البنت التي…

9

 

أن تكون بطل رواية…الأمر مؤلم أكثر مما يُعتقد.. سترتفع دعواتك راجية الكاتب بالكثير الغائب عن مخيلته شاسعة الرؤية محدودة المغزى.. برغبات تراودك.. تطوف بداخلك تزأر باحثة عن مسرب للهرب إلى السطور فلا تجد، تسير خطوات محددة سلفاً خطها القلم.. ولا خيار.. أكثر الأشياء إيجاعًا هي النهاية، كم أغبط أولئك الأوغاد أبطال الروايات المأساوية، الذين يموتون في أواخر الصفحات مانحين أنفاسهم للعدم، عوضًا عن البقاء في آخر السطر ثابتًا، لا تلوي على شيء، في حالتي أنا، كان لزامًا علي البقاء معانقًا حبيبتي في تلك النهاية السعيدة (افتراضًا)، وإلى ما لا نهاية.

والحبيبة…

فتاة نحيلة، خجولة، يكسو ملامحها جمال كلاسيكي ممل، تتحدث بصوت خفيض، ولا تئن لفعل الحب، ولا تتأوه عند القبل مانحة رئتي الأوكسجين، هي الصمت المهيب، والتكثيف المبجل عند النقاد، أجل، هو كذلك، أظن هذه الرواية مكتوبة كي تقتلع رضى النقاد عنوةً واقتدارًا، رواية بلا روح ولا مغزى إلا في مجملها، أما فيما يخص تفاصيلنا نحن، نحن شخوصها الأقزام الدقيقة التي تطوف صفحاتها كأرواح هائمة تبحث عن مصائر مختلفة، فلا طائل منها، كنا نبحث عن قفزات خلاقة تغير واقعنا المهين المضجر، لكن إيقاعها الرصين الرتيب حال دون ذلك، كنا نبحث عن أجنحة تنمو بظهورنا، نيران تخرج من أفواهنا، ثقب زمني يجعلنا نطوف أولها وآخرها عودًا على بدء، لكن قواعدها الجامدة أبت إلا أن تجعل خط سيرنا مستقيم السعي بلا مناورات تسمح بالاندلاق أملًا أولًا، ثم حبرًا على ورق..

والحبيبة بنت محسوبة الأنفاس والكلمات والشجن، بروح مهيضة كسيرة، وأحلام نافقة.. مهذبة، محتشمة، وجلة من كل شيء.. ومن لا شيء..

الرواية المجاورة…

ما يزيد الأمر ألمًا على ألم، أن الروايات عوالم شفافة الأغلفة والأوراق، وأنا في خضم ذلك الحضن المرهق اللانهائي أستطيع بوضوح أن أرى ما حدث قبلاً وما يحدث الآن في الرواية المجاورة على رف المكتبة، هناك حيث البنت التي أشتهي حقًا، البنت التي كسرت كل قواعد النحو والصرف والإملاء في سبيل الحصول على نهاية استثنائية، أظن أن كاتبها كان من الرحمة بمكان كي يستمع إلى دعواتها المبتهلة له بأن يجعلها فريدة لا مثيل لها، بقدميها الحافيتين القاسيتين من أثر المشي على أحجار قريتها الصلبة.. وعينين نهمتين تبحثان عن الحقيقة، والنهاية لديها حائرة بما يشبه الحب ذاته.

الأمر أنها قررت أن تكون (نبيّة)..

 سألت يومًا ما صاحبتيها في الدير: لم كل الأنبياء رجال؟

قلن:

لا نعلم.. ولكن شرف لنا أن صرنا قديسات المعرفة والعفة..

قالت:

المعرفة والعفة؟ يا صاحبتي السجن، هذان نقيضان لا يجمع بينها شيء.

ثم أعلنت صباحًا أن رسالة الرب قد نزلت عليها تلك الليلة، وأنها نبيّة مرسلة من السماء..

وككل أنبياء الحقيقة..

قيل عنها كاذبة.. ربما..

قيل عنها مجنونة.. ربما..

قيل عنها واهمة.. ربما..

قيل عنها ساحرة.. بلا شك..

و آيتها أنها كلما ابتسمت.. خرت ظلال الأشجار ساجدة صوب الأعلى.. فللظلال فهم مختلف لقانون (الجاذبية).

كان اسمها صعب النطق على لساني المعقود من أثر العناق الممتد..

جيرالدا.. جيرادين.. جيرون.. لا أذكر.. أذكر فقط أنني سميتها في البدء (البنت التي كسرت قيود روايتها وانتشت بالأفق).. كان اسمًا طويلاً رتيبًا لا يليق بعاشق مثلي تحرك أفكاره وخواطره أحلام الهروب عنوة من فك الرتابة.. فأسميتها فقط (البنت التي… ) اسم مبتور كأطراف عباءتها.. حائر كعينيها..

لم يطربني أنها نادت بالمساواة بين كل خلائق الإله على الأرض.. الإله الذي تخدم سرًا وعلانية.. لم يطربني أنها أباحت للنساء تعدد الأزواج أولًا.. ثم الحب عمومًا بلا قيود تذكر أخيرًا.. لم يطربني تنغيم كلمات كتابها المقدس وهي تحكي عمن سبقنها من (نبيات) قدسيات لا توجدن إلا في علمها اللدني الخاص.. أطربتني فقط حيرتها البائنة بين كلماتها.. شكها الذي بدأ يخالطه الإيمان رويدًا رويدًا كلما زاد أعداؤها.. ومن ثم مناصروها عددًا.. أطربني أكثر ما أطربني في روايتها المبهرة نهايتها تلك.. حينما مُدّ جسدها العاري المكتنز دهنًا و دهشةً على صليب خشبي.. قيدت عليه بنياطٍ معدنية تذرف الدمع والعرق وتنطق الكلمات طلاسم لا يفهمها حتى أقرب أتباعها المختبئين بين الحشود يراقبون آلامها تخرج صراخًا.. وجزعًا.. آخر حلول حاكم مدينتها كانت أن أوقدوا أسفل ذلك الصليب نارًا.. تلتهم جسدها الآثم.. فكان..

أوقدوا عليها.. وساد الصمت والجموع تنتظر رائحة الشواء.. لم يكن يسمع سوى صوت فرقعات النار تأكل الأخشاب الجافة.. وترتفع مغطية جسدها عن الأعين.. ظل الجمع صامتًا يترقب حتى انحسرت ألسنة اللهب عنها.. عن جسدها كما هو.. مازال عاريًا منتصبًا على ذات الأخشاب التي رفضت حتى أن تحترق وتترك جسدها يهوي على الأرض.. اتسعت عيونهم دهشة لدقائق.. طالت أم قصرت.. لا يهم.. المهم أنهم انفضوا من حولها تباعًا.. أتباعًا مؤيدين وأعداءً كارهين.. انفضوا من حولها دون هتاف أو إحباط أو إعلان تأييد أو رفض.. انفضوا حيرة وتساؤلاً وتركوها لحيرتها الأكبر وهي تنظر إلى الأعلى.. صوب الإله.. وتتمتم: أيها الرب.. أعني.. لا أحد سواي يدرك يقينًا أنني كاذبة.. لكن.. وأرجوك أن تجبني أيها الرب بصوتك.. هل صنعت من كذبتي بقدرتك.. حقيقة ؟

أعني.. أي نهاية أجمل من تلك لوجدان بطل رواية ؟؟ شك متجدد يداخلك.. يؤجج تنهداتك.. يحرك روحك كمياه نهر جارية عاصية على الركود..

وجدتني أنا أيضًا أنادي ربها الذي لا أعلم.. ولن أعلم.. أدعوه أن يخلصني من براثن عناقي الأبدي السقيم.. ثم يرسلني تحت حطام حريقها المستعر.. أحل وثاقها المقدس.. أنزلها من صليبها الآية.. أعانقها فتذوب روحها المتمنعة حتى على سعير اللهب.. أقبلها حتى تسيل كلمات كتابها المقدس من لسانها وشفتيها مخالطة رؤاي.. وإيماني.. أمتص مزيج شكها وإيمانها فأمتلئ حيرة لذيذة تخلصني من شرك القدر المحتوم الجامد.

لم تظهر الجميلات دومًا.. الجميلات حقًا.. بعد انتهاء الرواية؟

وفي خضم دعواتي المتبتلة الصامتة وأخيلتي الممتعة.. رأيت الكون يهتز من حولي.. دون إنذار.. من العدم وجدتني غارقًا بلا موج.. والحبيبة المزعومة.. والكلمات والأسطر تتراقص وترتج.. الأضواء تهتز وتختلج اقترابًا وابتعادًا.. وقبضة العناق تشتد.. وترتخي كيفما شاء التمايُد.. تساءلت من جديد: هل يا ترى استجاب رب (البنت التي…) لدعواتي؟ ربها الرحيم العطوف ذو الحيرة.. هل كتب فصلًا جديدًا يرفعني فيه إلى مصاف صليبها وجسدها وحيرتها؟ هل اقتربت أخيلتي التي لا تنتهي من التحقق؟

تحركت حدقتاي في محجريهما تبحثان عنها.. علها كانت تناظرني هي أيضًا من على البعد تبحث عن مسرب يمكنها من لمس أناملي.. ربما كانت تبحث عني بطلًا مخلصًا ينقذها من الامتداد مصلوبة إلى ما لا نهاية..  ولكنني لم أجدها.. في الواقع.. وجدت بدلًا عنها في حيز بصري عشرات العشرات من أبطال الروايات.. من الدوارق الكيميائية والعمليات الرياضية… من وصفات الطبخ وعارضات الأزياء يتراقصون صورًا تمر أمام ناظري مر السحاب.. كنت هائمًا في فضاء المكتبة بكاملها.. سابحًا ومعانقتي في الفراغ.. يترنح كوني جيئةً وذهابًا.. متجهًا صوب… صوب… آه.. أجل.. صوب طاولة الشراء.. الآن فهمت.. ليس في الأمر دعوة مستجابة يا قلبي الماجن.. إحداهن قررت خوض مغامرة جديدة مع كتاب جديد.. وضعتنا بكامل كوننا ضمن حيز توقعاتها لما يمكن أن تفعله هذه الليلة لتزجية أوقات الفراغ.. قبل أن تلتقط أقدارنا ومصائرنا بأطراف أناملها.. تعرضنا أمام موظف البيع.. وهي تخرج حافظة نقودها.. وتدفع إليه بالثمن تطالع الغلاف.. تقرأ العنوان بصوت خفيض.. ثم تبتسم..

لا بأس.. على الأقل مع كل قارئ جديد.. تبدأ قصتي من البداية.. أتحرر ولو لساعات معدودة من قبضة العناق الميت.. قبل أن يغلق القارئ عيناه عن كلماتنا المرسومة رغمًا عنا.. لنغوص في ظلام الرتابة من جديد.

عن السموءل شمس الدين

mm
فتاة المخمل .. زفت إلي في ليل بلا ضجيج.. تزهو على قريناتها بيدين خاليتين من النقوش.. وجبين بالغ السمرة.. تيممت كفيها بلا استخارة.. وتقدمتها للصلاة بوضوء منقوض . كاتب من السودان