الرئيسية / احدث التدوينات / التنمية وفشل النخبة

التنمية وفشل النخبة

حسان

     الناظر إلي المشهد السوداني في كل جوانبه المختلفة والمتعددة يرى جلياً حالة الانهيار التي اصابت المجتمع اقتصادياً وسياسياً، فالحرب والنزوح وسوء الإدارة وغياب التخطيط عن مؤسسات الدولة، بل دعوني أقول: غياب المؤسسية في أجهزة الدولة، أدى إلي تلك العواقب التي يعيشها جيل كامل، فبدل أن تتحرك عجلة الرقي والتقدم بعد خروج المستعمر بدأت بثور التخبط في الظهور على افكار النخبة، وعجزت عن فهم طبيعة المجتمع بل غاصت في العقلية الاستعمارية لتبنى المجتمع على اساسه وتبني هيكله الدولة ايضاً.

     عند طرح مفهوم النخبة فإننا نقصد ما اورده باريتو  ففي نهاية القرن التاسع عشر، واصل ولفريد باريتو 1848 ـ 1923 جهوده في بناء مفهوم النُّخبة، وذلك عندما قسَّم المجتمع المنظور إلى طبقتين، الأولى: الطبقة أو النُّخبة العليا التي تنحل بدورها إلى نخب حاكمة ونخب غير حاكمة، والثانية: الطبقة السفلى أو غير النُّخبوية· ما يعني وجود ثلاث طبقات متداخلة ومتفارقة من الطبقات، هي: الطبقة السفلى، والطبقة النُّخبوية، والطبقة غير النُّخبوية· وهذا ما جعل باريتو ينظر إلى النُّخب الحاكمة كونها ”فئات اجتماعية متمايزة”(1)· بلا شك وجدت النخبة في المجتمع السوداني بصورة ما، فعند دخول المستعمر الانجليزي إلي السودان وبانهيار المهدية، أقام نظام تعليمي مختلف عن النظام الديني السائد – المعتمد في بنيته على الخلوة وشيخ الطريقة – وادخل نظم تعليمية حديثة.

     ففي “عام 1900م عين جميس كرى مديراً لمصلحة المعارف، وكان يرى أن يسير تدريجياً في أداء مهمته ألا يشرع في أي عمل لا يمت بصلة حقيقية هامة بحاجة البلاد الاقتصادية. وهو في مجمل آرائه كان يمثل رأى كرومر المندوب السامي البريطاني في مصر وكتشنر الحاكم العام للسودان. وبناءاً على السياسة المعتمدة فقد وضع أهدافاً للتعليم في السودان تتلخص في الآتي:

(1) خلق طبقة من الصناع المهرة التي ليس لها وجود في ذلك الوقت.

(2) نشر نوع من التعليم بين الناس بالقدر الذى يساعدهم في معرفة القواعد الأولية لجهاز الدولة، وخاصة فيما يختص بعدالة وحيدة القضاء.

(3) تدريب طبقة من ابناء السودانيين لتشغل الوظائف الحكومية الصغرى في جهاز الإدارة. وذلك بغرض احلال السودانيين محل الموظفين المصريين والسوريين.

     وهناك هدف آخر غير معلن، وهو العمل على تدريب السودانيين للعمل في الجيش حتى تتمكن الإدارة من التخلص بالتدريج من الضباط والجنود المصريين الذين كانت صلتهم بالجنود السودانيين تؤدى في بعض الأحيان إلى التمرد تأثراً بحركات التحرير في مصر. وقد حكمت هذه الأهداف التعليم في السودان من بداية القرن حتى إنشاء معهد التربية بخت الرضا الذى أحدث تطوراً نوعياً في محتوى التعليم . (2)

     نلاحظ أن المستعمر عمد إلى خلق فئة متعلمه تخدم مصالحه في المقام الأول، فأنتج عمال مهرة وكتاب، وحد من مستوى التعليم في أفق معين ومحدد بعكس ما هو موجود في مصر مثلاً. ومع تزايد حوجه المستعمر إلى استغلال الموارد انشأ كلية غردون التذكارية، والتي لم تكن ترميزاً لغردون القائد المقتول على ايدي دراويش المهدية. فكما أورد الكاتب أحمد محمد الحاج في مقاله حول معاوية نور نجده أشار إلى نقطة مهمة جداً، فأورد: “كانت الدروس الكولونيالية المستفادة، التي فهمها كرومر، كإداري مستعمرات متمرس، وفكر عبرها وهو يضع حجر الأساس للكلية في 1900؛ أن التعليم (الأكاديمي، والأدبي)، هو ما مهد لظهور الحركات الثورية، والعصيانات المدنيَّة في المستعمرات، وعلى ذلك، فإن أغراض التعليم في السودان يجب أن تكون عملية. إن طبقة جديدة من السودانيين الذين انسلوا من سلالات الدراويش، يجب أن تعد فقط لذلك النوع من الأدوار التي لا تتعدى شغل الوظائف الصغرى، أما الوظائف الكبرى فبلا شك للإنجليز. وتحت إشراف مدرسين بريطانيين ومصريين وشوام، انتقاهم بعناية فائقة مستر “غلاس دنلوب” وزير المعارف في مصر، تم إعداد الأفندية وصقلهم بطريقة مستوحاة من التقاليد السائدة في سلك التعليم في مصر آنذاك. انطوت تلك التقاليد على أساليب وحشية، وصلف كبير، من قبل الأساتذة الإنجليز، الذين لم يتورعوا عن عقوبة الضرب لأتفه الأسباب.”

     يظهر الغرض الرئيسي من اقامة الكلية جلياً في تلك الاسطر ليبني نظام التعليم في السودان على تلك الأسس، لينتج فيما بعد نخبة مشوهة في بلورة مفاهيمها ولتنطلق من مرتكز كولنيالي بحت وعقل حداثوي محفوف بطابع السيطرة وكما يسميها فيبرmax  webere))  “بالعقل الأداتي أو بشرعنه السيطرة “Dominatio” أو كما قال: “أنها تتألف من اختصاصيين بلا روح واحساسيين بلا قلب” (4) لتخرج تلك النخبة من مصنعها الكولنيالي لتنفتح على أفق العمل الوطني وهي خالية من اي رؤية يمكن أن تتعامل من خلالها مع واقعها المحيط بها. لتصبح تلك المجموعات هي المحرك الرئيسي أو النواة التي خرجت من رحمها جميع الحركات التحريرية والرافضة للاستعمار.

      فشهدت أواخر الثلاثينيات ميلاد مؤتمر الخريجين على يد مجموعة من تلك النخب، ليبدأ العقل السياسي السوداني الحديث في التشكل، فأقام أحمد خير محاضرته الشهيرة تلك في ودمدني، وكانت المحاضرة بعنوان: ( واجبنا السياسي بعد المعاهدة ) أي: معاهدة 1936م وبعد أن ألقى أحمد خير محاضرته هذه في النادي، أرسل نسخة منها إلى خضر حمد، وأخرى إلى لجنة نادي الخرجين بأم درمان ونشرت بعض فقراتها في الصحف المحلية، لا سيما مجلة الفجر التي نشرت نصها كاملاً في العدد السادس بتاريخ 16/5/1937م. ووجدت المحاضرة عند نشرها بمجلة الفجر ترحيباً حاراً وتأييداً من جانب الكثيرين من الخريجين، كما أيدت مجلة الفجر نفسها هذه الفكرة في مقال افتتاحي أعدته عن مستقبل السودان تضمن الأفكار التي طرحها أحمد خير، ونادت فيه بتكوين ( جبهة موحدة، ومؤتمر يمكن أن يواجه مصيرنا على الطريق صوب الحكم الذاتي كما نشرت مجلة الفجر مقالات أخرى كثيرة مؤيدة لفكرة قيام المؤتمر). وكانت محاضرة أحمد خير هذه تمثل في الواقع دعوة صريحة للخريجين لتوحيد صفوفهم، وتضمنت ( شرح للخطوات اللازمة التي يجب على الخريجين ابتاعها لحماية الشعب وتحقيق المطالب الوطنية ). وقد عددت المحاضرة المصالح والمطالب الوطنية للسودانيين على الوجه التالي:

  1. تطوير التعليم.

  2. إصلاح القوانين التي تتجافى مع الإنصاف والعدل، وإصلاح اللوائح المتعلقة بالإدارة الأهلية والمالية والشركات… إلخ.

  3. إعادة النظر في اتفاقيات القروض واللوائح الخاصة بالتجارة والمالية” (5)

     لا يخفى على قارئ التاريخ السياسي السودان أثر مصر على التيارات السياسية السودانية، فكما أنها مدخلاً للاستعمار كانت مدخلاً لأهم التيارات السياسية التي أثرت بصورة مباشرة علي تاريخ الدولة السودانية، والمجتمع، وغيرت كثيراً من تركيبة الحياة، وهما (التيار الماركسي – التيار الإسلامي )، لتأتي حستو وقد جاء التأسيس فى مصر. “وكان عبد الخالق مع عدد من رفاقه يتابع دراسته في مصر. وقد تأثر بمن تعرّف إليهم من الشيوعيين المصريين، وبالأخص منهم الفريق الذى كان يحمل اسم «حدتو» (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني). وهذا ما جعل عبد الخالق ورفاقه يعطون لحزبهم في البداية الاسم ذاته الذى اختاره شيوعيو ذلك التنظيم المصري لحزبهم. فصار الحزب السودانى في البداية يحمل اسم الحركة الديمقراطية السودانية للتحرر الوطني.(6) ليغرد  الحزب الشيوعي بمنهجه الماركسي خارج سرب الواقع متجاهلاً تركيبة الواقع السوداني الاجتماعية والاقتصادية، و”قاد البناء على انتقاض مركزي آخر – هو الصراع الطبقي في مجتمع لا تنطبق عليه خصائصه”. لتقوم سياسات الحزب على تلك المفاهيم والنظريات، بل يزداد حجم  الفشل، ويدخل التيار الماركسي – لم أقل الحزب الشيوعي – في تحالف مع العسكر لترفع الشعارات على فوهة البنادق، وتغيب الديمقراطية التي هي أساس لكل عملية تنمية.

     “من الجانب الآخر لم تبذل حركة الإخوان المسلمين الوافدة من مصر مع طلاب سودانيين درسوا هناك جهداً حقيقياً أيضاً في دراسة واقع السودان، والتعرف على تركيبته الاجتماعية والاقتصادية، وتطوره التاريخي” (8) وتصل إلي السلطة عبر آلية لا ديمقراطية، وتجعل من القيم الدينية معياراً تقوم على اساسه الحياة الاجتماعية وتحدد على اثرها السياسات الاقتصادية ويتم اعاده هيكلة المجتمع، وتزداد رقعة الحرب ومنصرفاتها في أقل من عشرة أعوام، ويدخل الاقتصاد السوداني في حالة كساد تام.

     إن العملية التنموية في السودان لم تقم على أساس موضوعي بحيث أنها في المقام الأول قامت على خدمة المستعمر ليستفيد من الموارد أيما استفادة وهو ما حدث بالفعل، لتأتي النخبة السياسية الحديثة المتمثلة في النادي الماركسي والإخوان المسلمين، في صياغه مشاريع وطنية تنموية مستديمة، لتأتي كل فترة بأفكارها، وتنقض غزل الفترات السابقة، وتستمر أطول حرب في تاريخ إفريقيا وتصبح خصماً على الإنسان والأرض.

     إن المعضلة الرئيسية تكمن في الفكر السياسي السوداني، فبالتأكيد أثر الطائفية عليه يظهر في تركيبة المنظومتين اللتان تقعان تحت قبضة الطائفية لتقع في فخ البنى التقليدية وتقوم على أسس لا ديمقراطية لتتحول إلي مجرد إقطاعيين مع مرور الزمن، إننا في منحنى تاريخي خطير ظهرت تجلياته على التنمية والحياة الفكرية والسياسية وعلى تركيبة المجتمع السوداني والمكونات الاجتماعية، فنحتاج إلي إعادة قراءة دفاتر الواقع بصورة أكثر دقة وبحثاً لنصل إلي منتوج معرفي واقعي مرتبط بالسودان وبمكوناته الاجتماعية واستغلال موارده في التنمية وزيادة رقي وتطور الحياة بكافه اشكالها وتعددها الثقافي والجغرافي، وكما جاء في مقال شمس الدين ضو البيت الوارد في مجلة الحداثة العدد الثالث: “لذلك ستكون مهمة البرادايم السياسي الجديد في مجتمعاتنا، تحقيق الديمقراطية والتنمية معاً, ومواجهة الاستبداد والتخلف الاقتصادي في آن, اللذين لم تستعص على البارادايم الديني السلفي السائد معالجتهما, فحسب, بل أسهم ببناه القانونية والسياسية والاقتصادية في تكريسهما ومفاقمتهما, إلى حد التهديد بانهيار المجتمع. وتبدو الإرهاصات العملية لهذا البرادايم الجديد جنينية في “المبادرات الشبابية التي نشطت في السنوات القليلة الماضية لتشق مساراً جديدا مختلفاً…” تميز بقدرته على تجاوز الواقع المأزوم للنخب المتصارعة على السلطة, لتنفذ إلى عمق المجتمع، تخدم أجندته الحقيقية وتجتهد في مخاطبة قضاياه الملحة,” كما كتب خالد التيجاني: “في هذه المبادرات تنخرط مجموعات شبابية ديمقراطية في جذورها القائمة على المشاركة والطوعية والشفافية والانفتاح على التنوع السوداني؛ في عمليات اجتماعية ذات طبيعة خدمية تنموي”(9) علينا كقوى شبابية بالعمل بصورة جاهدة في إعادة إنتاج الفكر السياسي السوداني وفق معطيات جديدة، وقضايا معاصرة، حتى نعيد رسم ملامح مستقبل جديد للمجتمع السوداني.

_________

1_باريتو: الفكر والمجتمع، ج 3 _(ص 1429 ـ 1430)

2_متي بدأ التعليم في السودان _عثمان محمد يعقوب _وقفات مضيئة في تاريخ التعليم في السودان .

 http://apap.ahlamontada.com/t8046-topic

3_غلاف لازوردي لصورة معاوية نور _احمد محمد الحاج _ مجلة الحداثة السودانية _ العدد الثالث

4_العلمانية الايجابية عند عادل ضاهر_حيدر حاج اسماعيل ، اوراق فلسفية _ العدد السابع عشر _ ص224.

5_مؤتمر الخريجين السوداني _ تأسيس مؤتمر الخريجين في عام 1938م

6_شخصيات وتاريخ (عبد الخالق محجوب)، كريم مروّة _ الاهرام اليومي _ http://www.ahram.org.eg/News/131829/4/482063/%D9%82%D8%B6%D8%A7%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%A1/%D8%B4%D8%AE%D8%B5%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE—%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%84%D9%82-%D9%85%D8%AD%D8%AC%D9%88%D8%A8.aspx

7_التناقض المركزي في السياق السوداني _ شمس الدين ضو البيت _ مشروع الفكر الديمقراطي _ سلسلة قراءة من اجل التغيير رقم (63) _يوليو 2017

8_المصدر السابق ص 81

9_الديموتنامية المعرفية.. تثوير الفكر السياسي والبارادايم التنموي الجديد – شمس الدين ضوالبيت_مجلة الحداثة السودانية _العدد الثالث

عن حسان الناصر

mm
كاتب من السودان