الرئيسية / احدث التدوينات / الإنسان بين مطرقة النص الأول و سندان التأويل

الإنسان بين مطرقة النص الأول و سندان التأويل

55005a40b0034145166932

قرأت منذ عدة أعوام، مقالة نشرها المتفرد توفيق الحكيم في جريدة الأهرام ، عن نفس المعنى المتضارب في الآية الأولى مع نسق الآية الثانية، فكانت إجابة البابا شنودة بخطاب موجه إلى توفيق الحكيم و سيتم عرضه لاحقا في المقالة باختصار.

تعرض الإنسان في تعامله مع النص المقدس أولا بشكل غامض، فانقسم بين طائفتين، عوام المؤمنون من الرعية،( يهودية /مسيحية /إسلام)، و طائفة من الكهنة رجال الدين، الذين صدروا أنفسهم على أن الفهم الصحيح لكلام يهوه/الرب /الله ،مقصور على فهمهم و تفسيراتهم الحرفية للنص الأول، فظهر التضارب بين محتويات النص، آيات تعارض بعضها البعض، آيات سلم و آيات حرب، أمر بسلام و محبة و أمر بتقتيل المخالف و الكتب المقدسة مليئة بتلك الازدواجية التي في ذاتها أصابت المؤمنين بقدر متصاعد من البلبلة.

أسوق مثالا مقاربا من القرآن، آيتين متتاليتين في نفس السورة، سورة المائدة

(( مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) ))

التفسيرات امتدت عبر المتون منذ عصر التدوين في القرن الثاني الهجري، و بالطبع عوام المتدينين غفلوا عن أنها آية عن بني إسرائيل في الأصل، لكن التطبيق التفسيري و التأويلات المتباينة أدت إلى تطبيق حدود شرعية تطرفت أحيانًا و تبلورت في داعش و القاعدة من قبلها، فالتفسيرات للنص الأول فضفاضة و النص الأول دائمًا حمّال أوجه و كل من له مرام أو تجنح نفسه إلى تحقيق ما يوافق هواه استطاع بكل سلاسة أن يخرج من النص الأول شيئًا يعزز به وجهة نظره و الأمثلة في تاريخنا الإنساني بلا حصر، حروب الرب اليهودية على الكنعانيين، مذابح طبيعة المسيح المسيحية في الإسكندرية وصولا إلى الخوارج يوم التحكيم، حتى حرب الثلاثون عاما بأوروبا التي قامت جراء الفهم المختلف بين البروتستانت و الكاثوليك، آلاف الضحايا من البشر هي نتيجة مروعة لمجرد سوء تفاهم.

أتطرق الآن لتاريخ تأويل النصوص، متى بدأ؟ و كيف تطور؟ و ما هي حاجة الإنسان له من الأساس؟

أختلف المؤرخون في بداية الممارسة التأويلية عند قراءة النصوص، منهم من يردها إلى المجهودات التي بذلها الأثينيون من أجل استخراج معاني الملاحم الهومرية التي أصبحت لغتها عصية على الفهم المباشر، ومنهم من يعدها ذات أصول دينية محضة ترجع إلى الكتاب المقدس ( التوراة ) أو( الإنجيل) الذي لم يعد فهمه المباشر ممكناً، أما ( علم التأويل الحديث ) أو الهرمينوطيقا فهو أحد مخرجات عصر الأنوار عندما انتقل التأويل من المجال الديني إلى المجال الفلسفي على يد الفيلسوف الألماني شلايرماخر في القرن الثامن عشر، ليأتي بعد ذلك الفيلسوف الألماني فلهلم دلتاي ليطور ويكمل الجهود التي بدأها شلايرماخر.

ثم جاء بعدهم العديد من العلماء وهم على سبيل المثال وليس الحصر جادامير – هيدجر – بول ريكور – أمبيرتو أيكو وغيرهم، والعناصر الرئيسية التي جاء بها علم التأويل الفلسفي الحديث هي أن الممارسة التأويلية تنبني على ثلاث مراحل وهي : الفهم – التفسير أو التأويل – التطبيق.

وكل مرحلة من هذه المراحل تشكل جزءًا لا يتجزأ من العملية التأويلية، أي أنها تشكل وحدة متكاملة، في الوقت الذي كان فيه المؤولون السابقون يركزون على المرحلة الثانية مستبعدين بقية العناصر.

ومن العناصر الرئيسية التي تم اكتشافها في الممارسة التأويلية هي أننا عندما نستقبل النص أي نص كان سواء كان نصاً أدبياً أو دينياً أو حتى قانونياً نستقبله وفق أفكارنا الخاصة ومعاييرنا المسبقة ليتم تطبيق تلك الأفكار والمعايير على النص، ثم إن الفهم والتأويل لا يمكنه أن يستقل عن الأفق الراهن للمؤول، والعملية التأويلية تتم من خلال انصهار واندماج بين نسق وأفق المؤول في العصر الراهن وبين الأفق الماضي للنص، أي أن الفهم هو توصّل إلى تطبيق استعمال المعنى على وضعيتنا الراهنة وإيجاد أجوبة لمسائلنا وحلول لمشكلاتنا الخاصة، وإمكانية أن يقدم النص المقروء إجابة عن هذه المشكلات، إذاً الخاصية الجوهرية في الممارسة التأويلية الحديثة هي تحول الاهتمام في قراءة النصوص من معنى النص إلى فهم المفسر أو المؤول له، والشروط الضرورية لمقاربة النصوص وتفسيرها، أي وضع المعايير التي تضمن الفهم المناسب للنصوص، كذلك ومن خلال الممارسة التأويلية الحديثة تم اكتشاف أن مقاصد الخطاب أو النص ربما لم تكن ضمن مقاصد المؤلف أي أننا نصل إلى فهم للنص يكون بعيد ومستقل عن مقاصد المؤلف الأصلية .

أتوقف عند أصل علم التأويل أو المؤثر الأقوى في المثلث الإبراهيمي ألا و هو فيلون السكندري. .

فيلون السكندري هو فيلسوف ومؤرخ ومثقف يهودي من مواليد القرن الأول قبل ميلاد المسيح، والملقب بـ “أفلاطون اليهودي” ـ حاز على هذا اللقب من هيرونيموس مترجم كتاب اليهود (التناخ) إلى اللاتينية. يعتبر فيلون أحد أهم الفلاسفة الذين أثروا الحياة بفكرهم وعبقريتهم وأولئك الذين غيروا وجه التاريخ القديم والحديث. اشتهر فيلون بتفسيره الفلسفي للتناخ، محاولا التوفيق بين الفلسفة والمنطق من جهة، وبين الإيمان المطلق بالله من الجهة الأخرى، وقد تأثر المسيحيون الأوائل بالفلسفة الفيلونية التوفيقية الرائدة التي تقوم على أسلوب المقارنة والمقاربة والمزج بين النصوص المقدسة والنظريات الفلسفية والمنطقية.

ودأب بعض المثقفين المسيحيين على ترجمة أعمال فيلون في وقت مبكر إلى اللغات الأرامية واليونانية، وتعتبر كتابات فيلون في أوروبا مصدرًا استوحى منه المسيحيون القدامى بشكل كبير فلسفتهم اللاهوتية، هذا إلى جانب دوره البارز في بلورة وتشكيل الفكر اليهودي من خلال شروحاته التجديدية.

يُلفت إلى أن فيلون نشأ وترعرع في الإسكندرية إبان الحكم الروماني، في مناخ سادت فيه الثقافة اليونانية. وُلد فيلون لعائلة يهودية عريقة سليلة الملك اليهودي هيرودوس الذي عُين واليا على يهودا في بداية الحكم الروماني على أرض إسرائيل. أطلق عليه اسم يديديا لكنه اشتهر أيضا باسمه فيلون السكندري و يُذكر أن الجالية اليهودية في الإسكندرية كانت تتبرع بسخاء لإعمار بيت المقدس اليهودي في أورشليم.

عاصر فيلون المجدد اليهودي ومؤسس المذهب المسيحي يسوع الناصري (السيد المسيح)، ويمكن القول إن المدرسة اليسوعية والفيلونية كان لهما دورا بارز في صياغة المذهب اليهودي العالمي الذي مهّد الطريق لتأسيس الديانة المسيحية وانتشارها في العالم، لتحل محل الديانتين اليونانية والرومانية اللتان ظلتا تسودان أوروبا والعالم لقرون من الزمان.

و جدير بالذكر إن المؤرخ اليهودي فيلون هو فيلسوف ومثـقـف، ولــد أيــام هيـرود الأكـبر، وتـوفى عـام 54م، أي أنه يُعـد معاصراً ليسوع، وهـو شـديـد الإلمام بكل ما يتعلق باليهود , وتضمنت أعماله 57 عملاً، منها كتاب بعنوان “عصر بيــلاطس”. ويُعـد فيـلون من كبار مـثـقـفي عصره وأنه شـديد الأمانة الموضوعية ومشهود له بأنه لا يغــفل كبيرة ولا صغيرة في الموضوع الـذي يتناوله. وذلك ما اتبعه في كل كتاباته المتعلقة بالطوائف الدينية المتعـددة. بل المعروف أن فـيلـون كان من الشجاعة بحيث أنه سـافـر إلي رومــا لمقابلة الإمبراطور الـرومـاني كاليجـولا دفـاعاً عن اليهود ضحايا الاضطهاد الـدامي سنة 39 في الإسكندرية. فاستقبله كاليجولا لكنه لم يستجب لمطلبه.. وبعد عـودته إلى الإسكندرية راح يواصل كتابة أعماله .

تأثر فـيلون بأفـلاطـون، صاحب نظـرية “اللوجس” أو “الكلمة” وما أكثر ما كتبه عنها وعن العـلاقة بين الله العــالِم بكل شيء وبين تلك الـدنيا بنواقـصها. وسرعان ما جعل من “الكـلمة” كائناً مستـقلاً قـد خـلق كل شيء لأنه يحتوي على الصفات الإلهية، وكل المخلوقات نتجت عنه وهـو غير مخلوق ومنبثق من الله ذاتـه.. وما أشبه ذلك ببـداية إنجيل يوحنا الذي يـبدأ بعبارة :

” وفي البدء كانت الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله ” (1:1 ). أي أن فكرة “الكلمة” كانت واردة في الـفكر الفلسفي ولم يضـف إليها إلا عبارة “التجـسد” التي أضيفـت في القرن الثاني.

وقد ذكر دكتور يوسف زيدان أن شروح فيلون السكندري لعبت دورا مهما في مجالات العلوم والفلسفة والأديان .

و وصف زيدان الديانة اليهودية أنها “الديانة الأصل للديانات التوحيدية الثلاث” قائلا إن فيلون الذي عاش في الإسكندرية في القرن الأول الميلادي تمكن من إحياءها، حيث عكف على الترجمة الاسكندرانية للتوراة المعروفة بالسبعينية، فشرح النص اليوناني ذا الأصل العبري شرحًا جديدًا من خلال التوفيق بين اليهودية وبين الأفلاطونية والمذاهب الروحية الشرقية.

يُذكر أن شروح فيلون السكندري كان لها أثر بالغ على تفاعل الديانتين اليهودية واليونانية، كما عرف ما لها من أثر على رجال الكنيسة في الإسكندرية الذين تأثروا بالأفلاطونية المحدثة، وهم الذين شرحوا المسيحية حين كانت دينا جديدا وأرسوا قواعده، فعرف هؤلاء السكندريون، ومن ضمنهم فيلون، في تاريخ المسيحية بلقب ذي دلالة عميقة هو آباء الكنيسة .

يقول أبو إسحاق النّظّام إن الأسس الفلسفية اللاهوتية للمسيحية استفادت بشكل أكبر ومركز من فيلسوف معاصر للمسيح لا يعرفه كثير من الناس لكنه ذو أثر خطير جداً على الفكر الفلسفي المسيحي وهو الفيلسوف اليهودي فيلوس ألكساندريوس (فيلون السكندري) صاحب نظرية اللوجس الشهيرة والتي تبناها يوحنان (يوحنا) اللاهوتي في انجيله وعليها مدار العقيدة المسيحية في جزئها الأول، وهي عقيدة التثليث.

فيلون السكندري هو ثالث ثلاثة، إلى جانب أفلاطون، وبلوتين (أحد أبرز مفكري المدرسة الأفلاطونية الحديثة) هم مثلث الفلاسفة المؤسسين لفلسفة اللاهوت المسيحي. هؤلاء الثلاثة هم الفلاسفة الحقيقيون للفلسفة اللاهوتية المسيحية. أما اللاهوتيين المتقدمين كبولس الرسول أو يوحنان الإنجيلي أو آباء الكنيسة، أو المدرسيون، فاقتصر دورهم على صياغة تلك التعاليم الفلسفية في قالب لاهوتي بسيط.

وكما ذكرت فقد ولِد فيلون يوديوس (أي: اليهودي)، ويعرف كذلك باسم فيلون ألكساندريوس (أي: الإسكندري) بمصر عام 20 قبل الميلاد، وتوفي عام 54 ميلادية، وهو بهذا يكون معاصراً ليسوع وبولس. سعى فيلون لإحداث مصالحة وتوفيق بين الفلسفة الكلاسيكية من جانب والعهد القديم اليهودي من جانب آخر، فخرج بنتائج عجيبة، فمثلاً:

تقرر الفلسفة الكلاسيكية، لا سيما البلوتونية، مسألة قِدم وأزلية مادة العالم، بينما يقرر العهد القديم “التناخ” (التوراة) حدوث العالم نفسه، فأراد فيلون التوفيق بين المدرستين فقال إن الله أحدثَ العالمَ، لكن ليس من العدم، لكن من المادة الأزلية. جديرٌ بالذكر أن هناك آراء فلسفية إسلامية تتبنى هذا الرأي كرأي الفيلسوف ابن سينا مثلاً.

أما الأثر الأكبر لفلسفة فيلون على اللاهوت المسيحي فيتجلى في قضية اللوجوس، إذ قام بتطوير علم اللوجوس الإلهي وعرض قضية تثليث الإله وفق نظريته تلك، فيرى فيلون أن خلق العالم حدث عن طريق الكلمة الإلهية، أي: اللوجوس، واصفاً تلك الكلمة بصفات محددة مثل: مثال المُثُل / قوة القوى / المبعوث الأعلى / الإله الثاني / الولد البكر للإله وغير ذلك من النعوت. وفق هذه الفلسفة يرى فيلون أن اللوجوس هو حلقة الوصل أو القنطرة بين الله والعالم.

كما تأثرت المسيحية بفلسفة التثليث التي صاغها بلوتين( افلوطين ) في بدايات القرن الميلادي الثالث، فإنها تأثرت وبدرجة أعمق بفلسفة اللوجوس والتثليث الفيلوني في بدايات المسيحية، ويؤكد مؤرخو الفلسفة على أن فيلون السكندري هو المؤسس الحقيقي لفلسفة التثليث المسيحية، تلك الفكرة التي تلقاها بولس الطرسوسي وقام بإلباسها ثوباً يسوعياً يشكل أحد أهم مرتكزات اللاهوت المسيحي البولِسِي.

إذن الامتداد الفيلوني في التأويل وصل إلى المسيحية الوليدة ثم تطور على أيدي آباء الكنيسة في تفسيرات النص المقدس – و إن اختلفوا عليه فيما بينهم- منهم القديس أوغسطينوس فما بعد، و بالتالي انتقل هذا فيما بعد كنفس النسق التأويلي للقرآن عند المتكلمة المسلمين و دارت نفس الدائرة، كأس واحد شرب منه الابراهيمين بالتتابع التراكمي.

121d374bb47d79434d5898202abf7aa5

الآن اذهب إلى السؤال الذي نحن بصدده كيف فسرت آياتي الإنجيل.

السؤال كما قلت في مستهل المقال، نفس السؤال الذي طرحه الأستاذ توفيق الحكيم في عدد جريدة الأهرام في عدد يوم( 2/ 12/ 1985)، كان نص السؤال الذي أورده الأستاذ توفيق.

(قرأت في دفتري عبارة أفزعتني, وسجلتها لأسأل فيها حتى يطمئن قلبي.. عبارة في الإصحاح الثاني عشر من أنجيل لوقا قال فيها السيد المسيح: “جئت لألقي نارًا على الأرض.. أتظنون أنى جئت لأعطى سلامًا على الأرض، كلا أقول لكم بل انقسامًا.. فكيف والمسيح ابن مريم كلمة من الله، جاء ليلقى نارًا على الأرض…

فكيف يكون الله تعالى هو الكريم، وأنه كتب على نفسه الرحمة، ويقول في قرآنه أن المسيح كلمة منه.. والمسيح يقول في إنجيل لوقا أنه جاء ليلقي نارًا على الأرض؟… وغمرتني الدهشة وقلت لا بُدّ لذلك من تفسير…

فمن يفسر لي حتى يطمئن قلبي؟.. وصرت أسأل من أعرف من أخوتنا المسيحيين المثقفين، فلم أجد عندهم ما يريح نفسي…

أما فيما يخص المسيحيين فمن أسال غير كبيرهم الذي أحمل له التقدير الكبير لعلمه الواسع وإيمانه العميق.. البابا شنودة .. فهل المسيحي العادي يفطن لأول وهلة إلى المعنى الحقيقي لقول السيد المسيح.)

t1456907773492eabd5712b898bea7df2e6d5be50fcimage-jpgw382h215q50

فتصدى البابا شنودة الثالث للإجابة على نفس السؤال، بخطاب موجه إلى الأستاذ توفيق الحكيم، طبعا بتأويل الكنيسة الأرثوذكسية بما انه رأسا لها، و هنا أترككم مع نص الإجابة للبابا شنودة.

عميد الأدب في أيامنا: الأستاذ الكبير توفيق الحكيم.

تحية طيبة، ودعاء لكم بالصحة، من قلب يكن لكم كل الحب. فأنا قارئ لكم، معجب بكتاباتكم، احتفظ بكل كتبكم في البطريركية وفي الدير…

وقد قرأت مقالكم الذي نشر في الأهرام يوم الاثنين 2 / 12/ 85، الذي قدمتم فيه أسئلة حول بعض الآيات التي وردت في الإنجيل (إنجيل لوقا 12). وعرضتموها في رقة زائدة وفي أسلوب كريم، يليقان بالأستاذ توفيق الحكيم.

وإذا أشكر ثقتكم، أرسل لكم إجابة حاولت اختصارها على قدر ما أستطيع. وأكون شاكرًا إن أمكن نشرها كاملة كما هي. لأن تساؤلكم في مقالكم، أثار تساؤلات عند كثيرين، وهم ينتظرون هذا الرد. وختامًا لكم كامل محبتي.

أمضاء: البابا شنودة الثالث

حينما نتحدث عن آية من الكتاب. لا نستطيع أن نفصلها عن روح الكتاب كله، لأننا قد لا نفهمها مستقلة عنه.

فلنضع أمامنا روح الإنجيل، ورسالة المسيح التي ثبتت في أذهان الناس. ثم نفهم تفسير الآية في ظل المفهوم العام الراسخ في قلوبنا.

رسالة السيد المسيح هي رسالة حب وسلام: سلام مع الله، وسلام مع الناس: أحباء وأعداء. وسلام داخل نفوسنا بين الجسد والعقل والروح.

في ميلاد المسيح غنت الملائكة قائلة “المجد لله في الأعالي ، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة” (لو2: 14). وقد دعي السيد المسيح “رئيس السلام” (أش9: 6). وقد قال لنا “سلامي أترك لكم، سلامي أعطيكم.. لا تضطرب قلوبكم ولا تجزع” (يو14: 27)، وقال “أي بيت دخلتموه، فقولوا سلام لأهل هذا البيت” (لو10: 6). وذكر السلام كأحد ثمار الروح في القلب. فقيل “ثمر الروح: محبة فرح سلام” (غل5: 22). وفى مقدمة عظة السيد المسيح على الجبل “طوبي لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون” (مت5: 9).

كما ورد في الإنجيل أيضًا : “أطلب إليكم.. أن تسلكوا كما يليق بالدعوة التي دعيتم لها، بكل تواضع القلب والوداعة وطول الأناة، محتملين بعضكم بعضًا بالمحبة، مسرعين إلى حفظ وحدانية الروح برباط السلام. ولكي تكونوا جسدًا واحدًا وروحًا واحدًا” (أف4: 1-4). ودعا السيد المسيح إلى السلام، حتى مع الأعداء والمقاومين، فقال “لا تقاوموا الشر. بل من لطمك على خدك الأيمن، فحول له الآخر أيضًا. ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك، فاترك له الرداء أيضًا. ومن سخرك ميلًا، فاذهب معه اثنين، ومن سألك فأعطه” (مت5: 39-42).

بل قال أكثر من هذا : “أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم.. لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم.. وإن سلمتم على أخوتكم فقط، فأن فضل تصنعون” (مت5: 44-47).

ولست مستطيعًا أن أذكر كل ما ورد في الإنجيل عن رسالة السلام في تعليم السيد المسيح، إنما اكتفى بهذا الآن، وعلى أساسه نفهم الآيات التي هي موضع السؤال:

وكمقدمة ينبغي أن أقول إن الإنجيل يحوي الكثير من الرمز، ومن المجاز. ومن الاستعارات والكنايات، من الأساليب الأدبية المعروفة.

جئت لألقى نارًا:

وهى قول السيد المسيح “جئت لألقى نارًا على الأرض. فماذا أريد لو اضطرمت” (لو12: 49).

1- إن النار ليست في ذاتها شرًا. وإلا ما كان الله قد خلقها. وليست بصدد الحديث عن منافع النار، ولا عما قيل عنها من كلام طيب في الأدب العربي. وإنما أقول هنا إن النار لها معان رمزية كثيرة في الكتاب المقدس:

2- فالنار ترمز إلى عمل الروح القدس في قلب الإنسان.

وقد قال يوحنا المعمدان عن السيد المسيح “هو يعمدكم بالروح القدس ونار” (لو3: 16).

وقد حل الروح القدس على تلاميذ المسيح على هيئة ألسنة كأنها من نار. (أع2: 3).

وكان هذا إشارة إلى أن روح الله ألهبهم بالغيرة المقدسة للخدمة. وهذه الغيرة يشار إليها في الكتاب المقدس بالنار.

وهى النار التي أعطت قوة لتطهير الأرض من الوثنية وعبادة الأصنام. وهذه النار هي مصدر الحرارة الروحية. وقد طلب منا في الإنجيل أن نكون “حارين في الروح” (رو12: 11). وقيل أيضًا “لا تطفئوا الروح” (1تس5: 129).

3- والنار ترمز أيضًا في الكتاب إلى المحبة:

وقيل في ذلك “مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة” (نش 8: 7). وقيل أيضًا “لكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين” (مت 24: 14).

4- والنار قد ترمز أيضًا إلى كلمة الله:

كما قيل في الكتاب “أليست كلمتي هذه كنار، يقول الرب” (ار23: 29). وقد قال ارمياء النبي عن كلام الرب إليه “فكان في قلبي كنار محروقة” (أر20: 9). لذلك لم يستطع أن يصمت. على الرغم من الإيذاء الذي أصابه من اليهود حينما أنذرهم بالكلمة.

5- والنار في الكتاب ترمز أحيانًا إلى التطهير:

كما قيل عن إشعياء النبي إن واحدًا من الملائكة طهر شفتيه بجمرة من النار. (أش 6: 6, 7).

وإن كانت النار تحرق القش، إلا أنها تنقي الذهب من الأدران، وتقوي الطوب الطين وتجعله صلبًا. وكانت تستخدم في العلاج الطبي (بالكي).

فالذي كان يقصده السيد المسيح: إنني سألقى النار المقدسة في القلوب. فتطهرها، وتشعلها بالغيرة المقدسة لبناء ملكوت الله، على الأرض، لذلك قال: “ماذا أريد لو اضطرمت”.

هذه النار قابلتها نار أخرى من أعداء الإيمان تحاول إبادته. وهكذا اشتعلت الأرض نارًا، كانت نتيجتها إبادة الوثنية، بعد اضطهادات تحملها المسيحيون.

هناك إذن نار اشتعلت في قلوب المؤمنين، ونار أخرى اشتعلت من حولهم. وكانت الأولى من الله، والثانية من أعدائه.

والسيد المسيح نفسه تعرض لهذه النار المعادية، لذلك قال بعد هذه الآية مباشرة، يشير إلى آلامه المستقبلية، “وَلِي صِبْغَةٌ أَصْطَبِغُهَا، وَكَيْفَ أَنْحَصِرُ حَتَّى تُكْمَلَ؟” (إنجيل لوقا 12: 50). وبنفس الأسلوب تحدث عن صبغة آلامه في (مت20: 22؛ مر10: 38)

بقي أن نتحدث عن النقطة التالية :

ما جئت لألقى سلامًا بل سيفًا :

وهى قول السيد المسيح بعد الإشارة إلى آلامه مباشرة. “أتظنون أنى جئت لألقي سلامًا على الأرض؟ كلا، أقول لكم بل انقسامًا” (لو12: 51).

إنه جاء ينشر عبادة الله في العالم كله، بكل وثنيته، ولذلك قال لتلاميذه “اذهبوا إلى العالم أجمع. واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها” (مر16: 15).

تضاف إلى هذا: المبادئ الروحية الجديدة التي جاء بها المسيح. وهي تختلف عن سلوكيات وطقوس العبادات القديمة.

وكان أول من انقسم على المسيح، ثم على تلاميذه: اليهود وقادتهم. ليس بسبب المسيح، إنما بسبب تمسك اليهود بملك أرضي، وبسبب فهمهم الحرفي للكتاب. لدرجة أنهم تآمروا عليه ليقتلوه، لأنه شفى مريضًا في سبت (مت 12: 49).

وتضايق منه اليهود، لأنه كان يبشر الأمم الأخرى بالإيمان. وهو يريدون أن يكونوا وحدهم شعب الله المختار. لذلك لما قال بولس الرسول أن السيد المسيح أرسله لهداية الأمم، صرخ اليهود طالبين قتله (أع22: 21, 22).

بل أن القديس بولس لما تحدث عن القيامة، حدث انشقاق وانقسام بين طائفتين من اليهود هما الفريسيون والصدوقيون، لأن الصدوقيين ما كانوا يؤمنون بالقيامة ولا بالروح (أع23: 6, 9).

وانقسم اليهود على المسيح، لأنهم كانوا يريدون ملكًا أرضيًا ينقذهم من حكم الرومان. أما هو فقال لهم “مملكتي ليست من هذا العالم (يو18: 36). فلم يعجبهم حديثه عن ملكوت الله، ولا قوله “أعطوا ما لقيصر لقيصر..” (مت22: 21).

وهكذا قام ضد المسيح كهنة اليهود وشيوخهم والكتبة والفريسيون والصادوقيون

أكان يمكن للمسيح أن يمنع هذا الانقسام، بأن يجامل اليهود في عقيدتهم عن الشعب المختار، ورفضهم لإيمان الأمم الأخرى. ورغبتهم في الملك الأرضي، وحرفيتهم في تفسير وصايا الله؟ أم كان لا بُدّ أن ينشر الحق. و لا يبالى بالانقسام؟

كذلك واجه السيد المسيح العبادات القديمة بكل تعددها وتعدد آلهتها: آلهة الرومان الكثيرة تحت قيادة جوبتر Jupiter، والآلهة اليونانية الكثيرة تحت قيادة زيوس Zeus، والآلهة المصرية الكثيرة تحت قيادة رع Ra وأمون Amun، وباقي العبادات وكذلك الفلسفات الوثنية المتعددة. وكان لا بُدّ من صراع بين عبادة الله والعبادات الأخرى.

أكان المسيح يترك رسالته لا ينادى بها خوفًا من الانقسام، تاركًا الوثنيين في عبادة الأصنام، لكي يحيا في سلام معهم؟! ألا يكون هذا سلامًا باطلًا؟!

أم كان لا بُدّ أن ينادى لهم بالإيمان السليم. و لا خوف من الانقسام، لأنه ظاهرة طبيعية فطبيعي أن ينقسم الكفر على الإيمان. وطبيعي أن النور لا يتحد مع الظلام.

لم يكن الانقسام صادرًا من السيد المسيح، بل كان صادرًا من رفض الوثنية للإيمان الذي نادى به المسيح. وهكذا أنذر السيد المسيح تلاميذه، بأن انقسامًا لا بُدّ سيحدث. وأنهم في حملهم لرسالته، لا يدعوهم إلى الرفاهية، بل إلى الصدام مع الانقسام.

لذلك قال لهم “في العالم سيكون لكم ضيق” (يو16: 33) “تأتى ساعة يظن فيها كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله” (يو16: 2) “إن كان العالم يبغضكم، فاعلموا أنه قد أبغضني قبلكم” (يو15: 18-20).

لقد وقف السيف ضد المسيحية. لم يكن منها، وإنما عليها.

وعندما رفع بطرس سيفه ليدافع عن المسيح وقت القبض عليه، انتهره ومنعه قائلًا “اردد سيفك إلى غمده. لأن كل الذين يأخذون بالسيف، بالسيف يهلكون” (مت26: 52).

وكانت نتيجة السيف الذي تحمله المسيحيون، ونتيجة انقسام الوثنيين واليهود عليهم, مجموعة ضخمة من الشهداء.

ومع الصمود في الإيمان، انتشر الإيمان وبادت الوثنية. في وقت من الأوقات.

ظن تلاميذ المسيح -كيهود- إن المسيح سيملك لذلك اشتهى بعضهم أن يجلس عن يمينه وعن شماله في ملكه. فشرح لهم السيد أن حملهم لبشارته سوف لا يجلب لهم سلامًا ورفاهية، وإنما انقسامًا من أعداء الإيمان. بل سيحدث هذا حتى في مجال الأسرة في البيت الواحد: إذ قد يؤمن ابن بالله، فيثور عليه أبوه الوثني، ويجبره على العودة إلى وثنيته أو يقتله. وهكذا مع باقي أفراد الأسرة التي تنقسم بسبب الإيمان.

فهل يرفض هؤلاء الإيمان، حرصًا على عدم الانقسام؟

كلا. فالانقسام هنا ليس شرًا، وإنما ظاهرة طبيعية. وكل ديانة انتشرت على الأرض، واجهت مثل هذا الانقسام في بادئ الأمر. إلى أن استقرت الأمور

هل يفطن المؤمن العادي؟

وهى عبارة “هل المؤمن العادي يفطن لأول وهلة إلى المعنى الحقيقي لقول السيد المسيح؟”

تكلم المسيح عن الانقسام في مجال نشر الإيمان. أما في الحياة العادية، فإنه دعا إلى الحب بكل أعماقه. وورد في الإنجيل إن “الله محبة” (1يو4: 8). كما قيل فيه أيضًا “لتصر كل أموركم في محبة” (1كو16: 14).

أجيب أنه من أجل هذا، وجد في كل دين وعاظ ومعلمون ومفسرون، وكتب للتفسير.

كما أن علم التفسير يدرس في كل الكليات الدينية بشتى مذاهبها. فمن يريد عمقًا في فهم آية، أمامه الكتب، أو سؤال المتخصصين.)

هنا انتهت رسالة البابا شنودة الثالث ردا على الأستاذ توفيق الحكيم.

أخيرا و بنهاية المقال لا يفوتني إلا أن أشير إلى أن التأويل هو حيلة الفهم الحصري للنص بين كل فرقة و أخرى كل حسب مشاربه، و هو سلاح الكهنة من أجل السيطرة و فرض الوصاية، و كم أريقت دماء بسبب هذا التفاسير و الآيات.

المراجع :

– تاريخ الإسكندرية الهلنيستي.

– كتاب سنوات مع أسئلة الناس – أسئلة خاصة بالكتاب المقدس – قداسة البابا شنوده الثالث

– موقع الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي القس: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – الإسكندرية.

عن عمرو جنيد

mm
كاتب من مصر

تعليق واحد

  1. قلم ناضج .. فكر شامل .. رؤيه موسوعية .. قدرة على الإلمام بتلابيب الفكره ونسج رؤيتك إبتناءاً على مرجعية فكريه متبحره .
    أحسنت يا دكتور ..

أضف تعليقاً