الإرادة

CTmfeZSW4AAEigX

شاع بين الناس اليوم أن الإرادة تصنع المعجزات ، كمعتقد محفز لهم ، على تجاوز عقبات الحياة ، على رفع التحدي الذي يستوجبه السعي وراء الطموح ، الذي أصبح مقدسًا قداسة النفسية البشرية ، الأمر الذي يقتضي أن تتحول الإرادة إلى مقدس لا تقل قداستها عن قداسة النفس و الطموح …

من هنا يطرح السؤال البديهي نفسه : هل الإرادة معطى أم مكتسبة ؟

للوهلة الأولى ، ستبدو جدلية طرفاها : الطرف الناجح الذي يدعي بأنها مكتسبة ، و الطرف الفاشل ، الذي يدعي بأنها معطى … و ستزيد شدة الجدلية ، حينما نطرح على الطرف الأول سؤالًا مفاده : إذا كانت الإرادة مكتسبة ، ألا يجوز أن يتطلب اكتسابها : إرادة ، من حيث أن الكسب هو ناتج عن الإرادة ، و على أساس تميز الناجحين عن الفاشلين بكسبهم للإرادة ؟ … و بسؤال على الطرف الثاني مفاده : أليس هذا يعني أن القدر يظلم الفاشلين بحرمانهم من الإرادة ، بل الأدهى من ذلك : يجعل الفئة صاحبة الإرادة هي المتحركة ، بينما يجعل الفئة المسلوبة الإرادة خاملة ، ثم عالة على الفئة الأولى ؟

من الواضح أن نسب صفة : واهب الإرادة ، لم تفي بأي من الادعائين السابقين

و على هذا توجب علينا أن ننظر في أمر الإرادة مليًا ، فقد قلنا فيما سلف تضمنه في الجدلية السابقة ، أن الإرادة هي أصل للحركة ، إن لم نقل بأنها بحد ذاتها حركة ، من حيث أنها طاقة دافعة متدافعة ، في الزمان و المكان ! … أي بمعنى آخر : أنها حلقة في جدلية إرادوية …

خاصة أن افتراض نسبة الطاقة إلى أي ذات كانت ، غلب على كونها ذات المريد في هذا الزمان ، يصور لنا صورة تاريخية ، متكونة من تدافع الإرادات المختلفة ، مهما كان ترجيح أي الفرضيتين السابق طرحهما في الجدلية السابقة …

بهذا الشكل : يتحول أمر كسب الإرادة إلى صراع : إما عرضي بحت ، يفرض علينا أن كسب الإرادة تتطلب الإرادة ! و هكذا لا ندري أي الإرادتين هو سابق في الوجود ؟ ناهيك عن عدم قدرتنا على إدراك متى بدأت الإرادة الأولى ، و كيف تنتهي الإرادة الأخيرة ؟ و هل ستنتهي فعلًا ؟! … أو طولي بحت ، ينتهي في نهاية المطاف ، إلى قتل الإرادة ، إذ الإرادة في هذه الحالة ، هي وسيلة استبدادية يستبد بها أصحاب الإرادة على من ليس لهم إرادة ! بل يتحول مفهوم الإرادة هنا ، إلى أنها في الحقيقة هي : الطاقة ، يمتلكها المستبدون ، و تنقص المستعبدين ! … و هنا جاز لنا أن نتساءل : أليس وجود الاستبداد يتطلب وجود مقاومة المستعبدين ، بطاقة أو إرادة ؟!

في الحقيقة ، لا يمكننا أن ندعي بأن الطرف الثاني وحده من لخص الإرادة في الطاقة ، بل إن الطرف الأول كان الأسبق في ذلك ، لأنه جعل الإرادة تولد الإرادة ، و في هذا نرى طاقة توالد إرادوية ! ناهيك عن كون أن الطرف الأول ، الواقع في العرضية البحتة ، أولى من الطرف الثاني ، الواقع في الطولية البحتة (و التي هي عرضية في حقيقة الأمر) ، بالطاقوية … لأن الطاقة أمر عرضي

فإذا توجب علينا أن نحاول التمييز بين الإرادة و الطاقة

و لا ينفع أن نقول في هذا الشأن : أن الإرادة طاقة نفسية ، لأنها ستظل طاقة ! … لهذا توجب علينا أن نحصر الإرادة في لحظة زمنية ، لو أردنا التعمق في الزمن بتجزيئه أجزاءً متناهيةً في الصغر ، لقلنا بأن الإرادة هي قرار في الجزء المتناهي في الصغر من الزمن ، أي الجزء الذي يستحيل على العقل البشري إدراكه …

و مع هذا يظل تعريفنا له ناقصًا ، لأنه لا يجيبنا عن السؤال : لماذا يمتلك البعض الإرادة ، أو القرار اللحظي ، و لا يمتلكه غيره ؟؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ، يوجب علينا أن ننظر إلى الإرادة ، من حيث كونها حادثًا ، لا من حيث كونها محدثًا ! … حتى يكون مقالنا هذا مقام عدل و فصل بين الفريقين المتنازعين

من المعلوم أن الحادث ، من الناحية العرضية ، يقع بعد سبب يكون أصل للمسبب ، الذي هو هنا : حدث … و إذا وضعنا في الاعتبار بأن كون السبب أصل لحدوث المسبب ، وجدنا أن السلسلة السببية تتعالى طوليًا فيما يسمى التعالي : العللي ! … أي بلغة أبسط : هنالك علة لحدوث الحادث السببي !

و لما كانت الإرادة من حيث كونها : حادثًا ، كانت حادثة بعلة

أن تحكيم المنطق السببي هنا ، لا يزيدنا وضوحا في تفصيل ما نريد الوصول إليه ، لأنه سيتعامل مع العلة بتسلسل لا متناهي ، كتسلسل السببية … من هنا لا نعود قادرين على التمييز بين العلة و السبب

و على هذا كان حدوث الحادث ، أو بمعنى آخر : كان حدوث الأحداث المتسببة كلها مردودة إلى وجود علة واحدة ، أو على الأقل : علل متناسقة فيما بينها ، لا يصادم بعضها بعضًا …

إلا أن هذا التعدد يرفض عدم وجود التصادم ، لأن التعدد يقتضي وجود التجاور ضرورة ، إن طوليًا أو عرضيًا ! … و بالتالي إما أنه يفترض وجود التسلسل المتعالي للعلل ، و هو الأمر المرفوض في شأن العلية ، أو أن يكون هنالك تصادم ، انطلاقًا من تجاور في نفس المستوى العللي الموحد

فإذًا ، لابد أن يكون لحدوث الحادث الواحد : علة واحدة لا تقبل التجاور ، و بالتالي لا تقبل التحيز ، و لا يخفى على أحد أننا نتحدث هنا عن علة غيبية ، إذ كل مشهود لابد متجزئ ، و بالتالي متعدد بالضرورة … و لما كانت الإرادة حادثة ، كانت هي إذًا حادثة بعلة ، موجودة فوقها … و قد قلنا بأنها علة غيبية …

و عليه يمكن القول : أننا لا نريد لأننا نريد فحسب –كما شاع اليوم بين الناس- ! بل لأن هنالك إرادة فوق الإرادات المختلفة في هذا الزمان ، تريدنا أن نريد ، و هي بمثابة العلة لإرادة المريد في الزمان ، و تكون فوق الزمان و المكان ، أي بمعنى أنها فوق أن تكون حادثة !

و الحق أننا لو توقفنا هنا في شأن التأمل في الإرادة ، فسيؤدي بنا النظر إلى إنكار الإرادة ! لأن شرط الإرادة هو الحرية ، و ما توصلنا إليه إلى الآن ، يجعل إرادتنا مرهونة بإرادة غيرنا ، و إن كان هذا الغير هو فوق الزمان و المكان …

و لما كانت هذه الأخيرة ، فوق الزمان و المكان ، كانت إرادة محتوية لكل الإرادات ، من أول الخلق إلى آخره ، أي بمعنى أن حدوث كل الإرادات ، من أولها إلى آخرها ، هي إرادة الخالق … و لما كانت الإرادات متجاورة مع بقية الأحداث ، كانت محتواة في الإرادة الكلية الشمولية المنقطعة عن الزمان و المكان …

و لما كانت إرادتنا هي حادث لحظي ، و كانت محصورة في عالم الحدوث ، كانت في الحقيقة هي محض اختيار ، جعلها انحصارها بين الحوادث و الإرادات الأخرى كذلك … أي بمعنى أنها إرادة حادثة بإرادة كلية أرادت حدوثها ، تقوم بالاختيار ، و الاختيار هو فعل عقلي

و لما كان الاختيار فعل عقلي ، كان حادثًا ، لا يحدث إلا بإرادة كلية … ثم إن الإرادة لما كانت مرتبطة بالاختيار ، كانت تشترط العقل …

هذا الأمر يقتضي أن تكون الإرادة الكلية ، أعقل من أن تحصرها الحوادث ، لأنها أصل الحوادث كلها ، ثم أصل لشرطية العقل في الإرادة ، و لما كانت كذلك ، كانت في الحقيقة إرادة مهذبة للإرادات الحادثة …

و من المعلوم أن التهذيب ، لا يتأتى إلا بكون الواقع في التهذيب حرًا ، توافق هذا الأمر مع كون الإرادة الحادثة اختيارًا في حقيقتها … فكانت الأخيرة ، حادثة واقعة بين الحوادث المتعلقة بالإرادة الكلية ، تختار بين أمرين في مردها الأخير : إما الإحسان أو الإساءة ، فإن أحسنت أحسنت إليها الإرادة الكلية ، و إن أساءت عاقبتها ، أي بمعنى آخر : جازتها على حسب اختيارها !

و قد يتساءل السائل ، و يقول : هنالك من يتمادى في الاختيار ، فيسيء و لا يعاقب ! … قلنا بأن الإرادة الكلية ، لا تعاقب في اللحظة ، لأنها ليست حادثة كالإرادات الحادثة ، و إنما وضعت عقوبة المريد للإساءة في وقتها المناسب ، من حيث علمها بالغيب ، لأن الإرادة الكلية لما كانت فوق الزمان و المكان ، لأن الزمان و المكان أصلًا حادثين من حيث كونهما مخلوقين ! كانت بالضرورة عالمة بالغيب ، الغيب الذي هو مغيب علينا نحن الحوادث ، أي نحن الذين نمتلك الإرادة الحادثة بإرادة الله …

و أما عن ما نسميه نحن بعدم امتلاك إنسان للإرادة ، فهو في الحقيقة عقوبة لمن ترك التعلق بالإرادة الكلية ، و تعلق بغيرها ، و إن كانت عقوبة أخف من عقوبة من يتمادى في الاختيار و يسيء و لا يعاقب إلا بعد حين … ففي النهاية الإرادة الحادثة هي حادثة بإرادة الله …

ملخص الحديث : نحن لا نريد لأننا نمتلك الإرادة ، إنما نريد لأن هنالك إرادة فوقنا تريدنا أن نريد ، إذ نحن لسنا سادة على أنفسنا ، لأننا لا نمتلك إلا لحظة الاختيار : بين الإساءة و الإحسان ، و على حسب اختيارنا يكون جزاءنا الحادث … أي بمعنى آخر : نحن نريد و لا تعلو إرادتنا على إرادة الله … فلا يغرن أحد إرادته ، إذ ليست له بنفسه حتى يمتنع عن عبادة الله بها …

فالإرادة إذًا لا تصنع المعجزات ، بل هي تطلب قضاء الله فيها ، سواءً أأدركنا ذلك أم ندركه !

و الله أعلم

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .

9 تعليقات

  1. Its like you read my mind! You seem to know so much about this, like you wrote the book in it or something. I think that you could do with some pics to drive the message home a bit, but instead of that, this is great blog. An excellent read. I will definitely be back.

  2. Bin ja selbst Web 2.0 Junkie … als Ventil bevorzuge ich allerdings Mountainbikefahren und Beachvolleyball. Einer der vielen Gründe, warum ich vor Jahren von Wien nach Innsbruck übersiedelt bin, war die Natur. Wenn Du Dreitausender direkt vor der Nase hast, hält dich bei schönem Wetter kein Tweed der Welt vorm Bildschirm.

  3. Tһank yоu, I have recently been searching for іnformation about his sᥙbject for a while and yours
    is the grеatest I have came upon so far. However,
    what concerning the botttom line? Are you certain in regards tо the supply?

  4. I liҝe this site veery much, Its a real niсe
    berth to read and find info . “Young men think old men are fools but old men know young men are fools.” by George Chapman.

  5. absolutely adore all of my Smart Balance Wheel http://adf.ly/6249830/banner/www.fashionhoverboard.com. have worn individuals the. my neighbors happened to be subsequently ecstatic to obtain these meant for x-mas. your customer service would be marvelous. when really should have refused not necessarily realize then simply in a different shopping district

  6. Ⲟnly wanna remark on few general things, Thee websitᥱ layout is perfect, the conttent is rattling supwrb
    : D.

  7. It is very important to know about all of them if you want to maximize the
    benefits.

  8. I have recently started a blog, tɦe information you offer onn this website
    hɑs helpеd me grᥱatly. Thanks for all of your time
    & work. “One of the greatest pains to human nature is the pain of a new idea.” by Waltedr
    Bagehot.

  9. We now have very pretty big calves. The Bailey Switch often is the sole brazilian body wav https://www.youtube.com/watch?v=T6hp4Ndf7vU that I say that for being relaxing.

أضف تعليقاً