الرئيسية / العدد الثاني والثلاثون / الذائقة الشخصية: التكوّن والتطوّر

الذائقة الشخصية: التكوّن والتطوّر

351836_mn66com

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

الذائقة مثلها والملكات العقلية الأخرى، تنمو بنمو معرفة الفرد وقدرته على التفكير السليم، وبذلك يمكننا القول أن ما ينطبق على عملية التفكير ينطبق على الذائقة، إذ هي أيضاً نوع من التفكير مصحوب بانطباعات شعورية عن عمل معين. ولكن إذا أردنا التحديد أكثر فلابد من التحدث عن بعض العوامل التي تؤثر بصورة مباشرة  في تكوين ذائقة الفرد وتطورها.

السمع، هي الحاسة الأولى التي تنشط عند الإنسان في طفولته، فالطفل يتعلم الكلام عن طريق سماع ما يردده والديه وأهله المحيطين به. ودور هذا العامل هنا أساسي  لأنه يعتبر الدليل إلى باقي العوامل بعد جمع رصيد معرفي سماعي معقول، هذا النوع من المعرفة هو الأساس الذي يبني عليه الفرد معارفه التالية، ومن ضمنها طبعاً الذائقة الشخصية، وبناء عليه يُبدي الشخص رأيه في الأشياء الجديدة؛ فإما استحسنها وقبلها أو استقبحها ورفضها. ولا يقف دور السمع هنا، أي فقط في مرحلة التكوين، بل يمتدّ تأثيره حتى بعد نضج الذائقة ووعيها بخصائصها تماماً إذ أنه وقتها يكون قد تدخل في تحديد خصائص الشخصية بأكملها، وبالتالي ما زال يمارس تأثيره، ولكن بقدر أقل نسبة لتدخل مهارات أخرى في تطوير الذائقة، كالبصر.

البصر وسيلة القراءة، سواء أكانت قراءة كتاب أو لوحة فنية أو أي عمل آخر يحتاج العين لذوقه. ويبدأ دوره في تكوين الذائقة مع تعلم الشخص القراءة وانفتاحه على الإطلاع المدعوم بتوصيات المعرفة السماعية. فعندما يبدأ الشخص القراءة فهو في البداية يقرأ بلا هدف واضح تقريباً، وبلا آلية فعالة للاختيار والتفضيل، ومع مرور الوقت، واتساع دائرة الإطّلاع يكتشف ما يشد انتباهه ويثير إعجابه، ويبدأ في تكوين آراءه الشخصية، ومن ثم ظهور ذائقته المتميزة شيئاً فشيئاً. وعكس السمع تماماً فإن للقراءة دور رئيس في تطوير الذائقة، بل إن سرعة التطور تكاد تتوقف على كثافة القراءة وما يصحبها من تفكير وتأمّل. إلى أن يبلغ الشخص مرحلة معينة من النضح فيبدأ بالإقتناع بسلامة ذائقته وتوافقها مع تفكيره وعواطفه وتأملاته، وتبدأ مرحلة أخرى من تطوير الذائقة عندما يتفاعل الفرد مع غيره في المواضيع المشتركة، ويلاحظ اختلاف الذوائق، وبطبيعة الحال فإنه سيدافع عن ذائقته الشخصية وسلامتها وقدرتها على إنتاج الرأي الصائب في العمل المعيّن، ولابد من اتخاذ الحوار وسيلة للتواصل مع الآخر، وهذا الحوار أيضاً له دور في تطوير الذائقة، والانتقال بها إلى آفاق أرحب، إلى الذائقة النقدية.

الحوار بوصفه وسيلة لتبادل الأفكار والرؤى لا يكاد يذكر في تكوين الذائقة بدءاً، إذ أنه أصلاً يعتمد على ذائقة متكونة ولها خائص مميزة وهذا هو مبرر دخول الشخص في الحوار. ولكن دوره الأساسي في تحسين الذائقة الشخصية، فهو يجلي مواطن الضعف والقوة في الرؤية الشخصية للأشياء، ويمثل اختباراً حقيقياً لآلية التفضيل والإختيار، فالمقارنة التي تحدث بين الرؤية الشخصية ورؤية الآخر تتكفل بذلك بصورة دقيقة، وإذا كان الشخص أميناً مع نفسه، ويقبل الرأي الآخر فإن تأثير الحوار هنا يكون كبيراً في عملية التطوير والتحسين، فكل فكرة جيّدة تجذب الشخص، وكل قول صحيح وصامد أمام النقاش يتبناه ضمن ذائقته، وبالتالي استمرارية التحديث والتحسين في الذائقة، والعكس بالعكس، فتأثر الحوار يتقزم في حالات الإعتزاز الشديد بالرأي ورفض فكرة الآخر.

وإجمالاً يمكنني القول أنه كما تنمو أعضاء الفرد البيولوجية، وتكبر وتقوى ويتحسن أداؤها؛ كذلك تنمو الذائقة ويقوى تأثيرها على الفرد من خلال تحديد مصادر أفكاره، وتفضيلاته، ورؤاه التي تنفرد باهتمامه وبحثه.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً