التدوينة الأخيرة

يوسف

يوسف أزروال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

الزمان، لا ندري في أي سنة نحن ، لا أحد يعلم و لم يعد أحد يهتم ، لا أحد يتقن الأرقام أو الحساب غير قلة قليلة كنت محظوظاً لأكون واحداً منها. لكن من أجل التدقيق فنحن نعيش في سنة 852 وفق التقويم الجديد.

المكان، المنطقة المنبوذة من العالم، دولة الجدار المستقلة عن التحالف. نعم، بكل بساطة، لم يعصروا أدمغتهم كثيرا لإيجاد اسم مميز غير الشيء الوحيد الذي نكرهه و نحتمي به، الجدار.

الحدث، تدوينة قبل الموت، بعد تفكير عميق وجدت أن ليس لحياتي قيمة و قررت وضع حدٍ لها لكن قبل ذلك، أود أن أترك للعالم شيء يتذكرني به، آو ربما، شيء ما يفسر قراري أو يواسي من سيحزن لأجلي.

من أين أبدأ؟

فلنبدأ من الجدار، دولتي، و سميت بذلك الاسم لأنها تكونت بحذاء الجدار، و كما تعلمون، أو ربما لا تعلمون، فالجدار هو جزء من سور ممتد يحيط بالمنطقة المنبوذة من العالم، و إن سألتني لم هي منبوذة، سأقول لك أنها كذلك منذ زمن و حسب الأخبار الشحيحة المتوافرة لدينا فلقد رمي في هذه المنطقة كل البشر الفاسدين و الذين لم يتكيفوا مع نظام العالم الجديد، ما هو نظام العالم الجديد؟ ما معنى أن يكون البشري فاسداً ؟ أنا حقاً لا أدري، لم أجد إجابة طيلة 37 سنة عشتها هنا ، لا شيء على الإطلاق..

خارج السور العظيم المحيط بالمنطقة المنبوذة يوجد العالم الجديد أو الحضارة، يقال أن البشر هناك مختلفين، أذكياء و مرفهين إلى أقصى حدود الخيال، كم أرغب في أن أعيش هناك.. بينما أكتب لكم هذه التدوينة الطويلة، يمر “هان” ككل ليلة، شبه مخمور، ينشد ذلك اللحن المعتاد بصفارته، لحن يغرز أنياب الكآبة في نفسي، و يدفعني للإسراع نحو الموت، لكن قبل ذلك، يجب أن  أنهي تدوينتي هذه.

أين كنا؟ نعم.. منطقتنا المنكوبة, تتكون من ثلاث دول, دولة التحالف في الوسط، دولة مانتاس في الشمال و دولتنا في الجنوب. دولة مانتاس، و تعني الناس الشرفاء بلغة أهل تلك الدولة، انقرضت حسب الأخبار القليلة الواردة لنا، و السبب غير معروف و لم يحتل التحالف مكانها، شيء ما بخصوص مكانها أباد كل البشر هنالك، كان يمكن أن نعلم كل شيء عن ما وقع لهم لو كانت دولة التحالف قائمة، انهارت دولتهم من الداخل و تغير الناس هناك و أصبحوا غريبي الأطوار، البعض يقول أنهم ارتدوا لحالة الإنسان الأول، بالكاد يسترون عورتهم، قذرون بشعر طويل و عيون جاحظة كالضباع.. هذا ما وصلنا منذ 100 عام، من طرف الرحالة ابن أنيس، صاحب الكتب القيمة وهي كل ما تبقى لنا من علم بعد أن اندثر كل شيء.

نعيش أزمة تدوين منذ 100 سنة أو يزيد، الكتب شحت و صناعة الورق اندثرت منذ زمن بعيد و الألواح الإلكترونية تعد على رؤوس الأصابع، و قد حفظ بداخلها كتب دينية عديدة لجماعات متعددة تعيش بيننا و ما تبقى تحمل كتب ابن أنيس و سيرة “ألفونسو يان ستيفانوس”. بالكاد نعيش حالة الحضارة الأولى، بعد الأخبار التي وردت في كتاب ابن أنيس، خرافات الماضي و الحاضر، تقول بان الإتحاد كان يعيش حالة الحضارة الوسطى و كنا سننعم بنفس مستواهم لولا استقلالنا قبل 300 سنة، أو ما يقارب ذلك، و سبب الاستقلال غير معروف، لكنه جعلنا نتخلف عنهم ثم انهاروا لاحقاً بشكل عجيب إلى ما هم عليه الآن.

لكن كيف علمتم أن ما بعد الجدار توجد الحضارة؟

سؤال قد يتبادر إلى ذهن القارئ لهذه التدوينة، و الإجابة في الجدار نفسه، الجدار المحاذي لنا يضم بتقويس معين جزءاً من دولتنا، من الصعب شرح هذا دون رسمه، لكن سأحاول..

دولة الجدار عبارة عن مدينة، و ثلاثة قرى، المدينة ملاصقة للجدار، القرى الثلاثة بالترتيب من الجنوب إلى الشمال، راحا، نقطة، رمح، كل سكانها من العرب القدامى، أو هكذا يدعون، و لهم سطوة و جاه، القرية الأولى الأكبر، تسيطر على المزارع كلها، القرية الثانية، أصغر من الأولى تسيطر على القنوات المائية، القرية الثالثة، هي أشبه  بثكنة عسكرية، ترقب حدودنا مع الإتحاد و التي هي عبارة عن غابة كبيرة موحشة، حسب رواية ابن أنيس.

الجدار يحدنا من الجنوب و يضم أطراف المدينة الجنوبية و غالبا إن نظرت من الفضاء نحونا فستجده كتقويس بطن امرأة حامل، يحتضن التقويس جزءاً كبيراً من المدينة، لكن ما يجعلنا نؤمن بالحضارة خارج السور هو طفل الجدار.

طفل الجدار هو رسمة عجيبة و بديعة، متحركة ذات أبعاد حقيقية، تتفاعل مع ضوء الشمس، في أقصى الجدار، و قبل الفجر، تكون الرسمة عبارة عن الطفل نائماً في فراشه ، ثم يستيقظ في أول  الفجر ليبدأ بالركض ببطء نحو طرف الجدار الأخر، ببطء، بعد فترة من الركض ترتسم بقعة حمراء لامعة في أعلى الجدار، و هي تكون متناسبة مع تمام الساعة، و هكذا بعدد ساعات النهار، حتى يصل إلى طرف الجدار في أخر النهار و ينام. أحيانا يصل أقصاه في الصيف و في الشتاء أكاد أراه من شرفتي يرتمي في الهواء ليتشكل سرير ذو غطاء أزرق ثم يبدو نائماً و يتلاشى مع تلاشي ضوء النهار في صفحة السماء. النقط الحمراء تتلاشى هي الأخرى بعد هبوط الليل.

كاهن الكنيسة يكاد يجزم أن الملائكة قد رسمت لنا هذه الرسمة المتحركة على الجدار لتباركنا و تطمئننا بأننا تحت رعاية الإلهة، أو شيء من هذا القبيل..

ناموسة, صاحبة المنزل الذي أعيش فيه، تقول أن جدها الأول شاهد امرأة بشعر أزرق تحلق من طرف الجدار الغربي حيث ينام طفل الجدار، نحو السماء ثم جنوبا نحو الأراضي المتحضرة، و يقول أنها هي صاحبة تلك الرسمة. قليل هو الهمس الذي يدور حول هذا الموضوع، لكن ابن أنيس قد حسم الموضوع في كتاب الخرافات حيث يقول : أما رسم الجدار فهو جزء منه و قد وجد يوم وجد الجدار نفسه و ليس أمراً مستحدثاً ، فلا هو من صنيع الملائكة و لا صنيع سكان متسللين من أرض الحضارة.

يبقى طفل الجدار لغزاً ، أما اللغز الأكبر منه هو مصير متسلق الجدار، فكل من حاول أن يقف فوق السور، تحول إلى رماد في ثواني، و لم يحاول أحد تسلق الجدار منذ سنين طويلة ، لم يمتلك أحد تلك الشجاعة إلا شخص واحد.. “ألفونسو يان ستيفانوس”.

أذكره عندما كنت في التاسعة من عمري، يوم قرر تسلق الجدار، كان يشعر بالحماسة، يتكلم كمن يقبل على اكتشاف مهم، عيناه ممتلئتان بالأحلام و الأوهام..

بقبعته الواسعة التي يتلاعب بها النسيم كان يبدو كأبطال القصص الخيالية. تجمع الناس حوله يومها، البعض شجعه و البعض نصحه بالعدول عن فكرته والاهتمام بابنه و زوجته، أما الكهنة فلعنوه و كاد أحدهم يهاجمه بغتة، لكنه نجا، تسلق الجدار بحبال السواد، حبال غريبة سوداء، لا تنقطع حتى و إن أحرقتها، يومها كان اكتشافه العظيم، تفرع الجداران و المنطقة العازلة، في طرف الجدار يتفرع السور إلى ثلاثة جدران، واحدة تتبع الجدار الذي نراه و أخرى لا نعلم ماهيتها لم يشرح يومه من علوه الأمر فلقد هم بالمشي على الجدار الوسيط واختفى من يومها.

كنت انتظر عودته كل يوم، كل شهر، كل سنة حتى اقتلعني اليأس من أوهامي و جعلني أدرك لم منطقتنا منبوذة.

تدرك الدموع زاوية عيني الآن، لتلك الذكريات شجون، جراح القلب عميقة و مؤلمة.

هل أتوقف عن التدوين الآن، هل اكتفيت من كل ما قلته يا صديقي قارئ التدوينة؟

حان وقت الرحيل.

ربما نلتقي في حياة أخرى.

كاتب فاشل سابقا و مساعد رئيس الحساب حاليا.

سوي يان ستيفانوس.

******

جلس بجانب السرير ممسكا برسالة المنتحر، تبللها دموع الندم و الحسرة، كان الصمت، الصمت البشع، يملئ المكان و الزمان. لا شيء أسوأ من أن تعلم أنه كان بإمكانك أن تنقذ روحًا من منجل الموت، لكنك لم تستطع، و الأصعب أن تكون روح صغيرك و وحيدك. نهض بتثاقل، يرقب في المرآة القريبة صورته، شيخ قد رسم على وجهه تجاعيد كثيرة، كل  خط منها بحكاية، كان يتحرق شوقاً ليحكيها لبطله الصغير لكنه اليوم ممددٌ في الفراش كجثة تفوح برائحة الموت الذي هرب منه لسنوات طوال.

بضع شعيرات بيضاء هي التي تبقت على رأسه المستدير، كانت عيناه المحمرتين من شدة البكاء بالكاد تركز فيما حولها، ترنح غير مرة لكنه لم يسقط، كان يعلم أن ساعته لم تحن بعد، و أنه يجب أن يبلغ الناس بكل ما رأى، كل الحقائق التي كلفته كل شيء حتى أغلى ما لديه، سوي. في زاوية الغرفة كان قلم سوي لم يجف بعد ليستخدمه والده ألفونسو في تدوين كتابه الجديد الذي عنونه كالأتي..

“ما وراء الجدار… ثمن سوي”

عن يوسف أزروال

mm
كاتب ومترجم من المغرب

أضف تعليقاً