الرئيسية / احدث التدوينات / الدّين والحقيقة … هل قالت النصوص المقدَّسة كل شيء؟!

الدّين والحقيقة … هل قالت النصوص المقدَّسة كل شيء؟!

الأديان

“بدأ الدّين من الإنسان … وسيعود إليه في النهاية”

     برغم التمايز والاختلاف الحادث بين جميع الأدّيان الإنسانية، إلا أنها تتقاطع وتتلاقى في الكثير من المكونات الأساسية التي تشكِّل جوهرها الداخلي. فجميع الأديان تحتوي على مجموعة من العقائد والشعائر والطقوس والتعاليم التي تشكِّل الجزء الأساسي من حياة معتنقيها، فهم – وإن كانوا لا يقومون بواجباتهم الدينية بشكل كامل – يمارسون معظم سلوكياتهم الحياتية وفقاً للتعاليم الدينية التي تلقوها، حيث أصبحت تشكِّل الجزء الأكبر من لا وعيهم، لذلك هم مدفوعون نحوها، وبشكل لا إرادي. فحتى وإن قرر أحد ما من أتباع هذه الديانات مخالفة هذه التعاليم فسيصاب بعقدة الذنب، أو هاجس الإثم، حيث لا يحق بأي حال من الأحوال، لأياً كان، مخالفة التعاليم الأساسية لهذه الأديان، مهما كانت الدعاوي والأسباب. فالنظام الديني نظام مغلق، يستمد شرعيته من داخله، ويسيطر على أتباعه من خلال مجموع الرؤى والتصورات التي يضعها عن الكون والحياة والمصير، ويتحكم عن طريقها بحياتهم بعد ذلك. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى محاولة فرض هذه الرؤية من قبل المؤمنين على غيرهم، سواءاً كانوا غير مؤمنين، أو من أتباع ديانة أخرى. فكل دّين يرى أنه هو الأصح والأصوب، ويمتلك الإجابات النهائية والناجزة فيما يتعلق بأصل الكون ومصيره، وأن أتباعه المخلصين هم الذين سينجون في الحياة الأخرى، بينما سيهلك المخالفون لهم، أو سيعذبون عذاباً شديداً من قبل الإله أو الآلهة التي ستحاكمهم على ما اقترفوه في الحياة الدنيا، وما جنته أيديهم من آثام وشرور. وهنا يكمن جوهر الإشكال، حيث أصبحت هذه الديانات المتعددة، بآلهتها المختلفة، تتصارع فيما بينها بشكل دائم، سواءاً كان عن طريق الحجج والأفكار، أو عن طريق الحرب والقتال، لإثبات أحقيتها في احتكار الحقيقة المطلقة!. فهنالك عدد من الأدّيان، وخصوصاً التوحيدية، لا تعترف بصحة الأدّيان المخالفة لها، حتى وإن اعترفت بوجودها المسبق، أو الحالي، فهي تريد من جميع الناس الإيمان بها فقط، ومن ثم تصادر حقهم الكامل في الإيمان بغيرها، وذلك بمحاولتها الادعاء أنها الأصوب والأصح، ولا سبيل إلى النجاة في الحياة الأخرى إلا بالإيمان بها، وإتباع تعاليمها، وهو ما نراه مُتمظهراً بشدة في الدين الإسلامي، وتقل حدته تدريجياً في الديانتين المسيحية واليهودية، باعتبار أنها آخر الديانات التوحيدية ظهوراً، وبشكل متتابع، اليهودية، ثم المسيحية، ثم الإسلام. وهو ما يجعلنا نتساءل، وبشكل مُلح، إذا كانت هذه الديانات الثلاث صادرة من نفس الإله، وإذا كان هذا الإله قادر وعليم بشكل مطلق، فلماذا لم يجعلها ديناً واحداً؟ ولماذا تختلف فيما بينها؟ ولماذا يُلغي بعضها بعضاً، ويدعي كل واحد منها أنه الذي يمتلك الحقيقة المطلقة؟ هذا ما سأحاول التعرض له في هذه العجالة، بمحاولة للتحليل والشرح المختصر، لأن الإحاطة بهكذا موضوع تحتاج لمجلدات متلاحقة، وليس مقالاً مختصر كهذا بطبيعة الحال، فما سأذكره هنا ليس إلا إشارات تعينك عزيزي القارئ على التوسع في البحث أكثر، حتى تصل إلى رؤية شاملة بنفسك.

      تُعد الديانة اليهودية – أقدم الديانات التوحيدية الثلاث – من الديانات غير التبشيرية. فلكي تكون يهودياً حقيقياً إما أن تولد لأبوين يهوديين، وهو ما يحدث في الغالب، أو أن يكون أحد والديك يهودياً، وهذا نادر الحدوث بطبيعة الحال، لأن اليهود لا يتزاوجون إلا فيما بينهم، وذلك للمحافظة على نقاءهم المتخيل، سواءاً كان العرقي أو العقائدي، فهم يعتقدون، وبشكل كامل، أنهم أحباب الله وأصفيائه الذين يفضلهم على باقي خلقه، لذلك لا يعترفون بصحة باقي الأديان الموجودة حالياً، ويعتبرون أنها ديانات مختلقة وأتباعها أشخاص ضالين ليس إلا. وعليه لم تنتشر الديانة اليهودية في العالم بشكل كبير، وظلت حكراً على بني إسرائيل، فتعداد اليهود حالياً لا يتجاوز 14 مليون نسمة في كل العالم، وهو عدد بسيط جداً مقارنة بباقي الديانات التوحيدية. يستمد اليهود تعاليم دينهم من التوراة، والتي تمثل العهد القديم في الكتاب المقدس الذي يعد أقدم النصوص المكتوبة المتداولة حالياً. فالتوراة التي هي شريعة النبي موسى وتتكون من خمسة أسفار رئيسية هي: السفر الأول وهو سفر التكوين الذي يتحدث عن قصة خلق العالم وقصة آدم وحواء، إضافة لقصص عدد من الأنبياء والمرسلين كنوح وإبراهيم ويوسف وغيرهم، والسفر الثاني وهو سفر الخروج الذي يحكي قصة خروج بني إسرائيل من مصر، والسفر الثالث وهو سفر اللاويين الذي يوضح الحلال والحرام والفرائض والحدود، ثم السفر الرابع وهو سفر العدد الذي يوضح بعض الشرائع إضافة لقصة البقرة والتيه، وأخيراً السفر الخامس وهو سفر التثنية الذي يتحدث عن إعادة الناموس، إضافة للأسفار التاريخية والشعرية والنبوية. وهنا نلاحظ أن التوراة تقدم رؤية شاملة للكون والحياة، أضافة للأحداث التاريخية السابقة المتعلقة بالأنبياء وأقوامهم، ولكن اليهود عموماً لم يتوقفوا عند هذا الحد من المعرفة، حيث أنهم، ولمجابهة التحديات العلمية التي تواجههم، قاموا بتبني نهج معرفي علمي واضح ومتين، فهم لم يكتفوا بما يقدمه لهم الكتاب المقدس، وإنما تجاوزوه إلى رؤية أشمل وأعم، برغم التزامهم التام بما ورد في الكتاب المقدس من تعاليم تتعلق بسلوكهم الديني، ولكن فيما يتعلق بمجريات حياتهم اليومية فهم يلجؤون للعلم الذي يستند على التجربة والبرهان في كشف الحقائق، وليس على الخرافات والأساطير، فلو كان ما ورد في التوراة كافياً لهم لما تجاوزوه لغيره، ولكن لإدراكهم التام أن التطور العلمي لا يتحقق عن طريق النصوص الدينية فقط لجأوا للمعرفة العلمية، التي تشبعوا بها، ومن ثم ساهموا في ترقيتها وتطويرها بشكل لافت، فقد أنشأوا الجامعات الحديثة، ومراكز البحث العلمي المتقدمة، إضافة للمنشآت الصناعية المتطورة، فكان منهم الفلاسفة والعلماء والمفكرون، كل هذا دون خلط بين ما هو ديني وما هو علمي، بل وفي كثير من الأحيان يُقدم العلم على الدين، وذلك عندما لا يكون للدين رأي في المسألة المحددة، أو أن رأي الدين فيها لا يواكب متطلبات العصر، وهو ما يؤكد قصور النص الديني عن الإحاطة بكل تفاصيل الحياة، ناهيك عن تقديم رؤية شاملة لحقيقة الكون، وأنه لا يعدوا أن يكون مجموعة من العقائد والتعاليم والطقوس التعبدية، التي لا يمكن أن تتأسس عليها حياة متكاملة حالياً بأي حال من الأحوال، فمن أهم سمات العصر الحديث الاعتماد على العلم بشكل كامل في تدبير الشؤون الحياتية، وذلك نسبة لما يقدمه من تفسيرات واضحة وحلول ناجعة لكل ما يكتنفها من غموض ويحيط بها من مشكلات معقدة.

      تأتي الديانة المسيحية في الخانة الوسطى بين اليهودية والإسلام، وكذلك هي في الواقع وسطية بينهما، فبينما تجنح اليهودية نحو الانغلاق على نفسها، وعدم التبشير بعقائدها وتعاليمها، والاكتفاء بمعتنقيها بالتوارث، ويجنح الإسلام نحو فرض عقائده وتعاليمه على غير المسلمين، لدرجة استخدام القوة في ذلك (الجهاد)، نجد أن المسيحية تقوم بالتبشير بنفسها، ونشر معتقداتها وتعاليمها بطريقة سلمية جداً، معتمدة على أسلوب الترغيب أكثر من الترهيب، لذلك هي من أكثر الديانات اعتناقاً في العالم، حيث يبلغ عدد أتباعها حالياً أكثر من 2.2 مليار شخص في مختلف أنحاء العالم، وهو ما يمكن أن نعزوه للطبيعة المتسامحة للديانة المسيحية إلى حد ما، حيث نجد أن فيما يلي العقيدة المسيحية ليس هنالك طقوس متشددة كما في الديانتين اليهودية والإسلامية، فالمسيحية تتيح لأتباعها مقداراً أكبر من الحرية، وهذا مستمد بطبيعة الحال من الإنجيل، شريعة النبي عيسى، الذي يمثل العهد الجديد من الكتاب المقدس، والذي يتكون بدوره من أربعة أناجيل رئيسية هي: إنجيل متا، وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا، إضافة لأعمال الرسل، ورسائل بولس الرسول ورؤيا يوحنا، فهو في أغلبه لا يعدو أن يكون تعاليم أخلاقية مثالية، تحض على حب الخير والفضيلة واجتناب الرذيلة، مع حفظ حقوق الآخرين واحترامهم، وعدم التسبب بالأذى لهم. كل ذلك جعل المسيحية تتسامح مع اليهودية بشكل كبير، بل وتمتدحها في بعض الأحيان، إلا أنها اتخذت موقفاً رافضاً تجاه الإسلام، ولم تتقبله كدين ذو قاعدة مشتركة معها إلا في القرون الأخيرة، ولكن كل ذلك لم يغير من طبيعة العقيدة المسيحية كنظام مغلق، فهي تنظر لنفسها على أنها أصح العقائد وأصوبها، وكل ما عداها عقائد باطلة لن تمكن المؤمنين بها من النجاة في الحياة الأخرى، حيث أدى ذلك إلى الصراع بين رجال الدين المسيحي والفلاسفة في أوربا في القرون الوسطى وما بعدها، بعد أن أصطدم الفلاسفة بالرؤية العقائدية الثابتة للمسيحية، والتي رفضت كل التصورات والرؤى العلمية المخالفة لها، برغم ما قدمته من أدلة وبراهين على صحتها، لكن رجال الدين حاربوها، وحاولوا القضاء عليها بشتى السبل، فكانت محاكم التفتيش التي ارتُكبت بسببها أفظع الجرائم الإنسانية تحت دعوى الحفاظ على الدين!. لكن في النهاية كانت الغلبة للعلم وأتباعه، حيث تمكنوا من توضيح حقيقة العديد من الخرافات والاساطير التي تنطوي عليها هذه العقائد، وبينوا خطر استمرار التصورات الناتجة عنها، والتي لن تؤدي إلا للمزيد من الجهل والتخلف والاستبداد، فكان ثمرة هذا الصراع الطويل والمرير في نفس الوقت بزوغ عصر التنوير الذي أصبح فاتحة عصور النهضة والتقدم الإنساني في شتى مناحي الحياة، ومن ثم عاد الدين المسيحي إلى وضعه الطبيعي كدين تبشيري متسامح، ليس له أي سلطة خارج الكنائس والأديرة، ولا يمكنه أن يفرض رؤيته للكون والحياة على أحد، إلا على من أختار الإيمان به طوعاً، ودون إرهاب.

      يقدم الإسلام نفسه على أساس أنه خاتم الأديان، وخلاصة تطورها، لذلك يعتبر نفسه الأصح والأكمل والأصوب بينها، وبلا منازع. فما على أتباع الديانات الأخرى إلا التسليم له، وبدون أي مقاومة، وكذلك يجب على غير المؤمنين بأي دين فعل ذلك، فهو يعتقد أن ما يتوفر له من أدلة وإثباتات مقنعة لا تتوفر لغيره من الأديان، وخصوصاً الديانتين التوحيديتين السابقتين له مباشرة، فهما قد حُرفتا وبُدلتا ولم تَعودا صالحتين للعمل بهما كما يقول القرآن، وعلى المسلمين أن يقبلوا ما جاءتا به من باب أنهما صادرتين عن الإله الواحد الأحد الذي لا شريك له، والذي أنزل هذه الأديان كلها، وأختار الإسلام ليكون ختاماً لها. مع أن الإسلام نفسه لا يختلف كثيراً عنهما من حيث الأساس العقائدي، وحتى في التشريعات والتعاليم يتلاقى معهما في كثير من النقاط، وهو ما يخبر به القرآن نفسه، حيث يؤكد على أن الكثير من الأحكام التي أتى بها قد فُرضت من قَبْل على أصحاب الديانات السابقة، وإن كانت بشكل مختلف. وهذا يقودنا إلى العديد من الأسئلة الملحة، والتي تحتاج لإجابات مقنعة ومنطقية، مثل: لماذا يفرض الإسلام نفسه على غير المؤمنين به طالما أنه الأصح والأصوب؟ وهل كان يمكن أن يكون عدد أتباعه حالياً كمثل العدد الذي سيكون عليه لو لم يتخذ أسلوب القوة في نشر دعوته؟ وما هو مدى القبول الذي كان سيلقاه لو اتخذ أسلوب الإقناع بالحجة والدليل بدل منطق السيف؟ كل هذه الأسئلة تقودنا إلى البحث في أصل الدّين الإسلامي لمعرفة حقيقته، والتي يتضح لنا أنها تشابه حقيقة الكثير من الأديان السابقة عليه، لا سيما اليهودية والمسيحية والزرادشتية. فالإسلام، والذي يعد ثاني أكثر الأديان انتشاراً بعد المسيحية،  بعدد معتنقين يتجاوز 1.6 مليار شخص حالياً، يقدم نفس الرؤى والتصورات التي قدمتها الأديان التي قبله عن نشأة الكون والحياة ومصيرها، مع ذكر أغلب القصص التي تضمنتها تلك الأديان عن الأنبياء السابقين، إضافة للتشارك بينه وبينها في العديد من التشريعات والأحكام والطقوس التعبدية، فما الذي يميز الإسلام إذاً؟ لا شك أنها السلطة التي وهبها لنفسه، وذلك عن طريق سعيه الدائم لاحتكار الحقيقة، منذ فجر ظهوره الأول، وبالتالي نفيها عن الأديان السابقة له، مع تنصيب نفسه كخاتم لها، وهنا نعود لذات النظام المغلق مرة أخرى، حيث يجب القبول والتسليم والطاعة فقط، فلا مجال للبحث والتقصي والمقارنة، وهو ما أكدته المرويات التاريخية بنهي النبي محمد لأصحابه عن مطالعة كتب الديانات السابقة، وإنما يجب عليهم الإيمان بها هكذا فقط دون تمحيص! فهل هذا موقف مقبول لدين يعتقد بأنه يمتلك الحقيقة المطلقة؟ فلو كان كذلك فعلاً ما الداعي للخوف إذاً؟ أم أن هنالك الكثير من الحقائق يجب اخفاؤها منعاً للأسئلة التشكيكية؟ ولم يتوقف الحجر والمنع هنا فقط، بل تعدا ذلك إلى النزعات الفلسفية والعلمية التي بدأت تظهر هنا وهناك، وتحاول الخوض في أمر الدين والدنيا، حيث حاول رجال الدين المتشددين قمعها ومحاربتها، مستعملين سلاح الزندقة والكفر تارة، وسلاح السلطة السياسية تارة أخرى، مما خلق حالة من التنازع بين رجال الدين والفلاسفة، كما حدث في أوربا بعدها، وهذا يوضح تماماً الرغبة الكامنة داخل رجال الدين في السيطرة والاستفراد بما يتوهمون أنه الحقيقة، فهم يرفضون أن يشاركهم أحد في فهم النص الديني وتفسيره، كما يرفضون أن يقوم غيرهم بطرح رؤى وتصورات مخالفة لما جاءت به هذه النصوص، وإن كان ذلك نابع من رؤية علمية مسنودة بالأدلة والبراهين، فقام رجال الدين هؤلاء بغلق باب الاجتهاد، وتحريم التفلسف، كما ونهوا عن الاشتغال بالعلوم الطبيعية، مما أدى إلى حالة من الجمود والتخلف، أضرت حتى بالدين نفسه، كل ذلك لا لشيء، إلا لأن هؤلاء الأشخاص كانوا يعتقدون، وبشكل قاطع، أن ما جاء به الدين هو الحقيقة المطلقة التي يجب إتباعها فقط، وأن كل ما عدها ليس سوى أباطيل لا أساس لها من الصحة، متناسين تماماً أن الدين ليس بديل للعلم، وأن الدين لم يستطع أن يقدم أجوبة كافية عن أسئلة الوجود الكبرى، فها هي أسئلة جديدة تتولد كل يوم، وها هي علوم جديدة تظهر في كل مكان، وتؤدي إلى تطور الحياة واستمراريتها، في حين أن معظم رجال الدين ما زالوا يرفضون حتى الرؤية التجديدية والتأويلية للدين نفسه، مقعدين بذلك إياه حتى عن القيام بدوره الأساسي كمصدر للعقائد والتعاليم والطقوس التعبدية التي يمارسها الإنسان كجزء من مكونات حياته.

عن محمد عمر جادين

mm
كاتب سوداني مهتم بالأدب والفكر وقضايا الإستنارة .