الحيوان

ايمن هاشم

      كل واحد منا يحمل حيوان مُتخيل على ظهره، وهذا ما سبب لجدي الإنزلاق الغضروفي، فقد كان برغم بنيته الضعيفة يحمل دباً!

      لا أعرف كيف يختارك الحيوان، لكن ما بدا لي الأن حقيقي كان مجرد حكايات في كتاب وجدته صدفة، في الليلة الواحدة والخمسين بعد المائة، أدرك الرحالة البحري التائه شيخاً عند عين مياه، فظنه ممن غرقت بهم المراكب، وتقدم لحمله على أكتافه فلم ينزل وكانت أقدامه مثل جلد الجاموس في السواد ففزع وأراد رميه، لكن الشئ خنقه حتى أفقده الوعي، ثم إذا عاد إلى وعيه ضربه على ظهره وصار يقوده كالأسير حتى إذا ما تغوط على كتفيه وهو راكب، وكان يقول في نفسه “وقد لمت نفسي على ما كان مني من حمله والشفقة عليه. فلما جاء عند مكان شجر اليقطين صار يملأها بالعنب فتتخمر فتقويه على حمل ذلك الشيطان المريد وتشرح خاطره وتقوي قلبه، ما إن ينتشي حتى صار يرقص ويقفز وناوله منها وقد حصل منه طرب وغرق في السكر وغاب عن الوجود حتى قتله السندباد.

     أردت أن أقول أنني الوحيد في عائلتي الذي يحمل إنسان على ظهره، أسميه ( كاف ك ) وهو مشوه أبيض اللون لحمي بشفتين صغيريتين وعينين فاضحتين، بصراحة كاف ك خفيف نسبياً، عمتى كانت تحمل ما هو أخف، عصفور دوري صغير تحرر عندما إستلقت على السرير، لقد حدث الأمر بسرعة.

     “كاف ك” متطلب جداً، أشعر به في سلسلتي الفقرية، في عظامي السفلية، لكنه لم يكن ليتحرك كثيراً في داخلي، في معظم المرات أشعر به يمسك يدي ويحركها، حركاته طفولية جداً، لا تتعدى اللمس السريع للأشياء، وأنا لم أكن أهتم بالأمر.

     منذ بداية إلتقائي به، كان الأمر مجرد سوء تفاهم، وجدته ضائعاً عند عتبات المحكمة، توصيله لم يكن بالأمر الصعب برغم ردهات المدينة التي كانت تفزعه، كان كحشرة مسكينة يستلقي عاجزاً عن الحركة، فضلت أن أطلق عليه “كاف ك”.

     كنت سعيداً بنقله من طريق لآخر، رشيقاً كمن يقلب صفحات كتاب، وحملته. شئ ما جعله يلتصق بي، وجعلني كالمجنون الذي كان يظن على رأسه جرة، طيلة الفترة التي كان يحدق فيها بوجهه النحيف وأحس بقفصه الصدري العظمي يضغط علي ينكمش ويتقلص، كان يزداد إلتصاقه بي لدرجة أنني أسمع صوت رئيتيه المريضيتين.

     نما ذلك الخيط الشعري الدقيق من الأعصاب بيني وبينه، في تلك الأوقات كانت تزعجني مزاجيته، عندما أكون بحاجة للحب تزعجني كلماته التي يرددها بالقرب من أذني “نوم، استيقاظ، نوم، استيقاظ، يا لها من حياة بائسة” كنت حينها لا أزال معتقداً أن تلك الأشياء تحدث عند قراءة كتاب أو هي محض هلوسة، فلست سوى شاب غض.

     كان ” كاف ك ” يكبر، وصارت يديه النحيلتين أطول، ويتدخل ليطعم نفسه بنفسه، يزعجه والدي عندما يصرخ فينا، نتضاءل ويصير هو من يحملني. صرت أخشى من سيطرته عليَ، يزعجني بإستيقاظه حتى منتصف الليل، كان كمن يسابقني، أركض فأشعر بأنفاسه ورائي.

      شهيته المضطربة في الطعام ورعبي من صوت البلع الذي يصدره، نظرة الآخرين الذين يحملون جراراً خالية، من يحملون زجاجات بلاستيك، ديدان ضخمة، بنات آوى، كيف تقضي حيوانات الكانغرو البائسة هذه حياتها وهي تحمل كائنات أخرى بداخلها، وكيف تتحمل الأمهات ركل أقدام اللحم الصغير بداخلها، أنا الذي أشعر بالتعب من حملي لإنسان آخر على ظهره، أعلم أن ” كاف ك ” سيموت ، ولكن في هذه اللحظات طالما ظل هو من يكتب فلن يراني أحد وهذا ما يجعلني مغتبطاً.

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان