الرئيسية / العدد العاشر / التركمانية .. وصديقي سوربيز !

التركمانية .. وصديقي سوربيز !

نظام

نظام الدين :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك إضغط هنا :

لا مبالاتها تغيظني ..

أخبرتها مرارا أن تحافظ على المسافة بيننا ونحن نسير ..

مسافة تكفي لتضليل خيال (الشك) نفسه إن كان احد المارة المتسكعون على الأرصفة …

حقيقة

كانت (تخيفني)

 

فلا أريد أن أشارك صديقي (بُـــرعي) أو (سوربيز) كما أحب أن أناديه ،،

الذي لُـف عاريا بسجادة واخذ إلى (النقطة) ورغم إن خروجه السريع حير الجميع إلا انه طُرد من الحي يوم الجمعة .

منفاه .

 

أدلف إلى البيت

انتظرها على الركيزة ،،

تدخل .. ادفع الباب وأثور فيها ..

تتجاوزني للداخل غير آبهة .. مغمغمة : (أنت خواف ساي !!) ..

أبتسم لحقيقتها وألحق بها ………….

 

لازلت أذكر يوم أتت ،،،

كُنا : أنا وسوربيز وسيجارة ..

 

كان فاسقا عربيدا يكرهه الجميع ، سواي ..

كُنا نختلف في كل شئ ..

إلا في العطالة والجلوس طيلة النهار على (العمود) الهرِم المستلقي الذي أصبح يشبه (الظل) بعد أن دهنه إمام المسجد بالزيت الراجع ، فصارت رائحته إدمانا لنا وزدنا ساعات جلوسنا عليه ..

 

أتت إلينا وهي (رثة) الثوب (مُخمخمة) .. (مُتبلمة) .. تظهر عيناها الواسعتين وأنفها الملون .. رجلاها (مُغبرة) و(عارية) إلا من (شبشب) بسيور صغيرة ..

لم نجتهد كثيرا لنعرف إنها إحدى (التركمانيات) أخطأت الظن في تسولها إلينا :

 

يا أخواني أنا أختكم ومقطوعة ، دارية حق الفطور –

 

كنت أعتقد أنها (حـدثاً) عابرا …

نرفع أيدينا (كما الدعاء) لبرهة ,,, وتنصرف ..

 

لكن سوربيز أرادها مخرجا بعد نفوق حجته في (نقاشنا) ..

 

كان يدافع عن مقولته (النساء أكثر جاذبية) .. وكنت أحيطه بأسوار الرجولة ،، كنت أقول أن مئة منهن لا يساوين رجلا واحدا ،، كان يقولها ويطبقها .. كثيرا ما فضل علينا (أخرياته) .. ننتظره ولا يأتي .. يتركنا ويذهب إليهن .. يغضبنا لإرضائهن .. وكنت أقول أني لن افعل ذلك وان كانت بين يدي (أخت يوسف) …

 

أراد سوربيز من سؤالها مخرجا له ،،،

 

ولكن لدهشتي لم تمر لحظات حتى كنا نصطحبها إلى منزل سوربيز وأنا يملأني التعجب ،، فقد كنت أنتظر منها سيلا من الشتائم والألفاظ النابية ،،،، وبعض الحجارة كما تفعلن (التركمانيات) دوما ..

 

لم يكن صديقي سوربيز قد تغير منذ قدومه على لواري (عشقيب) ،،

فملامح فتية الحطب لم تمحي من وجهه ،،

عيناه الترابيتين وخشونته البائنة ووجهه المنقر لم تمنحه كثير وسامة ، ولكن لسانه الطلق المحير كان كفيلاً بإقناع امرأة العزيز واقتيادها للسجن طوعا ، فلم أظنه اجتهد كثيرا لإقناع التركمانية بالذهاب معنا ..

 

لحظات في الطريق .. كانوا يتحدثون وأنا أرمقهم .. انفصل عنا سوربيز وتابعنا أنا والحكي .. (ماذا قال برعي لها عني ؟)

 

ابتسم لحقيقتها والحق بها ..

حضورها هذه المرة كان مختلفا قليلا ،،

هي من طلبت مني أن نلتقي ، وكعادتي التفت على الباب وأغلقه (جيدا) ،، تعاجلني :

– ما قلت ليك اتا خواف ؟؟

أرد لا مبالياً

– آي خواف ..

 فتتبسم في بلاهة

 

تعللت لها أكثر من مرة وأخبرتها ،، هي لا تعي ما أقول حقا ،، فطبيعتها لم تعودها على ذلك .. حياتها التي حكت لي بجميع تفاصيلها إ فتقدت كل شيء .. لم أكن لألومها على لامبالاتها ومن أي شيء ..

فمن رأت والداها ساعات (معاشرة) وهي دون الثامنة لم انتظر منها أن تستحي ،، وقصة زفافها وليلة دخلتها على صبي الخردة الذي أصبح بين ليلة وضحاها (رجلا) .

 

مثل غيرها من (التركمانيات) ما أن تصل إحداهن العاشرة حتى تزوج لأقرب الصبية (بلوغا) ، فالمرأة الولود هي الأكثر فائدة ، فما تجنيه وهي (حامل) على الطرقات أو في أسبوعها الأول بعد (الولادة) من نساء الحي ، لا يجنيه المولود بعد تعلمه المشي (تسولاً) في شهر ..

بعلها كرجال التركمان يجمعون (الخُرد) من النحاس والحديد والألمونيوم ، ويحيلونها إلا أشياء تباع وتشترى في ورشهم التي يقبعون فيها طيلة النهار ثم يعودون إلى المنزل في انتظار ما جمعته (الذرية) ذاتية الطاعة ..

تقف الزوجة والبنات والطفل في صف وتضع في (صندوق) كل ما حازت عليه من أموال في يوم عمل مضني . يأخذها هو ليعطيها في الصباح ما يوصلها إلى موقع عملها ..

 

لم يكن باستطاعة (التركمانية) أن تشتري شيئاً لنفسها من تلك الأموال ، أو حتى ادخار جزء منها ليوم (اسود) ، فاليوم (الأسود) عندهن هو يوم أن تخبئ قرشا واحدا أو تبخل عليها الأيادي ولا تحصل على شيء ويأبى الجميع مساعدتها . يومها سيكون العقاب قاسياً ، تعتبر له جميع (الإناث) في خلية التركمان ،، فهي تكوى بالنار في (مؤاخذاتها) .. أمام الجميع ..

لم يكن مشهد إحداهن (عارية) غريبا ، فالبيت ضيق والبشر كُثُر ، ما جعل (معاشرة)الرجل لزوجته في العراء أمام الناس شيئا ليس بالغريب . وهذا ما جعل الأطفال يتابعون (تفاصيل) ليلة دخلة (ضيفتي) هذه عبر مسامات الحصير في تلك العشة ..

 

أغلق الباب ، ارفع ثوبها من الأرض وأرميه في وجهها وأستلقي قربها اخبرها أني لست جبانا ومنظر سوربيز يومها كان مخجلا فلو انه أغلق الباب لما لفه (العساكر) بسجادة على ملا من الناس وهم يهمهموا (فاسق) (فاجر) كان مكروها ليس لأنه كذلك لكن لأنه الوحيد الذي يجاهر بما يفعل ، كانوا في الخفاء (مثله) ولكنهم هللوا وكبروا عاليا بعد أن قرر الإمام في صلاة الجمعة طرده من الحي .

 

آخ لو كان هنا لما وجدت صعوبة في الخروج من هنا الآن ..

أمد رأسي ، أترقب الطريق : اخرجي فالطريق خال .

 

اخرج خلفها ..

 

(تبا)

تنتظرني عند بداية الطريق ، سب فعلتها ، أقترب منها كأني لا اعرفها :

– اذهبي ؟

 ترد في هدوء :

– أنا حامل !!

أنتفض كالمصعوق ، تدور مبتسمة وملوحة بيدها في حركة وداع مهمهمة :

إن أتى يشبهك دخل (المدرسة) وإن شبه أباه فما ظلم (سيجمع النحاس) –

تمضي ..

وأمضي …

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً