الرئيسية / احدث التدوينات / الباب المثالي في هولندا،(فلسفة إدارة التنوع الثقافي)..

الباب المثالي في هولندا،(فلسفة إدارة التنوع الثقافي)..

received_1591776990860878

رؤية / هيثم الطيب

في لقاء مسائي مع  كارين بوفن سفيرة هولندا بالخرطوم يوم السادس من ديسمبر 2017م،كان أفصح ما بيننا،قولنا بأن المستقبل الحقيقي في إدارة تنوع الثقافي في بلادنا بشكل علمي ومؤسسي وحقيقي،يساهم في تشكيل صياغة رؤى موحدة نحو كل الثقافات السودانية التي تؤسس لفكرة السودانوية،ولسنوات كثيرة كنت أقول لنفسي،لماذا لم نقم منذ إستقلالنا بصياغة منهج تعليمية وتدريبية حول ذلك،في جامعتنا ومدارسنا،فهذا ما نحتاجه كوطن وكشعب سوداني،على الأقل ليكتشف بعضنا البعض ولنعرف قيمة تنوعنا وثرائنا بذلك..

 

هولندا،كدولة صنعتْ قوتها كلها بمعرفة حقيقة بأن هنالك تنوعاً فيها،ثم قامت بتشكيل رؤيتها كدولة بصياغة مفاهيمية تكوينية بأنها جميلة بذلك،وإدارة التنوع الثقافي علمٌ له أصوله ومنهجه ورؤيته في صناعة تكوين الدولة على أساس من التوافق والتعايش وإعطاء كل ثقافة فرصتها في التعبير عن نفسها،فذلك سيصيغ رؤية موحدة نحو وفاق وجداني وإجتماعي وسياسي وإقتصادي،وهذا ما يكون الدولة الراشدة والمجتمع المتعايش بعمق كامل،فهنا يتحقق تحالف مع تنوع،وتكون رؤية كل المجتمع أن كل الثراء في معرفتنا بكيف نضع هذا التنوع في فكرة قوة ثقافية وسياسية وإقتصادية وإجتماعية،ذلك يتم وفق رؤية دولة ومناهج ومجتمع،فلماذا لا تكون مرحلة الوطن القادمة تحقيق ثراء من تنوعنا وصياغة مفهوم سودانوية راسخة بذلك..

 

هولندا كدولة،متطورة في مفاهيمية إدارة التنوع بشكل عام،التوافق على كونها كذلك،كان أول الطريق الذي صنع الرؤى الوجدانية قبل السياسية،وهنا كان المجتمع هناك متوافقاً على تنوعٍ كخطوة أولى،ثم كانت الخطوة الثانية العمل على تشريعات تكون قيمتها في المجتمع جزءً من عقل المجتمع الذي يقوم على فهم داخلي بضرورة إدارة تنوعه بشكل توافقي،إذا ما يؤخذ من تجربة هولندا،كيفية صياغة مجتمعها على ذلك التوافق الثقافي الذي نحتاجه هنا كمجتمع أولاً،ثم بعد ذلك نقوم بصياغة تشريعات تكون هي المحركة للفعل الثقافي لبلادنا مما يلزم كل فاعل وفعالية ثقافية بالعمل على ضرورة صناعة رؤيتها وفق رؤية حاكمة بأن كل ثقافة سودانية بالضرورة هي مكون وطني،ومن ضمن أساسيات العمل الوطني الثقافي ككل،وملزمة كل حركة ثقافية التعبير عن نفسها وفق منظومة تحقق قوةً في تنوع وثراءً في تعدد،ويتفق على إعطاء كل ثقافة محلية حقها الكامل في تعبير عن تفاصيلها وحركتها داخل منظومة الإعلام الرسمي وتفعيل المجتمع لعرضها،ومن ثم تشكيل فرق عمل بحثية عن ثقافتنا ودراستها بكل ما فيها،ومن ثم عرضها كمباحث علمية تبين تنوعنا وتعددنا للعالم،وستكون منهج يُرى فيه قوة فعلنا التعددي الثقافي والذي سيؤدي لفعل منهجي تقوم عليه تفاصيل حياتنا سياسياً وثقافياً وإجتماعياً..

 

هولندا كتجربة في إدارة التنوع هي التجربة المثالية ،التي يمكن لبلادنا الإستفادة منها،ومن مناهجها كلها في ذلك،فتحقيقها لدولة راشدة في مفاهيمية رؤى وتشريعات وعمل متنوع يجعلنا نضيف قولاً بأن نجاحنا في إدارة تنوعنا يشكل طريقه منها،ومن ذلك خطوتنا لترسيخ ثقافة سلام حقيقية،فالسلام المستدام ثقافته تنطلق من هنا،من وعي بأهمية العمل الثقافي الجمعي في إطار تشكيل ثقافات متعددة هي الثقافة الكلية لبلادنا..

 

في هذه المرحلة ظني أن معالجة كل إخفاقاتنا الثقافية،وتراجعنا في معرفة كل ثقافات بلادنا كمواطنين وعدم معرفة كل مواطن بكل ثقافات بلاده هو إطار العمل الوطني،ومن هنا تخرج صناعة وطن حقيقي،يعرف أن تنوعه ثقافياً يشكل قيمة إنسانية عالمية،وأن كل ثقافة محلية سودانية هي ثقافة مختلفة تضيف للعالم معرفة ورؤية،وذلك بعمل وطني كامل يضع مفاهيمية المجتمع والدولة في فكرة واحدة وهي كيف نصنع سلاماً مستداماً من إدارة تنوعنا الثقافي..؟

 

طريق ذلك،قراءة التجربة الهولندية،خطوة خطوة ومن ترسيخ أنها تجربة ستكون هي الرائدة لنا في صياغة تشريعات وكيف يتم صياغة مفاهيم وجدانية تعمل على توافق نفسي ثقافي بين كل ثقافة وأخرى،وهذا ما نجحت فيه هولندا أولاً،فأصبح المجتمع نفسه محركاً وعاملاً على إدارة تنوعه بنفسه ولنفسه،وظهرت مفاهيمية وجدانية بين كل الشعب الهولندي بأننا بتنوعنا ذلك يمكن أن نقدم تجربة إنسانية حقيقية في صناعة وطن بثقافات متعددة..

 

ظني أيضاً أننا لم نعرف قراءة العالم حولنا كما يجب،فتقدم هولندا إقتصادياً وعلمياً وتكنولوجياً أبواب جميلة للقراءة لها،لكننا لم نصل لقراءة الباب المثالي فيها والذي نحتاجه في بلادنا،وهو باب إدارة تنوع ثقافي بعلمية وأكاديمية ومن بوجدانية متفقة على ذلك شعبياً،فمفتاح حلول إشكالياتنا كلها من هذا الباب فقط،فعبره يمكن تشكيل سلام مستدام وتوافق وجداني شعبي وفتح كل الفرص لكل مواطن ليعبر عن نفسه وثقافة منطقته ورؤيته حولها وتحقيق الثراء في التنوع كمفهوم ثقافي عالمي ينادي العالم كله للعمل به،هنا هولندا هي طريقنا لنكون جزءً من رؤية العالم لذلك وليعرف كل العالم ثقافاتنا السودانية الجامعة لعبارة وطن متنوع،فكل العالم يحتاج لقراءة تنوع ثقافي عربي إفريقي في وطن واحد ويشكل وطننا ذلك،ويحقق علامة عالمية مضيئة تضيف للإنسانية بعداً في تنوع ثقافي (عربي إفريقي)..

 

 كارين بوفن،سفيرة هولندا بالخرطوم،سفيرة تعمل برؤية الإنفتاح على المجتمع السوداني لإكتشافه كمجتمع وكمفاهيم وكعمق إنساني عربي إفريقي،حديثها حديث إيمانها بجمال المجتمع السوداني ثقافياً كتنوع وإجتماعياً كذلك،هي تعرف كرمكول في الولاية الشمالية،موطن جذور الأديب العالمي الراحل الطيب صالح،وتؤمن بقوة السودان ثقافياً،وتنطلق في نشاطها للإقتراب من المجتمع ككل،والتفاعل معه كفكرة راشدة لها كدبلوماسية تمثل بلادها خير تمثيل،معها عرفت كيف يمكن أن تكون الدبلوماسية المهنية وكيف يمكن أن تكون مشاركاً للآخر مجتمعياً ممثلاً لسفارة بلدك،وعمقها يتجلي في حديثها المثقف ورؤيتها الباذخة الجمال عن عالم ثقافي متكامل يمكن أن يكون من هنا من بلادنا،معها تكتشف إيجابية الفعل للآخر ورؤيتها في معرفته بشكل ثقافي ومعرفي..

 

تارا من السفارة أيضاً،وهي القادمة لبلادنا قبل أسابيع فقط،عرفت الطريق لجمالنا،فكانت في مروي مع آثارنا وتأريخنا،وكإشارة منها أن في بلادكم هناك المختلف ثقافياً،وهي إشارة لو عملنا بها لصنعنا ثراءً ثقافياً للعالم كله..

 

قناعتي أننا لو وضعنا هولندا كتجربة في إدارة التنوع الثقافي وقمنا بمحاولة إضافة رؤيتنا السودانية التفاعلية لصنعنا منهجاً وطنياً حقيقياً يشكل السودان وطن التنوع والجمال والإضافة للعالم..

عن هيثم الطيب الفقي

mm
صحافي وناقد سوداني متخصص في الفنون الأدائية...دبلوم عالي في الصحافة التنموية.. معهد البنك الدولي،واشنطن