الرئيسية / العدد الثلاثون / الحكاية الأخيرة

الحكاية الأخيرة

d52e4-images

يوسف أزروال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

“في يوم ممطر، كان فريد يشاهد المطر من النافذة، كانت السماء تبكي بحرقة، في الجانب الآخر كانت هنالك فتاة واقفة تحت شجرة، كان بجانبها كلب ينبح بقوة، خرج فريد ليشاهد كلبها الصغير الصاخب، عندما لاحظ أن الفتاة تبكي، أعجب بصفاء عينيها وآلمه حزنها، ركض فريد نحوها بسرعة.

في الطريقة انزلقت قدمه، فسقط في بركة صغيرة من الماء، شعر فريد الصغير بسوء الحظ، فأخذ يبكي بصوت عال على حاله، لكن بعد لحظة امتدت يد إليه، الفتاة ذات العينين الصافيتين و الدموع المختلطة بالمطر، لكنها كانت تبتسم هذه المرة.”

كانت هذه الحكاية تتلى في خياله بصوت أمه الطيبة التي كانت تؤلف حكايات يكون دائماً بطلها، لكن تلك القصة لم تفارق وجدانه أبداً، بجانب أنها كانت الأخيرة، فقد كان لنانا وجود ما، يشعر بذلك حقاً، كل ما نظر في المرآة، ربما يجب أن تكون خلفه، لكنها غير موجودة، و لا اليوم هي كذلك.

عندما دخل إلى غرفة الحاج، لم يكن يشعر إلا بشيء واحد، شيء يحمله معه منذ سنوات، منذ أن فارقته والدته.

الغضب..

هو كل ما يشعر به المهزوم حين يلقى على الأرض و تعلن خسارته على الملأ..

الغضب، هو ما يشعر به فريد، حين رأى والده على فراش الموت، يتأبط أخاه، يهمس له بكلام مقدس، و يمنحه كل الثقة، بينما هو واقف في نهاية الغرفة، يكاد حقده يلتهمه بنار تحرقه و تحرق العالم.

“لا يمكن لهذا أن يحصل !! ” كان يصرخ بداخله صوت أجش متوتر، كان صوته المختنق بالكثير من المشاعر المتناقض، بينما يربت أبوه على كتفي أخيه و يغرقه بالمزيد من الكلمات، ازداد حقده أكثر و أكثر، ألقى والده بنظرة سريعة عليه ثم أكمل دون أن يهتم لتقطيب حاجبي ولده البكر. في مساء الجمعة، كان كل من في المنزل حزين و مهموم النفس، بعد أن غادر طبيب القرية المكان، كان الجميع يعلم بأن الحاج الحكيم سيغادر الحياة و لا أمل في لعبة شد الحبل مع الموت و التي استمرت لأكثر من سنة، لم يعترض أحد في العائلة على الخبر، ربما لأنهم أحسوا بالتعب من محاولاتهم المتكررة لإنقاذ قائد بيتهم، أو ربما هم يشفقون عليه أكثر و شعروا بأن الموت أفضل له من المعاناة و تأجيل ما هو محتوم.

في ظل أجواء حزينة، كان فريد الخليفة المنتظر لوالده، طيلة ذاك الوقت العصيب، على قدر المسؤولية، لم يترك المنزل و لم يشعر أي أحد بأي فراغ أو نقصان و كأن والدهم ليس بفراشه يصارع مرضه المبهم، لكن ما لم يكن في حسبان فريد هو اختصاص أمين، الأخ الأصغر، بأحاديث مطولة من طرف والده، في البداية ظن أن الأمر عادي، فالصغير هو المفضل في كل عائلة، لكن الأمر أصبح يثير غيرته مع الوقت حتى جاء هذا اليوم، ليقرر فيه الحاج أن يمنح كتاب العائلة لابنه الأصغر.

“أنت تمزح، بالتأكيد تمزح، هل جننت أم هو الخرف؟؟” كان ذاك الصوت يصرخ في رأس فريد دون توقف، و كأنه يخاطب والده، بينما لم ينفك عن الذهاب و المجيء بين زاويتي الغرفة، كذئب حبس في قفص النكران، كان بالكاد يتشبث بحبال الصبر الواهنة لكي لا يقتحم عليهم حوارهما الخفي، الهامس له بالكثير من الهواجس، هواجس لا ترحمه و لن ترحمهما أيضا..

بينما كانا مراقبان من طرف فريد، اعتدل الحاج في جلسته، و تأبط ولده بقوة، بينما تنسل من عيني الفتى دموع كان يصعب عليه حبسها أكثر، نظر إليه الحاج موزعاً دمعه على وجنتيه الفتيتين بيد مرتعشة.

-لا تبكي..

– أنا لا أبكي، و لكن..

– اسمع يا بني، الأمر كما تعلم محتوم، و كما كان اللقاء يكون الوداع يا أمين، ثم أغمض عينيه و كأنه سقط في غفوة مفاجأة، ثم عاد بعد لحظة ليقول، يا بني، الأمور لا تأخذ بهذه الطريقة، الكتاب حقك و الباقي حقه.

– هو لن يق..

– سأكلمه، فقط عدني بأن تكمل ما بدأه غيرك، أرى فيك مستقبلنا الذي لن أكون فيه.

تساقطت من عيني الفتى المزيد من الدموع، بينما حاول والده كفكفت دموعه، كانت عيون الحقد الساكنة في أخيه تأكل المشهد بنيران لا تهدأ، يذكيها احتضان أمين للكتاب الأغلى في عائلتهم.

بعد لحظات، تسلل أمين خارج المكان، يحمل الكتاب معه، تحت نظرات حادة من فريد، لم يمر وقت طويل حتى نادى عليه والده بإشارة من يده، كانت خطوات فريد أشبه بخطوات فهد يقترب من فريسة تحتضر، عندما وصل إليه، كان لا يزال يظن الحاج يخبئ له شيء، أي شيء، يطفئ نيران غضب ينهشه بلا رحمة. اقترب منه و استمع بانتباه كبير لكلمات الرجل العجوز.

-لا تزعج أخاك و اعتني بالعائلة، لقد قمت بعمل موفق طيلة السنة الماضية و أظن أن الجميع سيكونون بأمان في رقبتك و تحت مسئوليتك. و لا أملك لك، يا بني، إلا الدعاء.

طرفت عيناه أكثر مرة، و أعاد كلام والده أكثر من مرة في رأسه.

– أهذا كل شيء؟

– و ما الذي كنت تنتظره؟ متقطع الأنفاس أجاب

– ما الذي كنت أنتظره؟ ثبت كفيه على خصره و بدأ يذهب و يجيء بين والده و النافذة القريبة.

-ما بك يا ولدي، الكتاب الذي أتيت لأجله بعد سنوات، متقطع الأنفس أكمل، هو ليس من حقك، منحته بإرادتي لأخيك الأصغر، الذي لم يفارقني يوماً، بينما غادرتنا أنت في سن السادسة عشر، و لم تكن ترغب بوصلنا و لو حتى هاتفياً، لكنني سعيد بعودتك، بعد كل هذا الوقت، من أجل عائلتنا، و تراثها و..

جمع فريد كفيه حول وجهه ، في عصبية، ثم مد فجأة ذراعيه نحو صدر والده، ثم جمع قميصه في كفيه و سحبه بقوة نحو وجهه

– أتظن أنني أحفل بعائلتك، و كل هذه الترهات القديمة، هل جننت، أم أصابك الخرف؟ هل تظنني لعبة أم كلب تلوح له بعظمة ليبقى معك و يحرس بيتك العفن؟ هل نسيت أنك أنت من كنت تلاحق النساء و لا تمنح وقتك لعائلتك في المقام الأول، هل نسيت أنك عنفتني و أمي أكثر من مرة؟ هل نسيت أنك.. قالها و صوته قد اختنق بما يشبه البكاء.. هل نسيت أنك سبب وفاة أمي؟ هل تظن أن مغادرتي البيت في سن السادسة عشر كان بسبب طيش المراهقة؟ هل جننت أم أن غرورك المقيت قد جعلك غائباً عن الوعي، و ترغب في أن يفعل الجميع مثلك.

كان الحاج شبه مصدوم من ردة فعل ولده، محدقاً فيه باندهاش، غير مصدق لبركان الغضب الذي ثار في وجهه

– ابنك المدلل ذاك الذي فضلته علي، ليس إلا ابن زنى، أتى بعد أن شاب رأسك الحقير هذا، و ربيته كما تربى الكلاب على الوفاء و الإخلاص، ابنك ذاك لم يرى وجه أبيه القبيح، لم يرى عفنك و لم يرى دنوك و حقارتك، و في النهاية تريد أن تمنحه ما هو حق شرعي لي؟

مرجرجاً أباه بين يديه، و بصراخ سمع صداه في الشارع.

– هل جننت؟ هل جننت؟

بعد أن رماه بقوة على فراش، اتجه مباشرة إلى غرفة أخيه، غير عابئ بكلام زوجة أبيه التي لم يجد حرجاً بأن يدفعها بعيداً لتسقط مغشياً عليها في وسط المنزل. دخل كإعصار على أخيه، الجالس بهدوء على حافة السرير، باكي محتضنناً كتاب والده، عندما رأى وجه فريد علم بأنه لم يأتي ليخفف عنه، وجهه المحتقن بالدم، كان يبشر بكل الشرور.

لم يمنحه الكثير من الوقت، لينزع الكتاب من بين يديه، مرسلاً لكمات متعددة لوجهه المبلل بالدموع، و بعد عدة دقائق، اكتفى من لكمه بعد أن صار وجهه مضرجاً بالدماء. وقف يلهث مثبتاً نظراته على وجه أخيه المهشم، و كأنه يتأكد بأنه حطم من فضل عليه بالزور. بعد لحظات ارتدى سترته و خرج بسرعة متأبطا الكتاب.

 

في طريقه نحو بيته الخاص، كانت مشاعره تتأجج أكثر، و غضبه يزداد، كان بسبب فجوة توجد بحياته، لا يعلم مصدرها. يزداد غضبه أكثر كلما تذكر حجر أمه، صوتها و هي تتلو عليه الحكاية الأخيرة، تعنيف والده لهما، يوم وفاتها، زواجه من سيدة أخرى، ولادة طفل بعد سبعة أشهر، أعياد ميلاده المبهجة، بينما تنسى تواريخه من بالهم، سعادتهم البالغة بدونه.. بدونه..

 

*****

” .. بعد أن ساعدته على الخروج من البركة، كان فريد جد مبلل، صحبته نانا إلى منزله حيث عاتبته أمه كثيراً على إهماله، كان فريد الصغير خجلاً من ذاك الموقف، لكن نانا كانت ممسكةً بيده معظم الوقت، كان ذلك يزرع الثقة فيه.

بعد أن غير ملابسه، عرضت والدته على الفتاة كأس شاي و حلوى، كان فريد ينظر نحوها بفخر، كانت تبدو جميلة بعينيها الصافيتين و ابتسامة أصفى، ثم سألتها أمه: ما اسمك يا صغيرة؟ كانت لا ترد سوى بالابتسام، ثم رددت الأم السؤال أكثر من مرة و بصوت أعلى، كل مرة كانت تردد فيها السؤال، كان وجه الفتاة يتحول من الابتسام إلى الحزن ثم إلى البكاء، أحزن فريد كثيراً رؤية نانا تبكي، اقترب منها بسرعة، ثم ضم يده إلى يدها، ليلمح على معصمها سواراً جميلا كتب عليه اسم “نانا”، ابتسم فريد في وجه نانا، و هي تدمع من الخوف، كانت ابتسامة فريد تثير فيها الثقة، و تنزع عنها الخوف و الوحدة، فبادرته بابتسام حزين”

كان اللون الأحمر ينتشر في المكان، و خصوصاً في حوض الاستحمام، ملقىً هناك، و غير بعيد منه، وجد كتاب يبدو قديم الهيئة، كتب في مقدمته بأنه كتاب يحمل خبرات عائلة قديمة، لكن ما أثار استغراب الشرطة هو أن الكتاب معظمه صفحات بيضاء، خاوية، ما عدا صفحة واحدة كتب عليها الاتي:

“ما الشيء الذي يفوق خيبة الأمل؟

قد تتنوع الإجابات عن هذا السؤال، لكن جوابي سيكون العجز عن فعل شيء اتجاه خيبة الأمل هذه، حيث تبدو وكأنها بقعة زيت تتمدد على ثوب قلبك الأبيض، تستمر في التمدد دون أن تكون لك أي قدرة على أن تفعل شيء حيال ذلك، العجز، هو الأقبح، و غالباً ما يرافقه إحساس قاتم بالوحدة.

الوحدة.. قيل هي أفضل من رفيق السوء، لكنها رغم ذلك تبقى رفيق الموت المفضل.

أشتاق لك يا أمي، كما ترين لم أجد نانا في هذه الحياة، ربما أجدها في أخرى”

عن يوسف أزروال

mm
كاتب ومترجم من المغرب

أضف تعليقاً