الرئيسية / احدث التدوينات / الحُب وذاكرتُنا الشاعريَّة

الحُب وذاكرتُنا الشاعريَّة

img-20161225-wa0000

“سبَق لي أن قلتُ آنفًا إنّ الاستعارات خطيرة، وإنّ الحب يبدأ من استعارة، وبكِلمة أخرى: الحب يبدأ في اللَّحظة التي تُسجِّل فيها امرأة دُخولَها في ذاكرتِنا الشاعِريَّة من خِلالِ عِبارة!”

مِيلان كُونديرا

الفِكرةُ الرُّومنطِيقيّة للحب والتي هي أشبَه ببطاقةِ دعوةٍ على ظَرفٍ مِخمليّ محفُوف بحواشٍ مُذهّبة، مَحشُورة فيها ورقة مِخمليّة بيضاء تقول: “آه، الحب، وجهُ القمرِ المُعتم، القمر الذي يختبئُ في داخلِك، جرِّب أن تلمَسَهُ، إنه لَدِن ونَضِر مثل وَردَة”.

الحب الذي يُدوِّخنا أمرُه، مُعتم وباهِر في آن، ومُلغَز مثل الرُّوح، ما يدفعُنا للسؤال حقًا: “هل هو قرار أم لحظة ؟” . في دخِيلة نفسي أستقصي تمامًا فِكرة أن يكون الحب قرارًا ! إن كان ولا بد، فهذا حتمًا يشبه لحدٍ ما أن يُقرِّر أحدُهم: “سأذهبُ للسُّوقِ هذا المساء وأشتري قميصًا قُطنيًّا باردًا”. إن كان كذلك فهذا يدفع بالحب لأن يكون مُجرّد فكرة قُطنيَّة تافِهة وبارِدة !

قال صديقي: “الحبُّ اشتعال”، قلتُ، بمعنى أقرب هو اتِّقاد مُباغِت . حين تكون حواسُك كسُولة ورَخِيمة مثل شخصٍ يستيقِظُ من نومه للتَّو، ويأتيه صَوتُ أمِّهِ حادًا: “ولدي، لقد تأخَّرتَ كثيرًا عن العمَل!” وتُدرِكون ما يحدث له وهو في تلك الحالة، إنها المُباغَتة والاستِشاطَةُ المُفاجِئة.

إذًا، وربما أكون على غيرِ الصَّواب وأنا أقول أن الحب “لحظة مُباغِتة”، أو لحظةُ مُباغَتة”، كِلاهما سَيَّان، وأيًّا تكُن، اللّحظة، فهي تهُزُّك من الدّاخل، ترتطِمُ بك، وتحُسُّ كأنها مَوجة ترتطِمُ بصخرة. إن ذاكرتَنا الشاعِريَّة، والتي تتحسَّس هذا النَّبعَ المُقدَّس، هذه الفِكرة المُباغِتة، تعمل بصورة مُحَفِّزة وهي تنتقِي أُنثى بحسْبِ ذائقتَها ومزاجِيَّتَها ودينامِيكِيَّتَها المُرهَفة كشخصٍ يسترخي بِوَقْعِ مُوسِيقى كلاسِيكِيَّة خافِتَه، أو لِنكُن أكثرَ دِقَّة ونقول أنها ذاكرة شاعِريَّة ” تعمل بصُورةٍ مُحفِّزة وهي تنتقي شيئًا ما في الُأنثى”، شيء مّتعذَّر إدراكه، كنِداءٍ خافِتٍ ومُدَغدِغُ تسيرُ خلفه مسلُوب الإرادة، مدفوعًا بفُضول فِطري مِلحاح، أو لنكُن أكثر دِقة أيضًا ونقول أنه “فضُول الرَّغبة”، الرَّغبةُ الجَّامِحة في تقصِّي مَنبَع هذا النِّداء الخافِت المُدَغدِغ، في سَبْرِ غَورِ “الشيء الـ مَا” في الأنثى، وأنتَ مفتُون بهذا الشيءِ الـ مَا، مأسُورًا بالرَّغبة، مأخُوذًا بِسِحرِ النِّداء والعالَمِ الُأنثويّ المَطمُور في بُحيرَةٍ في دواخِل تلك الأنثى كما الحَلزُونة مطمُورة في الصَّدَفَة، وأنت مأخُوذًا برغبةٍ طافِحة وراء هذا “الشيء الـ مَا”، مثل شخصٍ يُحاول تفكيك مقطُوعةً مُوسِيقيَّة ليبحث فيها عن مَعنىً لوُجُودِه !

إنك وفي تلك اللَّحظة تمامًا لم تكن تُدرِك على وجهِ التَّحديد وبصراحةِ الرَّغبةِ غيرِ المُعلَنَة، أنك فِعليًا ترضخ لذاكرَتك الشاعِريَّة الفنَّانة، والتي تشبَهُ لحدٍ ما رجُل أوركَسْترا وسيم، دقيق في حركته المُمَوسَقة، يُملِي على عازِفِيه مقطُوعةً مُوسِيقِيَّة مُباغِتةً لَك، يقولُ مَطلعُها، وعلى غَرَارِ أمِّك : “ولدي، لقد تأخَّرتَ كثيرًا عن الحُب !”

اللَّوحة للتَّشكيلي/

سيف الدين لعُوتة

عن موافي يوسف

mm
شاعر وكاتب من السودان ، صدر له كتاب "سَبعُ ساعاتٍ من رِفقَةِ النَّهر" سيرة روائية عن حياة الشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري .

3 تعليقات

  1. حقيقة اتحفتنا اخي موافي بماتقول عن الحب فعلا قد اصبت في تعريف معني بسيط للحب في سطور قد لاتكون كافية لكنها موجزة بقدر المستطاع لاثبات المعاني السامية لمعني كلمة تتكون من حرفين الحاء والباء

  2. عبدالرازق عبدالله

    رائع دوما نتمني لك التوفيق

  3. although websites we backlink to beneath are considerably not related to ours, we really feel they’re in fact worth a go by way of, so possess a look

أضف تعليقاً