الانتظار

1003786529136fa5ba8722a1ed1c55d3

عندما أخبرتنا أنكِ قادمة ، عدت من المدرسة و رميت حقيبتي ، تعلمين أنهم ينتظروني لنلعب البلي و سيبدؤون بدوني برغم باقة الكريستال التي حصدتها منهم ، أحضرت معي حلوى سمسية ، خبأتها في الجيب السري ، اشتريتها لكِ أعلم أنكِ تحبينها ، أوصيت البائعة – خالتي مريم و حينما رجعت للفصل تملكتني اللهفة لقدومك ، خفت أن تحضري للمنزل و أعود بملابس متسخة ، اعتزلت اللعب في فسحة الفطور ، تصوري لم ألعب بكرة الشُراب ، انتظرت مجيء الحصة الأخيرة .

كما أخبرتك انتظرتك في البيت و على سبيل المزاح – إتشطفت ، لا تعلمين كم أكره الاستحمام ، أخرجت كتبي ، أفرغتها في السرير أمامي ، الكراسات التي كتبتي على طابعتها اسمي رتبتها أول ، قرأت الطوابع ، أخرجت ساندويتش الطحنية و صرت أمضغه بملل ، تذكرت مجيئك للغداء عندنا ، أرجعت الخبز للكيس و رميته بالسلة ، ستغضب أمي إن علمت أنني لم أفطر ، سمعت طرقاً على الباب و ركضت لفتح الباب ، لم تكوني أنتِ ، في الصالة جلست أنتظرك و فتحت سحابة الحقيبة و أغلقتها عدة مرات و أحسست بالملل .
ارتديت قميصي المفضل ، الذي أرتديه عند الخروج ، و جلست أمام التلفاز أشاهد بوكيمون ، سمعت صفارة بائع الترمس ، فتحت الباب و عند العتبة انتظرت ، كان الظل قد انتشر في الشارع و من البعيد صوت الراديو يذيع عالم الرياضة .
تناولت وجبة الغداء ، عاقبوني بإحضار الرغيف و الماء ، سألت والدتي متى ستأتون ، سمعت طرقًا على الباب ، قمت بسرعة دون أن أغسل يدي و حينما فتحت كانوا يحملون كرة البلاستيك المحشوة داخل ( الكفر ) يريدون إبرة المنفاخ ، شتمتهم أولاد الحرام ظننتهم في البدء أنتِ ، عرضوا علي القدوم لمباراة مع أولاد الإشلاك ، رفضت و نعتوني هههه تعلمين أنني أنتظرك ، خرجت معهم للدكان و إشتريت لك لبان بولا ، بطابعته الرائعة و حشرتها بجيبي و أنا قادم سرقت برازيل من شجرة جيراننا ، لو أخبروا والدي سيجلدني بالحزام متهماً إياي بتعلم السرقة ، تصوري القرد الصغير بجيبين منفوخين بثمار البرازيل .
عدت للبيت و جلست بالسرير الملاصق للباب مبتلعاً أنفاسي بعد الركض ، منتظراً طرقك للباب ، منتظراً حضوركِ ، تمنيتُ لو كانت نوافذ الصالون متجهة للخارج و سأراقب الطريق ، ذهبت للحمام مجدداً و غسلت يدي و قدمي ، سرحت شعري و مسحت من كريم الكوكشين الخاص بأخي الكبير و انتظرتك ، تحدثت مع المرآة كثيراً و رأيت كيف تبدو الندبة التي صنعتها أسفل عيني ، تذكرت ممازحتك لي عندما لعبنا عروس و عريسها ، بنت اللزينة صنعت بظفرك شرخاً عظيماً ، أذكر أنني بكيت من منظر الدم و ظللت تضحكين على الولد الجبان .
دارت المروحة ، مشى و جاء بائعوا الترمس ، انتهى الآخرون من مباراة الإشلاك مهزومين ، دق الباب مرتين – صديقات أختي يمازحنني بالولد الجميل ، أرسلوني للدكان ثلاثة مرات ، أش أمسك ببوكيمون جديد ، جاء أخي من الجامعة و وجد علبة كريم الشعر مفتوحة و عاقبني ، جاءت جارتنا و جلست في الحوش ، انتظرت طرقك للباب ، جلست على السرير مراقباً حركة الملاءة ، و انتهت صلاة المغرب ، هكذا تلون الشارع بقتامة و اكتسى المساء بملامح مظلمة ، و في المسافة أسفل الباب ظللت أراقب ضوء العربات في الشارع ، عاد جارنا و أوقف عربته ، خرجت و انتظرتك ، ثم دخلت لشرب شاي المغرب كان حاراً بشكل لا يطاق ، بردته في كوب أخر ثم أفرغته في بطني ، و انتظرتك . انقطع التيار الكهربائي
فتحت الباب و ظللت أراقب السيارات القادمة من لفة دكان الحاج .
 رجعت للداخل حينما أرسلوني لإحضار الفول ، سرقت الطعمية الموضوعة بالطاولة ، بها سمسية و أغدقتها في الشطة المحلولة ، تعلمين أنها رائعة و عندما عدت انتظرتك ،  حزمت حقيبتي الدراسية فهذا اليوم قبل الأخير من عطلة الأسبوع ، أدخلت كل الكراسات في الحقيقة ليس لنا جدول دراسة يومي لذلك نحشوها بالكراسات- هي ثقيلة و طويلة و تعرفين أنني قصير هههه ، داهمني النوم حتى قبل أن أتبول في الحمام و انتظرتك ، نمت في الصالة و كنت أرتدي ملابسي الجميلة  ، بالقرب من الباب ، كانت المروحة مرهقة من هش الهواء و السقف متعب من تعلقها و الأبواب مغلقة تماماً للقادمين و التلفاز مغلق بحيث لا تتسرب عوالمه السحرية ، و تيارات الهواء تملأ الفراغ السديمي كما هي منذ الأزل ، و ثمة اتفاقيات تعقد بين يومين ، اتفاقيات تسليم و تسلم ، و انتظرتك و الأمر لا يتعلق بشيء سوى أنني انتظرتك و أنا لا أدري إن كان الانتظار له مترادفات ، و قد كنت خائفًا من أن يسقط مجيئك من أجندة الأيام التالية لذلك احتججت بشدة ، و بكيت بالليل ثم نهضت بعد ذلك و فتحت الستارة الخيالية و سمعت اليومين يوشوشان – ماذا لو كررنا له الانتظار بشكل راتب ؟

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان