الرئيسية / احدث التدوينات / الذِراع المُخدَّرة

الذِراع المُخدَّرة

f169776977d8da9fd9a014df9a5e1ce1

بقلم : عمر النمري

*انتظرتُ طيفي أن يزورني البارحة فأبى، فأبيت أن أستيقظ حتى أراه، و لمّا اشتد الحر بعد منتصف النهار إذا بي أرى شخصًا غريبًا، كلّ شيء فيه يدعوك لتسأله من أنت .. و ما بك ؟! و إذ به يقول لي و بدون مقدمات . ” ما بالك تزرع الأمل في القلوب لتُدمِي قَلبك” . كان وقع الكلمات قويًا فلم أستطع الرد، زاد من قوة كلامه، ملامح وجهه التي تشبه ملامح الموتى، متجمدة لا هي بالمنزعجة و لا هي بالسعيدة . و راح يقول مرة أخرى، هيا معي نذهب إلى المكان . فقلت . أي مكان ؟ . قال . سنذهب إلى ذلك الجرف، إلى المنحدر .. المنحدر .. لأريك البحر.. لأريك الأمل . فذهبت معه . في حقيقة الأمر لم يكن لي سلطان على نفسي في تلك اللحظات و كنت أشعر بتخدّر في ذراعي و ضيق في التنفس ..

وصلنا الجرف، و كأنّ السماء تلبّدت بالظلام، وإذ بغربان المساء تحوم حولنا تنتظر ربما وجبتها ، كان المكان فوق الجرف نظيفًا بماء المطر و الرياح، كانت هناك بعض الحشائش على الجانب و قوة الريح تزداد كلما تقترب من الحافة .. ألقيت نظرة .. و إذ بمئات من الجماجم و العظام تظهر أسفل الجرف . وكنت قد شممت مذ وصولي رائحة جيفة و لم أعرف مصدرها . فقلت في نفسي . الدور دوري .. و التفت إليه . لم أكن بتلك الحالة من السوء و الخوف و خفقان القلب، لأنّي رأيت مرة في حلم كل هذه المشاهد و كأني زرت هذا المكان من قبل و لم أمت، لكن ذراعي زادت تخدرًا حتى أصبحت لا أتحكم فيها جيدًا ..

                                                      

قال لي، إنّي أراك لست خائفًا . فلم أُجبه ، كان يبتسم ابتسامة مكر و عيناه مفتوحتان عن آخرهما و كأني شممت رائحة معركة، هو من حدد زمانها و مكانها، عرفت من نظراته تلك أنّه يريد من المعركة أن تطول، ربّــما ليتلذذ بها و ليُـخلدها في ذاكرته إلى الأبد ..

قال . هل عرفتني ؟ .. أنا طيفك الذي انتظرتني .. أتريد أن تعرف لمن تعود تلك الجماجم ؟ ــ كان يسأل و يجيب وحده ، و أنا أرمقه دون أن أردّ عليه كي لا أتشوّش في انتظار بداية المواجهة ــ هم كلّ الأشخاص الذين أردت أن تُوصلهم إلى القمة، و تخليت عنهم بعدما سئِمت منهم .. أنا لم أقتلهم .. انتحروا وحدهم .. لماذا تدّعي مساعدة الناس يا هذا ؟ .. أنت شخص تريد تغيير قدر البشر .. كلّ أولئك الذين أردت مساعدتهم، كانوا سينتحرون من تلقاء أنفسهم حتى و لو لم تلتقي بهم يومًا في حياتك .. أنت تكرر نفس الخطأ دائمًا .. أنت ترهق نفسك من أجل الموتى .. لما لا تهتم بنفسك و حسب .. لقد تعِبت منك و من تصرفاتك .. الليلة سأقتلك و أرمي بك لأحبابك بل لضحاياك .. يا عدو الناس و عدو نفسه ..

كان كلما ازداد كلامًا ، ازداد قوة ، و ازددت ضعفًا ، و ذراعي تثقل علي أكثر ..

تشجّعتُ في لحظة و قلتُ له، لقد انتظرتك طويلاً .. أنا الذي كنت أحمل رسالة بيدي و أنت الذي كنت تحمل بيدك خنجرًا .. أنت لم تتركني أكمل مهامي .. كنت تتّهمني دائمًا بأني مغرور و سادي .. و بأنني أنفخ في أبواق محطمة أريد عبثًا أن تُصدر لحنًا جميلًا .. أنا الذي انتظرتك .. وأنت الذي يجب أن تموت الليلة .. لأنك تكره الحياة و تكره البشر و فيك أنانية قاتمة و حقد دفين .. أردتُ دائمًا أن أوفّق بينك و بينهم .. اليوم ظهر كلّ شيء .. أنا أطالب بمحاكمة عادلة .. استدعي لي أرواح كلّ أولئك الناس، هم وحدهم من سيقررون .. هم يعرفون القصة كاملة .. لا داعي لأن تنصّب نفسك ملكًا للموت .. لا يوجد حكم سوى الموت في قراراتك كلها .. أنا حقًا تعبت .. تعبت من المساعدة ، و أنت تعبت من قتل البشر ..

فقال لا بأس، شيء فيك يمنعني أن أقتلك، في الحقيقة لا أستطيع قتلك وحدي، سأستدعيهم كلهم . أنا الذي أريد أن أقتلك من أجلهم، هم من سيساعدونني على قتلك و سنشرب معا نخب التخلص منك، هم يعشقون رقدتهم تلك ، فخورين بموتهم، حسنا سأزعجهم و أستدعيهم . فأخرج من جيبه بوقًا يشبه قرن كبش مجوف، و نفخ فيه، و إذ بالحركة تدبّ أسفل الوادي و أنوار مجتمعة تطير فحلقت فوقنا . كل تلك الوجوه أعرفها اجتمعت في لحظة واحدة، شعرت بتبلد في مشاعري و أنا انظر إليهم، كانت هالتهم مجتمعة تساوي هالتي و كأنّي كنت أحملهم بداخلي طوال الوقت . منهم من كان ينظر بلطف و حنين إلي و بحقد و شرر متطاير إلى ذاك الطيف . و منهم من كان يعانق الطيف و يقبّله إكرامًا له و ينظر إلي نظرة قاتمة مليئة بشعور لم أعهده، و كأني لم أتوقع ، و لم يكن بداخلي العميق الواسع وجود لمثل هذا الشعور، أنا الذي كنت أعتقد أني على اطلاع بكل ما يخفيه البشر . أدركت أني كنت مخطئ .

كان ذاك البوق مرميًا على الأرض بيني و بينه، فخرجت منه امرأة حسناء و حملت البوق في يدها و مشت مُختالة أمامنا، نظر إليها الجميع من فتنتها، وقفت عند الحافّة و نظرت إلينا و قالت . ” فلتبدأ المحاكمة ” .. انتظم الجميع . كنت أرى في وجوه كلّ واحد منهم الضحية و المتهم في نفس الوقت حتى أنا. كنت أرى عزوف بعضهم و حرص بعضهم الآخر على الوصول إلى تلك الفاتنة، رأيت تباينًا و احتكاكًا بينهم، كل تلك الأرواح كانت تمتاز بخصال مُشتركة، الطيش و التسرع و تصور رديء عن صاحبة البوق . كنت حذرًا لأنّي أرى أنّ خلف فتنتها خرابًا، و حاولت أن أهدأ . ذاك الهدوء جعل تلك الأرواح تقترب منّي لألهمها ربما عن ماهية تلك المرأة .. أنا الذي لم أفهم كنهها بعد، و شعرت بنفس البداية التي جمعتني بهم في يوم من الأيام، فرُحت أتجنّبهم، لم أشأ أن أمر بنفس التجربة معهم . فقال لي الطيف مُتهكّما، أرأيت .. ما بالك يا منقذ البشرية .. يا من قلبه مستشفى للأمراض النفسية .. ما بالك يا مدّعي المثالية .. ألن تقدم يد المساعدة لمرضاك ؟. أصبحتَ خائفا على تلك اليد كما أرى، لأنّك كلما مددتها لشخص أراد تملّكها .. أرأيت خطأك يا هذا .. يجب أن تموت ..

تعالت الأصوات فوق الجُرف، كلّ واحد يقول، أنا مظلوم مهزوم هزمتني الدنيا .. أنا أريد أن أعيش .. لم كل من حولي لا يفهمني .. أنا مظلوم لأني أحمل قلبا طيّبا . فرأيت الطيف انزعج و لمّح للمرأة و قال للجميع . ” أصمتوا سينال كلّ منكم حقه .. انتم ليس لكم الحق في الحياة ” و أشار إليها فرفعت البوق فاتّجهت نحوها راكضا، علمت أنّها تريد التخلص منهم، ولما اقتربت منها و إذا بالطيف يمسكني من ذراعي، حاولت أن أرفع ذراعي الأخرى إليها، لكنّها لم تستجب لي، كانت مخدرّة بالكامل، حاولتُ جاهدا تحريكها، لقد أصبحت ثقيلة و كأنها ليست جزءا مني . فصاحت المرأة و قالت أنا الدنيا و نفخت في البوق نفخة عظيمة فتلاشى الجميع، و نهضت من نومي مفزوعا أتصبّبُ عرقا، فوجدت ذراعي مُخدّرة و كأن النمل يدُبّ فيه، لأني كنت نائما عليه .

 

 

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة