الرئيسية / احدث التدوينات / الأنترنت و الديمقراطية الرقمية

الأنترنت و الديمقراطية الرقمية

Schermata-2016-03-15-alle-15.54.53-1

تميزت ديمقراطية أثينا بأنها كانت مباشرة أي تم ممارستها دون وجود نواب أو ممثلين عن الشعب،إلى أن تزايد عدد السكان وأصبح هناك حاجة إلى من يمثلهم أو ينوب عنهم في البرلمان واتسعت تلك الفكرة لتصبح ديمقراطية غير مباشرة عبر ممثلي الشعب ،بعد زيادة عدد السكان وانتشار مبادئ الحرية وحقوق الإنسان وإلغاء مظاهر العبودية اتسع المجال السياسي العام، وتنوعت الطبقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية مما اوجد مصالح متعارضة بحاجة إلى تنظيم وإدارة من قبل الدولة، الأمر الذي دفع لوجود الأحزاب السياسية وعزز من دور الدولة القومية ككيان حيادي يعمل لتنظيم وإدارة العملية السياسية والمصلحية بين الفئات التي يتكون منها المجتمع وتطورت الدولة القومية بمفاهيمها السيادية، وظهرت الديمقراطية النيابية بوجود ممثلين للشعب للتعبير عن حالة التمدد المصلحي والسكاني داخل الدولة وارتبط النظام الديمقراطي بتطور الدولة القومية.

وجاءت الثورة الصناعية وأظهرت بروز طبقات عمالية وأخرى رأسمالية مما زاد من حالة الاستقطاب وبشكل هدد سيطرة الطبقة البرجوازية التي كانت أساس النظام الديمقراطي. ومثل انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب البادرة بداية التأثير الشامل لحركة الانفتاح العالمي في إطار ما عرف بحركة العولمة والتي دعمها انتشار تكنولوجيا الاتصال والمعلومات والتي مثلت تحديا لسيادة الدولة وخاصة مع ظهور الانترنت الذي عمل على تلافي الحواجز والحدود التقليدية بين الدول.

وأظهرت الثورة المعلوماتية مدى الوهن الذي أصاب المؤسسات التقليدية فيما يتعلق بدورها الوسيط بين الحاكم والمحكوم و بناء الانتماءات ودفع الحراك الاجتماعي والسياسي،وساعدت تكنولوجيا الاتصال والمعلومات في توفير أداة اتصال مباشرة بين الحاكم والمحكومين،بدلًا من الديمقراطية النيابية ذات الطابع التمثيلي.

وجاءت الثورة التكنولوجية لتكسر تلك الحواجز لتصبح ديمقراطية مباشرة يستطيع المواطن أن يمارسها بدون الحاجة إلى وسطاء في العملية السياسية، وظهرت الحكومات الالكترونية والتي ركزت على التعامل المباشر مع المواطن للاستفادة من خدماتها الحكومية ، بل أصبح للأفراد دور مؤثر عبر استخدام تكنولوجيا الاتصال والمعلومات في ممارسة الضغط على الحكومة والتأثير على الرأي العام وصانعي القرار، وأصبح هناك علاقة ندية بين الفرد والنخبة السياسية والتي تغير دورها بعد أن كانت الوحيدة المعبئة للرأي العام والمحتكرة لصناعه القرار السياسي .*

أي أن دخول الثورة التكنولوجية حيز الفعل اليومي للفرد غير من وعيه الكلي بما يدور حوله من عمليات حياتية متسارعة و يتجلى أوجها في الأحداث السياسية التي يستقيها من المجتمع الرقمي الموجود فيه ، ومن الأفضل أن نطلق عليه مجتمع رقمي وليس افتراضي لأنه صار واقعًا محسوسًا عبر تمظهراته التي تتشكل داخل المجتمع .

الأهم في الأمر هو أن وعي الفرد انتقل إلى فهم طبيعة عمل المنصات الالكترونية وتكنولوجيا الاتصال والمعلومات وارتباطها بالسياسة والإدارة العامة لتدشن علاقة متبادلة بين الإنسان والتكنولوجيا والمؤسسات السياسية والتغير الاجتماعي فيما يمكن أن يطلق عليه “نظام ممارسة الديمقراطية تكنولوجيا “.

ومد الانترنت حبال الانتقاد للقيم الديمقراطية والتي تآكلت في المؤسسية الهرمية وأصبح مدعاة للفساد السياسي والمالي وبشكل حال دون قيام المؤسسات الديمقراطية بدورها كهمزة وصل بين النخبة والجماهير، وكذلك اثرت الانترنت في أداء الحكومات عن طريق تبني الحكومة الالكترونية والعمل على القضاء على البيروقراطية الحاضنة للفساد الإداري، وكذلك عملت الانترنت على إدارة العملية الانتخابية بشكل نزيه وحيادي عن طريق آلية التصويت الالكتروني في الانتخابات التشريعية والرئاسية، وأصبحت الانترنت مطبقة لأهم أسس الديمقراطية وهي إتاحة الفرصة لكل فرد للتصويت والتعبير عن رأيه والمشاركة والتنظيم السياسي والتأثير على الرأي العام والتعبير عن المصالح وكذلك العمل على تنشيط دور الأحزاب السياسية والمجتمع المدني في الحياة السياسية.” فالشفافية والتعاون والتفاعلية هي المظاهر الكبرى التي تفترضها فلسفة الديمقراطية الرقمية، والتحولات التي تنشدها بغرض إخراج الديمقراطية التمثيلية من أزمتها، والمتمثلة في احتكار الفاعلين العموميين لمنظومة المعلومة. بالتالي،فإن توافر المعلومة إنما بات قيمة ديمقراطية في حد ذاتها، من شأنها زعزعة مفهوم السلطة التمثيلية التقليدية، دونما حاجة إلى فعل مؤسساتي منظم. والمنتخبون لم يعودوا مطالبين بتملك هذه الأدوات، ولكن أيضا ضبط استعمالاتها واستخداماتها.

من هنا، فإن المدافعين عن الأنماط التقليدية لتنقل المعلومات، والمرتكزة على العمودية والتراتبية والمراقبة، إنما أضحوا في محك نمط جديد في الفعل السياسي، يتجاوز مبدأي الأغلبية والتوافق، ويتيح لفاعلين جدد “على الهامش”، التأثير المباشر في الفعل ذاته. بالآن ذاته، فإن بروز وانتشار الشبكات الرقمية، خلص المعلومة من احتكار وسائل الإعلام التقليدية، ومن هيمنة المجموعات الإعلامية، التي كانت تسيطر على السوق عتادا ومضامين، أجهزة ومحتويات”*** وأصبحت العملية السياسية بتفاعلاتها وأطرافها ومؤسساتها تشهد تأثيرًا إيجابيًا على تقليل حجم النفقات في العديد من الأنشطة السياسية اللازمة للمجال السياسي العام ، كما ساهمت في زيادة الكفاءة الإدارية خاصة تمكنت الأطراف السياسية من إدارة سلاسل العرض والطلب بطريقة أكثر فعالية وزيادة التنافسية بين فاعلي العملية السياسية، وعملت على جعل رأس المال السياسي أكثر شفافية.

وقللت الانترنت من تكلفة العملية السياسية بما اثر على توسيع حجم النشاط السياسي وتعدد الفاعلين بما عمل على زيادة مساحة العرض بين الناخبين أو المرشحين ومستهلكي السياسة بصفه عامة، وزادت القدرة على تحسين الأداء السياسي والدعاية الجيدة وتعددت البدائل السياسية أمام المواطن أو الناخب وتعددت طرق إقناعه بطريقة جذابة ومستمرة ومتلاحقة، مما أدى إلى صياغة الرسالة الإعلامية عبر وسائل الاتصال الحديث بشكل جيد بشكل يستجيب معها متلقي تلك الرسالة ويتفاعل معها ويبدي رأيه في نوع من التغذية الاسترجاعية بين صانعي القرار السياسي والجمهور .

وبالتأكيد لا يخلو مفهوم الانترنت من مساوئ إن صحت تسميتها قد تضع الديمقراطية في محكات مستقبلية مهمة يجب معالجتها ، فهي تفشل في نقل الأنماط الموجودة للمشاركة السياسية وتعمل على توسيع الفجوة بين من يملك الوصول ومن لا يملك، وعلى الرغم من قدرة الانترنت على إثارة النقاش العام حول القضايا إلا أنها تفشل في إيجاد طابع أو إطار مؤسسي يدافع عن هذه المصالح كالدور الذي يمكن أن تقوم به الأحزاب السياسية وجماعات المصالح التقليدية ووسائل الإعلام، كما أن الفضاء الالكتروني يمكن أن يخضع لسيطرة شركات عالمية كما يمكن أن يساعد في التأثير على الرأي العام العالمي ويتم التركيز على قضايا انتقائية لا تعبر بوضوح عن القضايا الفعلية التي يعيشها الموطن على ارض الواقع ، كما أن الأشكال الجديدة للتجمعات الافتراضية عبر المواقع الاجتماعية يمكن أن تؤدي إلى تقويض التفاعل الفعلي المباشر والذي يكون له دور في بناء الثقة وذلك على الرغم من أن الانترنت تدعم الأشكال التقليدية للاتصال، الخوف من الوقوع تحت سيطرة أقلية تحاول أن تفرض أجندتها ورؤيتها الخاصة دون أن يتم تغيير الأفكار بطرق ديمقراطية كما أن المعلومات السياسية التي يتم عرضها على الانترنت قد لا تعبر عن معظم اتجاهات الناس.

“على الرغم من أن الانترنت أداة من أدوات دعم عمليات التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي إلا انها من الممكن أن تتحول إلى أداة بين أيدي معادي الديمقراطية من اجل فرض المزيد من الرقابة على المعارضين وانتهاك الخصوصية وحرية الرأي والتعبير، حيث يتم استغلال الحرية التي توفرها الانترنت للمعارضين من اجل المزيد من الاعتقالات ، كما أن من يستفيد من الانترنت هم النخبة فقط ومن ثم فان ما يتم عرضه لا يعبر عن الجماعات الفقيرة المهمشة التي لا تملك فرص الوصول للإنترنت أو تعاني من الأمية، ومن ثم فان دور الانترنت في دعم الديمقراطية محدود كما أن بعض النظم السلطوية كبورما وكوبا تستخدم الانترنت كأداة للدعاية من قبل الدول وإفساح المجال بشكل اكبر لوجهة نظر الرسمية في مقابل فرص الأصوات المعارضة ، أو أن تستخدم النظم السياسية الانترنت كأداة للتعبئة والتأثير في الرأي العام، وكذلك استغلال الروابط بين النظم السياسية القائمة وغيرها في الخارج أو مع الشركات الكبرى بما يأتي على حساب المعارضين لتلك النظم أو الحرية السياسية للأفراد” **

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*

Arthur Edwards,” ICT strategies of democratic intermediaries: A view on the political system in the digital age”, Journal Information Polity. Issue Volume 11, Number 2/2006 ,Pages163-176 http://iospress.metapress.com/content/baf8ncw4rh9f314g/fulltext.pdf

**                                                                                                                                                                                      

عادل عبد الصادق ، الديموقراطية الرقمية ، سلسلة مفاهيم استراتيجية ، المركز العربي لأبحاث الفضاء الالكتروني ،سبتمبر 2010 ، 44 ص

***

يحي اليحيى ، التكنولوجيا كحاضنة للديمقراطية ، موقع العربي ، [https://www.google.com/url?sa=t&source=web&cd=9&ved=0ahUKEwj5v4Sq0ZLVAhWEJlAKHedWBccQFggxMAg&url=https%3A%2F%2Fm.arabi21.com%2FStory%2F915631&usg=AFQjCNFOaaETzqmkQl9EuhvjSDNqg6wn

 

عن حسان الناصر

mm
كاتب من السودان