الرئيسية / احدث التدوينات / التقمُّصْ وعلاقته بالأدب

التقمُّصْ وعلاقته بالأدب

عبير

“الأدب يمتصُّ القارىء ويسحبه ليُسْكِنه في روح شخص آخر”

الروائية الأمريكية باربرا كينجسولفرBarbra Kingslover

      يُقال أن الرواية تجمع بين أدب التعبير، وأدب التفسير. الأول هو ما يمنح القارىء متعة القراءة، ويُحدِث لذّة في النفس أو الشعور أو الوجدان، أما الثاني فيكشف عن رؤية الأديب للواقع الذي يعيش فيه. يصف توفيق الحكيم النوع الأول بأنه يمثِّل اللؤلؤة جميلة في ذاتها، ولا يتخطّى جمالها ذاتها، أما الثاني فهو كالماسة، تتخطى جمالها، وتصدر إشعاعات على المكان، أي تتخطى ذاتها إلى الآخرين.

      إذا ما كان الأدب هو ما يُسْكِن القارىء روح شخص آخر، فكيف به الأديب نفسه؟ كيف يخلق الأديب شخصيات رواياته؟ كيف يخلق جوّ العمل! الأمكنة والأزمنة والأحداث؟ أعتقد أنه كي يستطيع الأديب إسكان القارىء محلّ شخصية أخرى فعليه بالضرورة أن يتقمص هو نفسه تلك الشخصية، يخلق عالمها مكانياً/ زمانياً، يمنحها فضاءات رحبة لتحلّق باتساعها وتحيا.

      طالما شغلتني قدرة الكاتب على خلِق شخصيات وأبطال على الورق، يسكب فيها من روحه حياة، يمنحها القدرة عليها، ويتركها تعبِّر عن نفسها من خلال العمل، وربما تختار لنفسها النهاية المناسبة التي تتفق مع البداية التي صنعها الكاتب.

      وهذا ما قادني إلى البحث عن كيفية توظيف الأديب التقمُّصْ في معايشة شخصيات أعماله من خلال تحليل

      – نموذج الكاتبة والشاعرة الإنجليزية إيميلي برونتي في روايتها الوحيدة “مرتفعات وذرينج”

     – نموذج الكاتب والناقد السوداني هشام آدم في ثلاث من أعماله الروائية  “أرتكاتا – السيدة الأولى – بتروفوبيا”

بادئة

     ماذا يعني التقمُّصْ كلفظة في المعجم، أو في القاموس؟

     تقمُّصْ يتقمَّص، تقمُّصاً، فهو مُتقمِّص، والمفعول مُتقمَّص (للمتعدِّي)

     * تقمُّصْ الشَّخصُ: لبس القميصَ، أو تَسَرّبل به.

     * تقمُّصْ الممثِّلُ الشَّخصيَّةَ: أحسن فهمَ الشخصيَّة التي يمثِّلها وأدَّاها أداء حسناً.

     * تقمُّصْ روحَ فلان: انتقلت من جسده إلى جسد آخر، تقمُّصْ شخصيَّة فلان: تشبَّه بها.

     أما في اللغتين الإنجليزية Personal reincarnation والفرنسية Réincarnation personnelle

     وتجدر بي الإشارة إلى أن مصطلح  Reincarnation يعني تناسخ الأرواح في بعض الثقافات أو تجسدّها في جسد آخر.

تعريف التقمُّصْ في علم النفس:

    مصطلح التقمُّصْ یخضع إلى الكثیر من المقاربات بما يجب معه توضیح معناه من منطلق دلالته في علم النفس وحدود استخداماته في مجال التحلیل النفسي، وأحسن تعریف یمكن تقدیمه هو ذلك الذي وضعه كل من لابلانش Laplanche ، ج. ب. بونتالیس C. B. Pontalis في معجم مصطلحات التحلیل النفسي، فعرفّا التقمُّصْ على أنه: آلیة نفسیة بواسطتها یقوم الشخص بتماهي جانب أو خاصیة أو صفات من الآخر، لیحدث نوع من التحول الكلي أو الجزئي على مستوى نموذجه الشخصي. والشخصیة بالتالي تتكون وتتمایز بفضل سلسلة من التقمصات.

     أو كما النص الأصلي بالفرنسية:L’identification est un processus psychologique par lequel le sujet assimile un aspect, une propriété, un attribut de l’autre et se transforme totalement ou partiellement, sur le modèle de celui-ci. La personnalité se constitue et se différencie par une série d’identifications.

     الترجمة الإنجليزية:Identification is a psychological process by which the subject assimilates an aspect, a property, an attribute of the other and transforms totally or partially, on the model of this one. Personality is constituted and differentiated by a series of identifications

     وبحسب سيجموند فروید Sigmund Freud هي العملیة التي بفضلها تتشكل شخصیة الفرد وتتكون. ویؤكد فروید على أن التقمُّصْ قد یدلّ على خاصیّة في الشخصیة، من منطلق إمكانیة توفر مجموعة متعددة من التقمصات في الشخصیة الواحدة.

     والتقمُّصْ یحدث بواسطة تأثّر الأنا بـ أنا آخر خاص فیحدث نوع من الانتقال للصفات والممیزات الشخصیة من فرد إلى آخر، كنوع من التقلید لكن بصفة أقوى من التقلید بحیث یدوم ویرسخ في الشخصیة وبه یتبنّى الفرد توجهات وممیزات شخصیة جدیدة.

     وبذلك یكون التقمُّصْ من جهة وسیلة بناء شخصیة ومن جهة أخرى تكملة لبناء سابق في حالة ما إذا حدث إنتقال جزئي أو تقمُّصْ نسبي من فرد لآخر.

     وحسب علم النفس هناك ثلاث أنواع من التقمُّصْ: الوجداني، العاطفي، الإسقاطي

* التقمُّصْ الوجداني Emotional contraction:

     أو كما أسماه تيوردور ليبس Feeling Into، وهو جزء لا يتجزأ من الاتصال، لأنه يربط بين ذهن المُرسِل وذهن المُتلقّي، ويعني المقدرة على فهم الحالة الذهنية لشخص آخر، كأن تقول لشخص آخر: (أنني أفهم مشاعرك)، يكتسب الفرد المقدرة على التقمُّصْ الوجداني بالتحرك المادي من مكان إلى آخر أو عن طريق التعرضّ لوسائل الإعلام، التي تُحِّلْ التحرك السيكولوجي محلّ التحرك المادي أو الجغرافي، وقيمة التقمُّصْ الوجداني للاتصال يمكن تلخيصها في أنه لكي نتصل يجب أن يتوافر لنا ثلاثة عناصر:

  • وسائل مادية للاتصال

  • رجع صدى

  • مقدرة على التقمُّصْ الوجداني

     والمقدرة على التقمُّصْ الوجداني، تعني عمل استنتاجات عن الآخرين، وتغيير تلك الاستنتاجات لتتفق مع الظروف الجديدة، هذه المقدرة معروفة منذ ألفي عام، فقد أشار إليها كُلّ من أفلاطون Plato، سان أوجستين Saint Augustine، سان الاكويني Saint Thomas Aquinas ، سبينوزا Spinoza في مؤلفاتهم، وقد اعتبرها آدم سميث Adam Smith ، هربرت سبنسرHerbert Spencer عملية انعاكس بدائي، وناقش الباحثون مثل ليبس Lipps، ريبوت Ribot، شيللر Scheler التقمُّصْ الوجداني في تحليلهم للعطف.

* التقمُّصْ العاطفي  Empathy:

      يمكن تعريف التقمُّصْ العاطفى بأنه فهم المرء لحالة, مشاعر, ودوافع شخص آخر. وقد وُصِفَ أيضاً بأنه قدرة المرء على وضع نفسه مكان الشخص الآخر؛ إذ يستلزم التقمُّصْ العاطفي أولاً أن ندرك ظروف الشخص الآخر، وثانياً أن نشاطره المشاعر التي أثارتها فيه هذه الظروف ليشمل التقمُّصْ العاطفي أن نشعر بألم الشخص الآخر كما لو كان بقلبنا.

     يتحلّى معظم الناس بمقدار من التقمُّصْ العاطفي الفطري حيث نتعاطف مع الذين تختلف ظروفهم عن ظروفنا ونشاطرهم مشاعرهم، وننمي التقمُّصْ العاطفي بثلاث طرق تجعل احساسنا مرهفاً تجاه حاجات الاخرين ومشاعرهم هي: الاصغاء، الملاحظة، استعمال الخيال.

     ووفقاً للتقمص العاطفي هناك قدر من المخاطرة؛  فهو يتطلب قدراً كبيراً من الأمن الداخلي حتى تتمكن من تجربة الاستغراق في الإنصات لأنك تفتح نفسك للتأثيرات؛ ومن ثم تكون عُرضَة للضرر، ليبدو الأمر كمفارقة؛ كي تكون مؤثرًاً ينبغي أن تتأثر! وهذا يعنى أن عليك أن تفهم. والمرأة لديها القدرة على التقمُّصْ العاطفي والوجداني أكثر من الرجل في أغلب الحالات، وليس جميعها.

* التقمُّصْ الإسقاطي Dystophy:

     وهو مصطلح وضعته عالمة نفس الأطفال ميلاني كلاين Melanie Klein للدلالة عن أوليّة تتلخص في “هوامات” يقوم الشخص فيها بإسقاط شخصيته بصفة جزئيّة أو كليّة داخل الموضوع بُغية التحكم وربما إلحاق الضرر، والهدف من التقمُّصْ الإسقاطي هو إلصاق الصفات الذاتية بآخر أو تشبيهها به بشكل إجمالي أو كلي.

     نستطيع إعتباره ميكانيزم أساسي في البناء الشخصي، يخص المرحلة الفمية كأولى مراحل تطورّ الشخصية، أي أن يقوم الفرد بإسقاط شخصيته وذاته داخل الموضوع بهدف الإمتلاك، والتحكّم والتدمير.

التقمُّصْ وفن التمثيل:

      من الضروري والهام التعرّف على التقمُّصْ من خلال الفن، وفن التمثيل تحديداً لارتباطه أيضاً بالكتابة الإبداعية من ناحية والأدب كأحد فروعها، وكنوعٍ من الفنون يعتمد أداء الممثل المُقيّد بنصٍ مكتوب من ناحية أخرى.

     فالتمثيل نفسه هو فن تقمُّصْ الشخصية المطلوب تمثيلها بعد لبس جلدها والظهور في صفاتها بقدر المستطاع وتبعاً لما هو مرسوم من معالم الشخصية طبقاً للنص المكتوب. ولا يمكن فصل وسائل التعبير لدى الممثل عن نفسه، لأنهم يبدع بإستخدام جسده وصوته وميزاته النفسية والعقلية فإبداعاته لا تنفصل عن شخصيته ومن الصعب الفصل بينهما.

      وكما هو الحال في أي فن، فلا بد من توافر عناصر أساسية لدى الممثل، مثل المقدرة والدراسة والممارسة، وهناك عدة عوامل تتحكم في قدرة الممثل على استيعاب الشخصية التي (يتقمّصْ) يؤدي دورها؛ أو كما نقول: (يعيش في الدور ويتسلل تحت جلد الشخصية).

     هذه العوامل منها ثقافة الممثل، وإلمامه بأغلب المشاعر والأحاسيس الإنسانية، وامتلاكه قوة التخيّل التي تساعده في أداء دوره، والإحساس وقوة التركيز للأفكار وقوة التذكّر للحركة الجسمانية، وأن تكون له المقدرة على إيجاد العلاقات الذهنية ومنطقية الإحساس والقدرة على التحليل النفسي، والتعمق في كل لحظة من اللحظات تأدية الشخصية بملامحها وحركاتها وحواراتها وإيماءاتها ونظراتها، بحيث يتغيّر تغييراً كاملاً في الشكل الخارجي لهيئته، وأن يفهم كيفية التعبير عن الإحساسات أو الإنفعالات التي تتولد من تلقاء نفسها عن طريق الحدث أو المشهد الذي يؤديه فلا يحتاج إلى تصنعها والتكلّف بادائه.

     ومن أشهر مدارس التقمُّصْ المعروفة في فن التمثيل، مدرسة العبقري مارلون براندو، والتي ينتمي إليها ليوناردو دي كابريو، حسب تحليل النقاد لأدائه، فهو ينغمر تماماً بالشخصية التي يؤديها وكأنها تتلبسّه، ليكون هوارد هيوز في الطيّار، أو هيو جلاس في فيلم العائد أو جوردان بلفورت في ذئب وول ستريت أو جاي جاتسبي في فيلم جاتسبي العظيم.

التقمُّصْ والأدب:

      التقمُّصْ موهبة مهمة جداً عند الأديب، وأكثر أهميةً عند كاتب المسرح أو السيناريو، وأهميتها لا توصف عند الممثل، نعم! في النهاية يظلّ المحتوى الإنساني هو الأهم والأكثر تأثيراً، لكنه يصل بشكل أفضل كلما كان الإطار مقنعاً للقارئ. لأن العلاقة التفاعلية بين الراوي وشخصيات رواياته تشبه العلاقات القائمة في الحياة الحقيقية، حيث لا يستطيع إنسان أن يعرف ما يدور في عقل آخر من أفكار وتصورات إلا إذا باح هو بمكنون عقله الذي يحتويها. وفي السرد القصصي يتجه أغلب الروائيين وخاصة الناشئين، إلى اعتماد ضمير الغائب لسرد قصصهم، لأنه يحررهم من تقمُّصْ الشخصية طول الوقت، ويتيح لهم سردها من منظور مستقل محايد وغير متحيز.

     وبالعودة إلى مجال التحليل النفسي والسيكولوجي، تجاه عملية التقمُّصْ ومن خلال تعريفها الذي أشرت إليه في البداية؛ فإن تصوير الكاتب أو الكاتبة لشخصية بمثل جنسه أو جنسها يمكن أن يُعْتبر عملية (تقمُّصْ) وهي عملية يؤدي من خلالها الكاتب – لا شعورياً – دور البطل وكأنه هو بكل معنى الكلمة عندما يمر بمثل موقف البطل.

     أما أن يرسم كاتب ما، شخصية مخالفة لجنسه، فتبدو وكأنها عملية (إسقاط) لا شعورية أيضاً في جزء كبير منها؛ إذ يقوم الكاتب بإسقاط مشاعره الخاصة وأمنياته وما يريد أن يكون عليه الجنس الآخر دون أن يعي أنه يريد ذلك! ويوظِّف في ذلك المعرفة الناتجة عن التجربة أو التعليم الأكاديمي أو امتلاكه لأدوات الكتابة وقدرته في توظيف تلك الأدوات. وبهذا تُعدّ الكتابة تنفيساً لكل الصراعات المكبوتة في العقل الباطن للكاتب ليحرر عقله منها وبالتالي ينجو من احتمال اصابته بأي اضطراب نفسي قد ينتج من تلك الصراعات.

     على أن الكثير من الأدباء يستخدمون التخيّل كعملية عقلية شعورية في رسم شخصياتهم في القصة، ولا تخلو من تدخلات اللاشعور التي تتخلل ذلك التخيل، وعملية الإسقاط تحديداً كنوع من الوعظ غير المباشر، والتوجيه المستند على التفكير والتجربة! كما فعل الروائي الأمريكي إرنست هيمنجواي  في روايته (جريمة البيت المهجور)؛ حيث تخيّل كيف على المرأة أن تتصرف بحكمة عندما تكتشف أن زوجها يعرف امرأة أخرى غيرها، وجسّد ذلك الخيال من خلال شخصية البطلة التي استطاعت إعادة زوجها إليها.

     قال فلوبير عن رائعته مدام بوفاري: “أنا مدام بوفاري”؛ أي أنه وهو يتحدث عنها كأنه يتحدث عن نفسه.

     أما الروائي السكندري محمد جبريل فقال: ” أنا لست موجودًا خارج أعمالي، ما أكتبه يتضمن وجهاً من وجوه حياتي: قراءة، مشاهدة، تجربة. من الصعب أن أجد ذلك في كل ما كتبت، مع أني أجد نفسي في الكثير مما كتبت”.

     في أحد مقالاته تحدث الكاتب الدكتور أحمد خالد توفيق عن التقمُّصْ فقال:“هذه الموهبة يجب أن تكون متضخمةً لدى الأديب بشكل واضح، وأعتقد أن الأديب الحقَّ يُخفي تحت جمجمته فتاةً مهذبةً ومُقامراً مُحترفًاً وبلطجيّاً ورجلَ شرطة وجنديًاً وفتاةَ ليلٍ … إلخ. فقط هو يكشط السطح ليستحضر الشخصية التي يريدها في الوقت الذي يريد. وبالتأكيد تعظُم قيمة هذه الموهبة إذا كان صاحبها يكتب عملاً دراميّاً. لحظة الإبداع الحقيقية هي عندما تدبُّ الحياة في تلك الشخصيات وتتفاعل مع بعضها بطريقة قد تدهش الأديبَ نفسَه؛ كانت ضحكات الأديب الفرنسي الكبير الكسندر دوماس تدوِّي من غرفة مكتبه، فقالت الزوجة لضيوفها: إنه يكتب (الفرسان الثلاثة)، وهو يضحك بسبب دعابة ظريفة قالها أراميس لدارتانيان!

     تتفاوت هذه المهارة عند أدباء كثيرين بالطبع، ولكنها تتناسب طرديّاً مع وزن الأديب وحجمه. بعض القراء لم يصدِّق أنني لم أذهب لرومانيا قط، كما أنني كتبت الكثير جدًّا عن لندن قبل أن أرى إنجلترا.

     الفكرة هنا هي أن يمتلىء رأسك بأعمال أدبية من ذلك البلد، تستعين بخارطة جيدة أو بعض مذكرات مَن ذهبوا هناك، تستعين برواية فيها قدرٌ لا بأس به من أسماء الناس، تخلق الجوَّ بعدة لمسات.

     أعترف أن خلق جوٍّ ريفيٍّ أو صعيديٍّ مقنع يتعبني جدًّا. الجوُّ البدويُّ الصحروايُّ الساحر – جوُّ الطوارق – في قصص الأديب الليبي إبراهيم الكوني مثلاً، يستحيل أن تقدِّمه ما لم تكن هذه بيئتك أصلاً. هناك جزء شرقاويٌّ في أدب يوسف إدريس يستحيل تقليده، وكذلك الجو السوداني الخاص في عوالم الطيب صالح”.

     وعندما تحدث سعود السنعوسي عن روايته (ساق البامبو) قال: “إن جذور الرواية واقعية، حيث كان معنا شاب من والدة آسيوية يعاني من العزلة رغم أنه كويتي مثلنا، إذ كان هناك حاجزًا بينه وبين الآخرين بسبب شكله الآسيوي الفلبيني، كنا ننظر إليه باستغراب، ولا نسعى إلى الاندماج معه. قبل أن أفكر في الهويّة، وهي الفكرة التي اشتغلت عليها، كان بودي أن أرى الآخر وأتعرف عليه أكثر من زملائي الآخرين، إلى أن وصلت إلى أن الشخصية التي أنا بصددها نصفها فلبيني ونصفها الآخر كويتي. لم تكن لدي فكرة سلبية أثناء التحضير لفكرة الرواية ولم أطرح السؤال: هل أنا قادر على الكتابة عن الهويّة؟ لذلك وضعت نفسي مكان الآخر، حاولت التركيز على فكرة الصراع داخل الشخصية وصراعها مع البيئة المحيطة في آن واحد. وكان بطلي (هوزيه ميندوزا) الذي نصفه فلبيني ونصفه الآخر كويتي، وهو عنصر مرفوض في مجتمعنا، وصراعه يبعث على التأملّ، حيث يظلّ طوال الرواية باحثًاً عن هويته الضائعة لانتمائه إلى ثقافتين مختلفتين، بين أسئلة الهويّة التي تتشظى في الثقافتين.

     كانت الخطوة التالية، كيف يمكن تقمُّصْ هذه الشخصية، كيف يمكنني أن أرى بعيونها؟ زرت الفلبين، وبعد عودتي بدأت أرصد ما يدور في الشارع بعين الآخر، وتساءلت عن السلوك السلبيّ تجاه الآخر؟ لماذا هذه النظرة له؟

     إنها حالة من التقمُّصْ لا بد منها للكتابة عن صورتنا في الآخر؛ وهكذا، جعلت بيت البطل  بيتي، وبدأت بتأثيث البيت روائياً، أسكنته في المنطقة نفسها التي أسكنها، بالقرب من المعهد الديني الذي يبعد عن بيتي أقل من مائة متر، غرفتي أصبحت غرفة هوزيه، ولم أتوقف عن الكتابة إلى أن أنجزتها؛ كنت أتصور المعايشة التي تدفعني للكتابة كأنني أكتب سيرتي الذاتية، بحيث أصبحت قصته راسخة في ذهني إلى أن أصبح كائنا حيًّا من لحم ودم.

     لقد تقمّصت شخصية البطل بكل أبعادها وبكل ما لدى الآخر من مخزون ثقافي وإنساني وعاطفي، تابعت الأغاني والصحف والتلفزيونات الفلبينية وترجمت إلى العربية بعضاً من نماذج الإبداع الفلبينية عن الإنجليزية، عشت هذه الحالة على مدى أعوام حتى إنني كنت أنظر إليّ بعيني تلك الشخصية، نعم أوجعت القارىء، لكني لم أجد حلاً لهذا الذي يوجع، ولم أجد إجابة تفي عن سؤال من نحن؟ ومن الآخر؟ أنا لست المجتمع بل مجرد فرد، لا أبحث عن العلاج فليس هذا دوري ككاتب، لو عرفته لكتبته في مقال، ربما على القارئىء نفسه أن يبحث عن العلاج، فنحن لدينا ازدواجية النظر إلى الآخر. وعلى صعيد الواقع، البطل كساق البامبو التي لو اقتطعنا منها جزء من الساق، وضعناه في أرض أخرى، تنبت لها الجذور. لكن هوزيه لم يفلح في هذا لذلك عاد إلى بلاده، إلى الفلبين.”

لماذا إيميلي برونتي؟ ولماذا هشام آدم؟

     إجابة سؤالي هذا لها شقيّن، الشقّ الأول يتعلق بما أشرت إليه من آراء الكتاب والأدباء حول التقمُّصْ، خاصة ما ذكره الدكتور أحمد خالد توفيق، الذي اتفق معه في معظم ما قاله، إلا أنني أرى أن هناك حالاتٍ استثنائية قد يكتشفها القارىء بمعرِض قراءته لعمل أدبي، وهذا هو الشقّ الثاني بما جعلني أختار أديبيْن قرأت لهما في محاولة لفهم التقمُّصْ من خلال تحليلي لأعمالهما، وهما إيميلي وهشام.

     مرتفعات وذرينج هي روايتي المفضلة، وأولى الروايات التي قرأتها، وربما أكثر الروايات التي أواظب على قراءتها مرة تلو الأخرى، لتكون كل مرة كأول مرة، نفس الدهشة والصدمة، والحالة التي تستغرقني لأيام في تفكير عميق، تجاورني كاثرين، ويسكنني هيثكليف، ولا أكف عن تخيّل برونتي وهي تكتب وتخلق عالمهما في تلك المستنقعات الموحشة، بذلك المزيج اللامنتهي من المشاعر المتضاربة في بيئة نفسية شديدة التعقيد، كيف استطاعت تلك الفتاة رقيقة الحسّ معتلّة الصحة الغوص في أعماق النفس البشرية لتظهر الشر الكامن فيها في أبشع صوره؟ وتقدم برائعتها تلك درساً في فن ابتكار الشخصيات باقتدار، بروايتها التي لاقت الكثير من النقد اللاذع لاتسامها بالقسوة وتحطيم كل القيّم لتصبح فيما بعد من أكثر الروايات مبيعاً في العالم، ومن روائع الأدب الكلاسيكي.

     اللافت للانتباه، أنه عندما جسدّت إيميلي برونتي شخصيتي هيثكليف وكاثرين ووصفت مستنقعات يوركشاير المقفرة في مرتفعات وذرينج لم تتخارج عن بيئتها التي عاشت فيها، فهي نفسها عاشت في يوركشاير أغلب سنوات عمرها، لكنها أجادت تجسيد الشرّ، وقدمت تجربة أدبية جديدة تماماً في ذلك الوقت، بدت صادمة ومثيرة للنقاد وللقراء على حدٍّ سواء، القرّاء الذين يستطيعون تقبّل شخصية فرانكنشتاين في رائعة ماري جود شيلي، لأنه وحش قبيح صنعه الإنسان من الممكن أن يتعاطفوا معه، لكنهم لا يتقبّلون الشرّ مجسداً في شاب وسيم كـ هيثكليف، عانى من الظلم، وعاش قصة حبّ بقيت مشتعلة بقلبه، تحوّل معها إلى ناقم ومنتقم.

     لقد تقمصت برونتي شخصيتي كاثرين وهيثكليف معاً، فكاثرين الطفلة المشاغبة تتحول إلى امرأة فاتنة جميلة، طباعها الحادة لا تزول، وأنانيتها تنمو معها، يدمرها زواجها من إدجار لينتون الذي تحب وسامته ومركزه وأمواله، وتعاني من تأنيب الضمير لتخليها عن حبها الحقيقي هيثكليف، ويمزق الصراع بين الرجلين قلبها لتموت في النهاية بعد أن قضت حياتها في فوضى عارمة.

     أما هيثكليف فهو أعمق من مجرد مُحّب أو كاره، كطفل يتيم عانى بقسوة في شوارع ليفربول قبل أن يلتقطه والد كاثرين ويتبناه كفرد من العائلة، يتحول إلى خادم بوفاة الأب وتسلطّ الأخ ويجمعه الحب الأبدي كصخور المستنقعات بكاثرين الجامحة التي تشبهه إلى حد كبير، ولكن بزواجها من آخر ينكسر من الداخل، ويصبح الانتقام المحرك الأساسي لتصرفاته القاسية، ينتقم من الجميع، ويدرك في النهاية مدى الوحدة التي تحيط به، حين يعرف بعد فوات الأوان أن الانتقام لن يعيد له السلام الداخلي الذي لم يعرفه مطلقاً، ويموت في النهاية بطريقة دراميتيكية لا تختلف كثيراً عن موت كاثرين وشبحها الذي ظلّ يطارده حتى النهاية.

     وعبر تداخلات زمنية مشوقة، تمررها برونتي إلينا، بتتبعها سيرة حياة الجيل الثاني من الأبناء، ينشر الغموض عباءته على تفاصيل الرواية حيث نجحت برونتي في جعل مرتفعات وذرينج مكاناً أسطورياً مخيفاً بحق وشبح كاثرين الهائم في الأرجاء بحثاً عن هيثكليف.

     نجحت أيضاً بدرجة كبيرة في توثيق الارتباط بين الشخصيات والبيئة المحيطة، برمزية المستنقعات إلى الأعماق البعيدة المظلمة في شخصية هيثكليف، وطبيعته الداخلية المتقلبة، فيما تشكل ذات المستنقعات العالم الخارجي الجميل لكاثرين المريضة، وحنينها لطفولتها التي قضتها مع هيثكليف في الأحراش الموحشة المحيطة بمرتفعات وذرينج قبل زواجها وانتقالها للجانب الآخر من المستنقعات، كما أنها منحت الطبيعة قوتها وجبروتها للتأثير حتى على اللغة الحوارية في العمل، لتشبّه كاثرين حبها من لينتون بالفصول الأربعة في حين تشبه حبها لهيثكليف بالصخر. كما نجحت في تقديم نموذج ملفت لحرية المرأة من خلال البطولة النسائية بمستوى مغاير ومختلف عن نموذج جين الذي قدمته تشارلوت برونتي أخت إيميلي من قبل في روايتها جين إير، لتكون كاثرين مُحرّك الأحداث من بعيد برمزية التوْق إلى الحرية من سيطرة الرجال في حياتها, بدلائل واضحة على ذلك، خاصة عندما تموت كاثرين مُلقية اللوم في مرضها على الرجل الذي أحبته والرجل الذي تزوجته.

      مرتفعات وذرينج رواية انتقام بإمتياز، لا يمكن أن يوصف الحب إلا بأنه شيء جميل في حيواتنا، فلا حياة دون حب، دون الإتصال الإنساني بين الذكر والأنثى، لكن إيميلي برونتي طرحت نظرة جديدة: الحب شيء رائع، لكن ليس دائماً، فقد يكون نرجسياً مدمراً منتقماً يحولّ كل المشاعر الطيبة الجميلة إلى مشاعر كراهية حاقدة.

      هي عمل أدبي استثنائي، لما فيها من مواقف القسوة المرعبة ذهنياً وجسدياً، وبما تعنيه من نزعة تحررية لتُعتبر دون شك من أبرز الأعمال في تاريخ حركة التحرر النسائي، ما تزال حتى وقتنا هذا تُشكّل جدلاً واسعاً بكافة تناقضاتها وعوالمها الغريبة كأغرب الروايات التي يمكن قراءتها عن الطبيعة البشرية في كل زمان، ناقشت بنية التقاليد الاجتماعية، تبدّل العلاقة بين طبقات المجتمع، والتقدّم الصناعي الذي قضى على طبقة الإقطاعيين ممثلة بالابن هاريتون، مقابل رؤوس أموال الأثرياء الجديدة، ممثلة بـ هيثكليف. ورغم أن رواية جين إير كانت تعدّ أفضل ما كتبته الأخوات برونتي، حتى احتلت مرتفعات وذرينج تلك المكانة ولا زالت.

     هشام آدم، هو أحدث من قرأت له من الأدباء الشهور الماضية، أنهيت رواياته الخمس، وأواصل قراءة السادسة، خلال قراءاتي تلك تعرفت على هشام الروائي، الذي كنت أعرفه من قبل ككاتب وناقد. أديب كَوْنيّ؛ هذه هي الصفة الواجب وضعها قبل اسم آدم، قبل تعريفه بالأديب السوداني، فرواياته الأربع الأولى ثلاث منها لأبطال ليسوا سودانيين، بين جغرافيا المكان الذي لا ينتمي إليه، وهويّة الشخصيات لأبطال رواياته وشخصياتها المحورية تبدّى لي ذلك الوصف في أكثر من موضع، مشاهد ومواقف وانفعالات ورؤى شخصية تنساب على لسان شخوص وأبطال رواياته، بين أدب التعبير والتفسير، بِلُغَة هشام الجمالية العذبة السرد والسلسة والعميقة بآن واحد، مفتاح واحد يجمع بين روايات هشام، يبدو جليّاً بوضوح وبين السطور، علاقة هذا الإنسان بالكون، وعلاقته بالآخرين ليس فقط البشر فحسب، بل والمخلوقات والكائنات من حوله، ونظرته لنفسه ورؤيته لها من خلال رؤيته للآخر. إحدى الدلالات على كَوْنِيّة روايات هشام آدم أن القارىء يستطيع بسهولة أن يُسقط الأحداث لا شعورياً على (مكان) ما من الأرض، و(إنسان) ما ينتمي إليها، يستطيع أن يجد نفسه محلّ كاسبر في أرتكاتا أو ليلاتيا في السيدة الأولى، أو أن يكون روبين بطل بتروفوبيا ويرى في إيميلي حبيبة له.

     اللافت للانتباه أنه عندما شكّل هشام آدم عالم كاسبر في أرتكاتا وعالم ليلاتيا في السيدة الأولى، وأخيراً عالم روبين وإميلي في بتروفوبيا، فإنه تقمُّصْ شخصيات في بيئات مغايرة ومختلفة عن بيئته، ونشأته، فكان أبطاله الذين جسدهم في رواياته الثلاث على الترتيب: شاب إسباني في رواية أرتكاتا، وفي السيدة الأولى امرأة شابة مكسيكية، أمّا في بتروفوبيا قدّم شخصيتين أمريكيتين.

     وفي كل رواية من الروايات الثلاث، وبدرجات متزايدة تباعاً من رواية لأخرى تناسبت البيئة المحيطة للشخصيات مع طبيعتها حسبما خلقها وجسدّها هشام، وأعتقد أن الأمر كان على شيء من الصعوبة التي تخطّاها هو رويداً بداية من روايته الأولى أرتكاتا، حيث يستشعر القارىء مناخاً مختلفاً عن الطابع السوداني الأدبي بشكل عام، لولا اسم هشام الذي يخبر عنه، والذي لو أخفيناه، فقد يقرأ أحدهم الرواية ويتساءل عن كاتبها الإسباني، وهذا ما حدث في بالفعل عندما اعتقد الناشر أن الرواية مترجمة عن رواية إسبانية، لذلك الملمح الذي يشي بهويّة مغايرة لهوية الكاتب السوداني نوبيّ الأصل، لا أخفيكم سرّاً، إن براعة هشام تكمُن من وجهة نظري في أنه وكعمله الأول، ومن منطلق ما ذكره الأديب محمد جبريل “لست موجوداً خارج أعمالي… أجد نفسي في الكثير مما كتبت،” هناك بعض التفاصيل الخاصة بهشام آدم كإنسان، أسقطها على بطل روايته كاسبر، وأعاره إيّاها بنفس الوقت الذي تقمّصْ هو نفسه هويّة كاسبر الإسبانية، وشكِّل شخصيته، بين ربوع أم حنون وأب قاس أو لا مبالٍ، عاش حياة لاهية عابثة، وحقق ثروة من التنقيب عن الماس، وتزوج من فتاة أرستقراطية النشاة والتربية، أسس أسرة، بطريقة تقليدية منظمة، زوجة وأبناء تتقارب وتتشابه الفروقات بين سنوات أعمارهم، وأخيراً تديّن فجأة ليصبح أباً بالكنيسة، تنتاب كاسبار الحيرة بين تناقضات أبيه، التي يتغافل عنها، وكأنه مارس حياة رجل الدين دائماً وأبداً، وبين سؤال يتردد في ذهنه، عن الإله، الذي تخلّى عن ابنه المسيح، وكيف تركه ليموت؟ ليكون الأب/ الربّ وجهين لعملة واحدة، قيمتها اللامبالاة. ويتوالى السرد بين حكايات العم سانتوس عن فرانكو الحرب الأهلية الإسبانية ووادي الشهداء، والتخلص من الجرحى العبيد من السود أبّان تلك الحرب، التنقيب عن الماسّ وطبقة عمال المناجم الفقراء، وتشكّل طبقة من الأثرياء، وعلاقة رأس المال والسلطة والدين والتديّن. الحب الأول، والعلاقات العابرة، نظرة الإسباني إلى العربي (الآخر)، ومحاولته البحث في تاريخ تلك العلاقة الدموية المتبادلة بين أوروبا والعرب المسلمين، واكتشاف ماهية الربّ الذي يدّعي كل طرف منهما أهليّته لتمثيله على الأرض. وأخيراً حياة مبتورة لم تكتمل لا في العمل ولا العاطفة، معلّقة مفتوحة النهاية، كاسبر سيبقى وحيداً؛ ويموت وحيداً.

     تتصاعد درجة إجادة آدم للتقمُّصْ والتجسيد في رواية السيدة الأولى، لا ليحكي فقط عن المكسيك في حقبة تاريخية تتعلق بثورة أهلها على الحكم العسكري من خلال شخوص الرواية، وطبيعتها الجغرافيّة، بل ليُجسّد أيضاً من خلال شخصية بطلته ليلاتيا رمزية الثورة قدر ما ترمز للمرأة، لقد تقمّصْ شخصية المرأة وطبيعتها، وتحدث بلسانها، عبّر عن مشاعرها وانفعالاتها، وسرد أحزانها ووصف آلامها بلسانها تارة، وعنها تارة أخرى؛ بين افتقادها للحب، وحاجتها إليه، صراعها بين رفضها لزوجها العاجز جنسياً، والذي يلجأ للقسوة الغير مبررة معها ليداري عجزه، كما يفعل مع بلاده وشعبه، وبين حاجتها فقط لتشعر بحبه، أو ما أسماه هو ساخراً بـ “رومانسية فجّة”. ومع تطور أحداث الرواية يتصاعد الخط الدرامي بتصاعد الصراع داخل ليلاتيا، لتثور على نفسها أولاً وعلى سلبيتها تجاه حياتها السابقة، وتقرر الهرب من المنفى الذي عاشت فيه لبعض الوقت مع زوجها، قبل أن يحدث انقلاباً على الانقلاب، ويعود لسُدّة الحكم، معتقداً أن زوجته خُطِفَت أو قُتِلَت، ولكنها هربت لتنضم إلى الثوار على حدود بلاده مع جواتيمالا، حدث لي وأنا أقرأ الرواية أن ابتسمت لنفسي وقلت: “هكذا كنت سأفعل لو أنا ليلاتيا، هكذا أنا أفكر، هذا هو حزني، وهذه هي قوتي التي أدركتها ذات يوم.”

      ومن خلال إسقاط هشام الضوء على حياة السيدة الأولى، زوجة الجنرال قائد انقلاب عسكري أسموْه ثورة، الثورة التي تحولّ رموزها سريعاً لجلادين بسيوفهم المُسلطة على رقاب المواطنين الذين ساندوا ودعموا الثورة، وإذا بقادتها يتحولون هم أنفسهم لصورة مكررة من نفس الطغاة الذين كانوا قبلهم، ويحدث انقلاب جديد على الجنرال رئيس الجمهورية، وتُحددّ إقامته لبعض الوقت هو وزوجته، بطلة الرواية، التي يعلم القارىء عبر أحاديثها المونولوجية مع نفسها، أو الدَيالوجية مع خادمتها أفريقية الأصل تندارسي، كيف تُدار لعبة السياسة وراء الأبواب المغلقة؟ كيف تكون المصالح هي المحرك الرئيسي للأحداث، كيف تتصارع القوى الكبرى فيما بينها وتستقطب كل قوة منها أحد الأنظمة الشمولية الحاكمة في بلاد تقتسم ثرواتها نظير مساندتها لتلك الأنظمة لتبقى في الحكم، تستكمل منظومة الاستقواء والإنهاك لشعوب لا تملك من أمرها شيئاً، شعوباً لا تملك من الوعي ما يمَكِّنها من القيام بثورة حقيقية ضدّ حكامها الظالمين، الذين يعبثون بمقدراتهم ويقوضون حرياتهم، والأهم؛ كيف تتحول السيدة الأولى إلى ثائرة؟ في رمزية تشير إلى كيفية تحول المرأة إلى ثائرة على زوج مغتصب لأنوثتها وكرامتها بعقد زواج لا يختلف كثيراً عن حاكم مغتصب للسلطة في بلاده بانقلاب أو انتخاب مزيّف، كلاهما سواء، وفي السيدة الأولى كلاهما شخص واحد هو الجنرال فيليوباوتش.

      في تدرّج درامي للأحداث، جانب آخر من شخصية ليلاتيا يظهره هشام آدم شيئاً فشيئاً، لتصبح السيدة الأولى قائدة للثوار، تتدرب على حمل السلاح، وتفاوض السياسيين لمساعدتها في القيام بثورة ضدّ الجنرال، وتشدّ من أزر الثوار حتى اللحظات الأخيرة من حياتها عندما يتم اكتشاف أنها على قيد الحياة لتُقتادّ إلى ساحة الإعدام، ويتم إعدامها شنقاً ويصرخ مساعدها الشاب أحد رموز الثورة: سُحقاً لقتلة النساء، لتكون صيحته بداية لثورة حقيقية تشهدها البلاد، ونهاية مفتوحة للرواية.

     وفي عمله الثالث بتروفوبيا، والذي أعتبره محطة هامة في حياة هشام الأدبية، من حيث النضوج ودرجة إجادته لتوضيح عمق أفكاره وسبر أغوار رؤيته الأدبية الكَوْنِيّة، واكتمال لمنظومة رؤيته تلك على اعتبار بتروفوبيا الضلع الثالث في ثلاثية أعماله التي تجمعها مفردات الكون والإنسان وعلاقتنا بالآخر. في هذا العمل يقدم من خلاله هشام تقنية جديدة في السرد، حيث يتضمن الجزء الأول من الرواية مجموعة من الرسائل المتبادلة بين بطليها روبين وإيميلي، وكذا محادثات على ماسنجر الياهو، في تلك الرسائل والمحادثات، اتضحت فكرة تقمُّصْ الكاتب لشخصيتي العمل بصورة أكثر وضوحاً، حيث تحدث بلسان روبين وإيميلي كُلٍّ على حدى، ليس هذا فحسب بل إنه وكما علمت قام بانشاء حسابين على الياهو أحدهما بإسم روبين والآخر بإسم إيميلي، لا لشيء إلا لمعايشة الجو العام للرواية، وتلك الرسائل والمحادثات وضعت القارىء بشكل ما موضع البطلين، خاصة، وأنه راعى الشكل المعتاد لطبيعة الرسائل وما تكون عليه المحادثات، التي احتوت على الوجوه التعبيرية المستخدمة في محادثات الماسنجر لتبدو طبيعية وعفوية.

     ومن خلال ذلك الجزء، يستطيع القارىء تكوين صورة عن شخصيتي العمل، روبين الشاب الأمريكي التلقائي القادم من الجنوب، والذي يبدو ساذجاً وبسيطاً غير معقد المشاعر لحد ما، لكنه يعاني مرارة الفشل أمام حبيبته، كرجل لم يجد للنجاح سبيلاً رغم كونه نحاتاً موهوباً، لكن ربما لم تناسب طبيعته الريفية البسيطة الواقع الرأسمالي في الشمال، في إسقاط خفي وغير مباشر يذَكِّر القارىء بأن الولايات المتحدة الأمريكية، ليست متحدة اتحاداً قوياً كما يبدو، فلا زال هناك فارقاً واضحاً بين سيطرة القيم الذكورية على العلاقات الإنسانية في الجنوب، ولازال هناك الرجل متعدد العلاقات الذي يعامل زوجته وأبنائه بقسوة وغلظة، بينما في الشمال فنقيض الصورة يتضحْ من خلال إنعكاس آخر على حياة ونشأة إيميلي حبيبته، الفتاة الثريّة، التي تتعلّق بأبيها وتنفر من أمها التي تخالف طبيعة الأم وتبدو نزقة، تبحث عن سعادتها الخاصة وما تحققه على حساب ثراء زوجها، الذي يبدو أنها لم تتزوجه إلا لهذا السبب بينما علاقتها بحبيبها لم تنقطع، قيم المجتمع الرأسمالي في الشمال الأمريكي واضحة في رسائل إيميلي لروبين وشكواها من والدتها بين سطور الرسائل.

     في تلك الرسائل أيضاً يكتشف القارىء أبعاداً أخرى لشخصية الأمريكي، الذي يكتشف أنه لم يكن يعلم شيئاً بالفعل عن أوروبا، متمثلة في توقف رحلة روبين في ألمانيا، ليوم وليلة قبل أن يستكمل سفره إلى دولة من دول الخليج. يحكي روبين في الرسائل كيف اكتشف عن الألمان أشياء لم يكن يعرفها، فطبائعهم تختلف عن الصورة التي تشكلّت في ذهنه عنهم كمواطن أمريكي، كما يحكي أيضاً عن اكتشافه لأهل الخليج من خلال علاقته بعبد الله الجاسر مديره في الدولة التي يعمل بها. ويواصل هشام رحلته داخل أعماق روبين الذي ويا للعجب يجد نفسه ناجحاً في عمله بالخليج، ربما لأنه يحمل جنسية الأمريكي، الذي يسهل معها النجاح في دولة من دول منطقة الشرق الأوسط، تحديداً دولة خليجية.

     كيف ترى إيميلي كامرأة حبيبها، كيف ترى المرأة الحب وكيف يراه الرجل؟ هذا ما يفسّره هشام من منطلق تقمُّصُه لشخصية إيميلي، ومرة أخرى كامرأة توقفت، وقلت لنفسي: “نعم هذه أنا، وهكذا أُحِبّ، وهكذا أرى حبيبي، وأهتم لأمره.” واستكمل آدم رحلته ليكشف لنا عن رؤية إيميلي كأمريكية، وكإنسان لأوروبا، خلال زيارتها لإيطاليا في رحلة سياحية، وكذلك نظرتها للعرب وشعوب الخليج بناءاً على تجربتها المؤلمة التي انتهت بقتل أخيها الوحيد أثناء حرب الخليج الأولى، ورفضها لسفر روبين حبيبها إلى تلك البلاد التي تكره أهلها الهمج البربريين حسب رؤيتها وخبرتها التي جعلتها نموذجاً إنسانياً لمواطن أمريكي لا يعرف شيئاً عن الآخر إلا عبر ما يقدمه إعلام بلاده له، أو عبر تجربته الخاصة التي تتشكّل أيضاً تحت تأثير الإعلام، إن رفض إيميلي للعربي تتجلى ذروته في رفضها لشاب عرفته كإيطالي أعجبت به بقوة وتعلّقت به وأحبها هو، لكنها رفضته تماماً فور أن اكتشفت أنه عربي الهويّة.

     في بتروفوبيا اكتملت رؤية هشام آدم الكَوْنِيّة، علاقة الإنسان بالطبيعة، وخوفه منها وهي لا تفتأ أن تضرب حياته بين لحظة وأخرى بفعل كارثي، طابع الحياة في الجنوب الأمريكي، المختلف عنه في الشمال. وعلاقته بالآخر، فبعد مناقشته لعلاقة الإسبان بالعرب في أرتكاتا، وعلاقة أمريكا اللاتينية بأفريقيا في السيدة الأولى، يناقش هنا علاقة أكثر اتساعاً وشمولية، بين الأمريكي والأوروبي، والعربي والأمريكي، والأمريكي والعربي، في مجموعة من نماذج العلاقات الإنسانية والمواقف التي شكلت تلك العلاقات، التي ولا شكْ اتخذت منحى آخر بعد أحداث 11 سبتمبر، التي كانت إيميلي واحدة من ضحاياها، وكذلك روبين الذي فقد حبيبته وكره نفسه، وعاد إلى بلاده ليمارس النحت من جديد، وينجح أو كما قال: “أنا شخص كره نفسه فنجح.” لم يعُدّ الأمر هنا واقعاً تحت مُسمّى إنهم يتهموننا بما ليس فينا! بل إن واقع الأمر يقول: نحن لا نعرف الآخر، نحن نكره الآخر، والآخر لا يعرفنا، ويكرهنا. ليس الأمر إعلامياً فحسب، وليس جهلاً فحسب، وليس تعصباً فقط، بل عدة عوامل متشابكة ومترابطة، علينا أن نفككها كي نقوم بتحليل الصراع وفهمه. الصراع في حقيقته صراع إنساني، لن نكتشف عمقه، إلا إذا قمنا بسبر أغوار النفس البشرية والعوامل التي تؤثر فيها وعليها.

     وبانتهاء بتروفوبيا ينهي هشام آدم طرح رؤيته بتوظيف أدب التعبير، وأدب التفسير، وتقمُّصْ شخصيات رواياته الكَوْنِيّة الإنسانية.

     يقول الكاتب والأديب الفرنسي جورج باطاي Georges Bataille في مقدمة كتابه الأدب والشّر: “الأدب هو اتصال، اتصالاً يتطلب إخلاصاً، تتولد الأخلاق المتزمتة من التورط في معرفة الشر، المعرفة التي هي قوام الاتصال المكثف. ليس الأدب ببريء، إنه مذنب وعليه أن يعترف بهذا، الفعل بمفرده لديه حقوقه وامتيازاته، هنا أردت أن أثبت أن الأدب هو عودة إلى الطفولة، لكن هل تملك الطفولة التي تحكمه حقيقتها الخاصة؟ قبل ضرورة الفعل، نحن مندهشون إزاء نزاهة كافكا، التي لا تلغي أي حق من حقوقها. أياً كانت الأمثولة المتضمنة في كتب جينيه، دفاع سارتر مرفوض. على الأدب أن يعترف بالذنب، من نافل القول إن شعر لوتريامون يوافق نظرياتي. أليست قصائده أدباً يعترف بالذنب؟”.

     وفي فصل من الكتاب أفرده للحديث عن إيميلي برونتي في مرتفعات وذرينج يقول: “يبدو أن إميلي برونتي، من بين كل النساء، كانت هدفاً للعنة مميزة. كانت حياتها القصيرة شقيّة إلى حدّ ما وحسب. ولكن، مع احتفاظها بطهرها الأخلاقي سليماً، عانت من فظاعات الشرّ أشد معاناة. ولو أنّ بعض الناس قد يكونون أكثر قسوة، أكثر جرأة أو أكثر لياقة، إلا أنها سبرت أغوار الشرّ السّحيقة. تلك كانت مهمّة الأدب، التخيّل والحلم.”

     اتفق مع باطاي فيما قاله عن الأدب ومهمته في التخيّل والحلم، فهذا ما فعلته برونتي بروايتها مرتفعات وذرينج، بتخارجها عن طبيعتها الرقيقة وأخلاقياتها العالية، لتكون نقيضين يختلفان عنها، ربما لم تلتقِ بمثلهما أبداً في حياتها، لكنها خلقتهما، جعلتهما من لحمٍ ودم، وتركتهما رمزاً باقياً خالداً، وبـ (إسقاط) على روايات هشام آدم الثلاث، أرتكاتا، السيدة الأولى، بتروفوبيا أقول أنه هو أيضاً تجردّ مما يمكن أن يحدد هويته ويختزلها في مسمى محدد أو وصفٍ بعينه في سبيل أن يطرح رؤيته لرسالة الأدب الكَوْنِيّة، ونجح في هذا في كل رواية حيث خرج من إطار السرد الأدبي السوداني، إلى السرد الأدبي الكَوْنِي، وتخارج عن جنسه وجنسيته ليتقمَّصْ شخصيات رواياته التي خلقها ومنحها حياة، وتركها بين أيدينا، نتعرف عليها ونقرأها، ونقرأ أنفسنا من خلالها.

     ككاتبة وقارئة تهتم بقراءة الأديب/ الإنسان، وتُدرك أنها سـ تعرف/ تتعلم/ تستمتع ثم تُعيد اكتشاف/ فهم/ تشكيل رؤيتها للحياة وللبشر وللإنسان من خلال ما قرأت، أرى أن هشام آدم كإيميلي برونتي كلاهما شكّلا بالنسبة لي نقطة محورية هامة تخُصّ تفاعلي مع الأدب، والأديب وعالم السرد، وفهمي لفكرة التقمُّصْ وعلاقته بالأدب، والأهم ما أتاحاه لي من تواصُل واتصّال، مع نفسي ومع الآخر!

     أقول في النهاية من واقع ما ورد في المقال من أفكار واقتباسات، سيكولوجية أو أدبية وفكرية؛ نعم قد تختلف رؤية الأشخاص للأدب، وقد تختلف وجهات نظرهم بشأن ما يقرأون، لكن هذا لا يمنع أن ما يصنعه الأدب، وما يقدمه لحيوات البشر وللحياة أعمق من أن يُختزل بعدد لا نهائي من الآراء والخبرات المتراكمة لكل من نال نصيباً في عالم الأدب، قارئاً كان أم كاتباً أم ناقداً، أو مجرد إنسان أراد أن يعرف الآخر، وأن يتعلم عنه، وأن يستمتع متعة خالصة نقيّة، ومن ثمّ ينتهي من القراءة وقد اكتسب قيمة معرفية أو وجدانية أو إنسانية، عن طريق إنسان وَسْمُه أديب وحِرفتَهُ الأدب، إنسان مُبْدِع قدّم إبداعه، الذي امْتصّ القارىء وأسكنه روح إنسان آخر.

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .