الرئيسية / احدث التدوينات / سينما : الأنا إزاء الآخر “تأملات في فيلم Room”

سينما : الأنا إزاء الآخر “تأملات في فيلم Room”

room

في محاضرة لها بعنوان The danger of a single story اشتغلت الروائية النيجيرية تشيماندا أنجوزي على فكرة الخطر المتمثل في امتلاك قصة/تصور واحد عن العالم، وكيف أن هذا التصور ينمط ويحبس الآخر في منطقة معينة، ليس لأنه تصور غير صحيح؛ بل لأنه جزئي وغير مكتمل ويعكس جزءًا ضئيلًا فقط من الصورة الكاملة، فيختزل الآخر في موقف معين ويتم التعاطي معه انطلاقًا منه في كل مرة.

هذه الفكرة هي نفسها التي يقوم عليها الفيلم Room”” والذي يصور حياة ”جوي” التي يتم اختطافها وهي في طريقها إلى البيت من المدرسة الثانوية، ويحبسها مختطفها في غرفة مغلقة، يمارس معها الجنس بشكل شبه يومي، وبعد سنتين تنجب ابنها “جايك”، وخلال سنواته الأولى تخبره الأم أن هذه الغرفة هي حدود العالم وتحدد له ما هو حقيقي وما هو دون ذلك. لكن بعد بلوغه سن الخامسة، وطرحه مزيدًا من الأسئلة المؤرقة، المتعلقة بالغرفة/العالم ، وإذا ما كانت هي حدود العالم، فأين نذهب عندما نحلم؟ تقرر الأم ضرورة خروج الابن من الغرفة، محاولة إقناعه بعكس التصور القديم، وأن العالم أكبر من مجرد كونه غرفة واحدة، لتجابه في البداية برفض الابن قبل أن يقبل في النهاية لعب دور أساسي في هروبهما.

ناقش الفلم فكرة محدودية العالم الذي ننشأ فيه بكل القيم التي يتم تلقيننا إياها، فنكون تصوراتنا انطلاقًا من ضيق عوالمنا. وبوضع المختطف “نيك” كتمثيل للمجتمع الذي يصادر حريتنا، والطفل كرمز للشخص الذي ينشأ في نمط معين من عادات وتقاليد بالية ، فيبدأ التساؤل عن قيمتها، لكنه يحصل على إجابات جاهزة تحاول مصادرة حقه في الوصول إلى حقيقة ما. وهو الشيء المتعلق بأسئلة الأطفال بوجه خاص، حيث لا تسعى إلا تبني موقف معين بقدر ما يكون الأمر منوط بوجود أجوبة ترضي فضولهم في المقام الأول غض النظر عما قد تجلبه من خير أو سوء.

أمر آخر مميز في الفلم نجده في رمزية أن يتم فعل الهروب عن طريق ادعاء الموت، هذه الحيلة والتي ضمن ما تعني أنه لكي يتجاوز الشخص ما علق به من قيم بالية، كونته واستقرت في لا وعيه، فعليه تحرير نفسه/قتل فعليه أن يقتل شخصه القديم، الرازح تحت هذه القيم. استخدم الروائي منصور الصويم هذه التقنية ذكية جدًا في روايته الأحدث “عربة الأموات” ففي نهاية الرواية وللهروب من ظل فضاء مجتمع منغلق ومتخل، تكون الوسيلة الوحيدة للهروب هي عبر تكفين شخوص الرواية ونقلهم في عربة الأموات خارج البلاد.

في كتابه فن الرواية يقول كونديرا معلقًا على أعمال كافكا الروائية أن كافكا لم يكتب عن الإنسان في عصره فقط، بل عن الاحتمالات التي يمكن أن يكونها. أسعدني تعليق كونديرا هذا ، لأنني دائمًا ما فكرت في الفن كشيء يضع “الإنسان” بكل تمظهراته في مركز الفعل ومن ثم يتعامل مع تفاعلاته وعلاقاته الملتبسة مع العالم. وفي اعتقادي أن الأمر كله مرتبط بقدرتنا على الخيال، ولطالما اعتبرت أغنية جون لينون “imagine” – برغم يوتبياها الظاهرية – تمثيلًا عظيمًا لهذه الفكرة، فحرص لينون على استخدام الفعل “تخيل” – بدلًا عن “أعرف” – مثلًا له دلالته، باعتبار المخيلة تجعلنا أكثر قدرة على التسامح والتقبل، وفي هذا السياق يذكر ماركيز أنه في أثناء إطلاق أول صاروخ نحو المريخ وتجمع الناس لمشاهدة ذلك الحدث، اقترب منه طفل مستفسرًا، وبعد معرفته للسبب، ابتعد مستاءً ورد عليه أن: “الآن فقط” فبالنسبة له هو حدث عادي، تافه وربما تخيله لآلاف المرات، فما تفعله المخيلة هو أنها تبسط الأشياء.

ما يحدث في العادة هو أن ما نتعرض له في طفولتنا، تلك الأنساق التي نشأنا عليها، فكونتنا وأثرت على نظرتنا لأنفسنا مقابل تعاطينا مع الآخر، حسب ما ترتئيه وتتبناه تلك المؤسسة المعينة (الاجتماعية أو الدينية)، يساهم بصورة كبيرة فيه تكوين وتحديد طرائق تفكيرنا، هذه الفكرة أيضًا تعرض لها الفيلم، حين يخبر الطبيب الأم أن أهم شيء فعلته هو إخراجها لطفلها من ذلك المكان وهو ما زال غض، قبل أن يتصلب في تلك التصورات. وهنا يبرز سؤال التغيير، فنحن يتم تكويننا حسب سياقات لا يد لنا فيها، غض النظر عن صحتها من عدمها، وفي لحظة ما حين ندرك الأعطاب المتعلقة بهذه المؤسسات ونسعى لتغييرها يصيبنا الخوف والذي دائمًا ما يتعلق بفقدان ذلك الأمان المتخيل الذي كانت تهبه لنا تلك المؤسسات.

عودةَ إلى الفيلم، وواحدة من أعظم المشاهد هو المشهد أعلاه (المرفق بالصورة) حين يطلب الطفل من أمه العودة لزيارة الغرفة، حينها تبدو له الأشياء مختلفة للحد الذي يجعله يسأل أمه: “أهذه هي الغرفة؟ ومن ثم يقول لها ” لا يمكن أن تكون هذه هي الغرفة/العالم إذا كانت الأبواب مفتوحة. وكأنه يدعونا للخروج من عوالمنا الضيقة، نحو شسوع الوجود واحتمالاته. هذه الفكرة التي كرس لها المفكر الهندي كرشنامورتي جُلَ أعماله، فقد سعى بشكل مستمر لتحرير الإنسان مما يشكله ويأطره في عوالم معينة، بادئًا بالأديان والأيديولوجيات وليس منتهيًا بأنواع الأدب والفن.

عن مجاهد الدومة

mm
قاص وشاعر من السودان