أفراد من مجموعة الظواهر الحضارية و الثقافة بفرد من مجوعة الثقافات ، و سنكتفي من استعمال لغة الرياضيات هنا ، عند هذا الحد …

و لنلحظ أننا لحد الآن لم نفصل بعد بين المفهومين ، ذلك لأن الأمر يتطلب تحديد مفهوم الثقافة ، و لو بالتقريب (إذ لا زال لحد الآن مفهوم الثقافة محل جدال ، تنوعت به مفاهيم الثقافة) ، فهما مفهومان مرتبطان بالثقافة كما سبق و تبين …

يمكننا القول في هذا الصدد ، بأن الثقافة هي مجموعة الأفكار و الأهواء و الميولات و الأذواق و السلوكيات و الأخلاقيات ووو … الخ مما يميز الفرد المنتمي إلى أمة دون غيرها …

و تواجد هذه العناصر ليس تواجدا عنصريا منفصلا ، بل يتفاعل بعضها مع بعض ، و يؤثر بعضها على بعض ، و إن كان نصيب التأثير بين العناصر الوجدانية و العناصر الظاهرية ، يختلف على حسب اختلاف المرحلة الحضارية التي تعيشها الأمة … و لو أن المرحلة الراهنة التي تعيشها الحضارة الغربية المهيمنة اليوم ، تفرض مصطلحي : “العقل الباطن” و “العقل الظاهر” ، بغض النظر عن أي تحفظات شخصية عن هذا التقسيم … و بهذا يتضح أن المرحلة الحضارية لأمة من الأمم ، هي التي تحدد نصيب تأثير العناصر ، بين الوجدانية و الظاهرية ، على العناصر الثقافية الأعمق ، التي تشكل العناصر الثقافية الظاهرية لاحقا –و سنشرح ذلك لاحقا- …

و لنعد إلى موضوعنا الآن ، ألا و هو ارتباط مفهومي الأصالة و التراث في المخيال العربي ، بل توحد المصطلحين في مفهوم واحد …

فإن كان المخيال الشعبي محقا في نسب التراث للتاريخ ، من حيث أن مصطلح “تراث” مشتق من “إرث” ، فإن ارتباط مفهوم التراث بمفهوم الأصالة ، يدل على مشكلة حضارية خطيرة نعانيها اليوم ، تدعى : “التخلف” ! … فالأصالة من حيث مفهومها ، هي نسب المظهر الحضاري و الثقافي إلى الثقافة ، بغض النظر عن الفترة التاريخية التي حدث فيها هذا الارتباط …

و بالتالي ، فإن هذا الارتباط بين مفهومي الأصالة و التراث ، يدل على أن ثقافة الشعوب العربية ، بل و الإسلامية جملة ، قد توقفت عن الانتاج و الإبداع ، في فترة تاريخية ، سنكون من أشد المتفائلين جدا ، لو قلنا قبل 40 سنة !و قدر يراها البعض مبالغة في التفاؤل ، و لهم الحق في هذا أيضا …

فالمؤرخون الذين اعتادوا التأريخ للدول أكثر من طبائع الشعوب ، وضعوا تاريخ سقوط الدولة العثمانية ، كتأريخ لهذا التوقف ، أي قبل 80 سنة ! و لعلنا نجد عند مالك بن نبي –رحمه الله- رأيا أكثر تشاؤميا ، بحيث ينزع ضمنيا إلى أن تاريخ سقوط دولة الموحدين ، أي قبل 800 سنة ، هو تأريخ هذا التوقف ! أو على الأقل : بداية تقهقر الثقافة المحلية …

لنترك عنا الحديث في التاريخ ، فقد اتضح بما فيه الكفاية مشكلة انفصال التراث عن الحاضر ، و عن الأصالة في تلك الفترة التراثية …

أو على الأقل هذا ما يبدو لنا فقط ، فنحن لو عدنا إلى المثال المذكور في صدر المقال ، للاحظنا اشكالية أخرى ، فاستحضار المظاهر التراثية من المقبرة التاريخية للحضارة الإسلامية ، في المحافل الثقافية ، يعني أننا نعيش مظاهر حضارية أخرى ، في حياتنا اليومية العادية ، غير تلك التي تخصنا ، و التي توصف بالأصيلة … و بكل تأكيد لن تكون إلا مظاهر حضارية غربية (أو هذا ما يبدوا لنا لحد الآن) …

و لا عجب في ذلك ، فالثقافة المحلية الأصيلة ، لما توقفت عن الإبداع ، تركت فراغا ملأته الحضارة الغربية ، عن طريق ما يمكن أن نسميه بـ”الغزو الثقافي” …

و لولا الشوق الفردي لمظاهر الثقافة الأصيلة ، لربما كنا اليوم نكتفي بدراسة هذه المظاهر في المعاهد و المخابر المتخصصة ، كما يفعل الغرب اليوم ، فلعلنا لاحظنا أن كلمة “تراث” تكاد لا تذكر في الغرب ، إلا في الدراسات المتخصصة ، ذلك لأنهم بالفعل يعيشون واقعهم الحضاري الحي ، الذي هو نتاج ثقافة حية مبتدعة (بغض النظر عن المرحلة الحضارية الغربية الآنية) ، بالتالي ارتباط تراثهم بواقعهم و أصالة منتوجهم اليوم …

فإذا ما بين شوق العربي الفردي و حتى المسلم (و حتى غير المسلمين من بقية بقاع الأرض من غير الحضارة الغربية ، بفعل العولمة التي غربت الجميع) لتراثه الأصيل ، و ما بين واقعه الحضاري ، الذي هو متخلف ، بفعل “صراع التراث و الحضارة” –كما يطلق عليه اليوم- من جهة ، و استيراده لقشور الحضارة الغربية من جهة أخرى ، أي بمعنى بسبب الواقع الثقافي و الحضاري الهجين ، و الرؤية السطحية للثقافة و الإنسان … يحدث الغزو الثقافي …

و هذه المشكلة لا تظهر في المظاهر الحضارية فقط ، بل تظهر في كل عناصر الثقافة المتشابكة و المتأثر بعضها ببعض كما سبق و قلنا ، فلعل مشكلة “العلم و الإيمان” ، و التي هي مشكلة حديثة انتقلت إلينا من الغرب ، بسبب تعلمن الأخير و صراعه مع الكنيسة و ما إلى ذلك …. ، أحد دلائل هذا الغزو (رغم أنه يمكن أن يظهر للسطح ، من اعتراضات فحواها أن المشكلة قديمة ، من وقت الحضارة الإسلامية ، و الرد على هذه الاعتراضات ، يتطلب استحضار مفهومي : “تطور الأفكار” و “توارث الحضارات المتعاقبة” ، و المقام لا يكفي لهذا الكلام …)

فالحضارة الإسلامية ، لطالما كانت العلوم فيها متوافقة مع الدين ، في عمقها الفلسفي و الديني ، في ظل عقل اسلامي أصيل … على عكس ما يدعي كثير من علماني العرب اليوم ، من مثل محمد أركون الذي دعى زملاؤه فلاسفة الغرب –على حد تعبيره- ، أن يقوموا بعملية تحليل نقدية للقرآن ، مثل ما فعلوا مع أنجيلهم ! فكان ردهم بوجوب أن يوجد المسلمون مناهجهم الأصيلة ، و لكن لا حياة لمن فقد أصالة عقله ، فاستهزأ بعلم الأصول ، و تجرأ على محاولة التحليل النقدي للقرآن أساسا !

و لنذكر مثالا أقل تخصصا و أكثر شعبوية ، فنحن نتداول على ألسنتنا جملة نظنها توكلا ! مفادها : “أفعل ما علي و الباقي على الله” ، و لا ندري مدى الهجانة التي فيها ، بل قل إنها علمانية صريحة ، بحيث أنها تحمل طابع المجانبة العلمانية ! فالأصح أن نقول : “أتوكل على الله في فعل الأسباب ، و ما توفيقي إلا من عند الله” … فإذا ، حتى في أبسط أقوالنا ، فإن الغزو الثقافي حاضر و بقوة ! بمعنى أنها تفتقد إلى الأصالة …

فالغزو الثقافي إذا ، لا يسهم فقط في إقصاء الأصالة ، بل يبتغي اقتلاعها رويدا رويدا من الجذور ، كما اتضح من الاستقراء التاريخي و الآني البسيط ، السابق ذكره ، لولا حنين الفرد لمظاهر الأصالة الثقافية ، و عناد ترسخ الإسلام في هذه الأرض …

و بهذا يتضح بأن الأصالة ليست حكرا على المظاهر الفنية و الجمالية الثقافية ، بل في كل جوانب حياة الفرد الحضارية ، فالأصالة خاصية ثقافية ، و كما هو معلوم ، فإن الثقافة هي نتاج تفاعل وجدانية الإنسان مع محيطه أو واقعه المعاشي ، فكلما كان الفرد أكثر تجردا وجدانيا ، كلما كانت الثقافة أكثر حيوية ، و بالتالي أكثر إبداعا ، بحيث تكون العناصر الوجدانية أكثر تأثير على العناصر الخفية .. و العكس بالعكس أيضا …

فالثقافة الغربية ، رغم كونها اليوم أكثر تشددا علمانيا ، إلا أنها لم تكن كذلك طوال تاريخ حضارتها ، فالوصول إلى هذه المرحلة من التشدد العلماني الذي أدى إلى انتشار ظاهرة الإلحاد ، مر عبر مراحل سابقة تطورت فيها العلمانية ، حتى وصلت إلى تشددها المشهود اليوم ، و التي يمكن استظهارها على ضوء مراحل الحضارة …

إذ الحضارة تمر عبر مراحل ثلاث : الروح و العقل و الغريزة ، بحيث أنه كلما انتقلت الحضارة من مرحلة إلى مرحلة ، كلما تضاءل أثر الروح ، بالتالي تضاءل الأثر الوجداني للفرد ، ليتضاءل حجم إبداعه (بغض النظر عن الحجم الإبداعي الحضاري للأمم ، إذ يتدخل فيه بعد اتساع رقعة الحضارة ، و تطور العلوم مسبقا)

فإذا الأصالة مرتبطة بالأرض ، أو التراب -على حسب اصطلاح مالك بن نبي- ، كما أنها أيضا مرتبطة بدرجة تجرد وجدانية الفرد ، أي بمعنى مرتبطة عموما بشخصية الفرد الثقافية ، أو ما يسمى بـ”الهوية” ،  و لعل هذا أصل حنين الفرد لتراثه ، فهو يدل على فترة تاريخية شهد فيها الإنسان المسلم و بالأخص العربي ، استقلالية شخصه ، أو هويته ، بحيث كان صحاب الهوية الحقيقية (بدل الهوية المزيفة الحاضرة اليوم ، بسبب التهجن ، و بالتالي المستعبدة) ، يواجه فيها تحديات عصره ، بوسائله الخاصة …

فالأصالة إذا ليست مجرد موضوع يعبر عنه الشعراء ، و الفنانين عموما ، بالبكاء على أطلال الهوية الأندلسية -مثلا- ، بل هي ضرورة من ضرورات النهضة الحضارية ، فإحياءها خارج قبر الحضارة الإسلامية ، يحيي الحضارة الإسلامية كلها من قبرها التاريخي

من حيث أن إحياءها ، يعني بالضرورة جعلها تكتب تاريخ الفرد و الأمة الحضاري ، يواجهان فيه تحدياتهما المشتركة (باللزوم الحضاري) ، بكل استقلالية للهوية . و قد تبين أن التحرر الروحي هي أول شرط النهضة الحضارية عموما ، و احياء الأصالة خصوصا …

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .

لا تعليقات

  1. سلمت يمناك . فعلا كلامك جوهر أسأل الله لك الثبات في قول الحق و مزيدا من التقدم و النجاح

  2. سلمت يمناك . فعلا كلامك جوهر أسأل الله لك الثبات في قول الحق و مزيدا من التقدم و النجاح

أضف تعليقاً