الرئيسية / العدد السادس / الرافعي كيف رثى نفسه.. وماذا قال عنه كبار أدباء العربية؟

الرافعي كيف رثى نفسه.. وماذا قال عنه كبار أدباء العربية؟

1391690795

صلاح حسن رشيد

تأتي ذكرى وفاة حجة العرب وإمام الأدب في القرن العشرين مصطفى صادق الرافعي (1880 – 1937م) هذا العام في ظل موجة عاتية من الضعف تسيطر على العالمين العربي والإسلامي، وحالة التردي والانسحاق الفكري والثقافي المسيطرة الآن على أرجاء العرب والمسلمين.

من كان سيواجه هذا الطوفان المدمر للعقلية العربية سوى الرافعي الذي خاض قلمه أعنف وأنبل المعارك الفكرية والأدبية والإسلامية دفاعاً عن التراث والهوية والإسلام واللغة العربية ضد الموتورين والمهرجين وأعداء القيم الإسلامية، والحاملين لأفكار وحياة الغرب على أرضنا العربية؟ وبمناسبة ذكرى وفاة الرافعي ، نراجع بعض ما قاله عنه كبار أدباء وشعراء العربية في القرن العشرين، سواء في حياته أم بعد وفاته، وما قاله هو عن نفسه:

“بعد الموت.. ماذا أريد أن يقال عني؟!”

تحت هذا العنوان.. جاء مقال الرافعي في مجلة “الرسالة” المصرية، عدد 203 في 24/5/1937م، أي قبل وفاته بشهرين، بعدما سئل عن الموت، فأجاب:

“ما الكلمات التي تقال عن الحي بعد موته إلا ترجمة في كلمات فمن عرف حقيقة الحياة عرف أنه فيها ليهيئ لنفسه ما يحسن أن يأخذه، ويعد للناس ما يحسن أن يتركه، فإن الأعمال أشياء حقيقية لها صورها الموجودة، وإن كانت لا ترى، وبعد الموت يقول الناس أقوال ضمائرهم لا أقوال ألسنتهم، إذ تنقطع مادة العداوة بذهاب من كان عدواً، وتخلص معاني الصداقة بفقد الصديق، ويرتفع الحسد بموت المحسود، وتبطل المجاملة باختفاء من يجاملونه، وتبقى الأعمال تنبه إلى قيمة عاملها، ويفرغ المكان فيدل على قدر من كان فيه، وينتزع من الزمن ليل الميت ونهاره فيذهب اسمه عن شخصه، ويبقى على أعماله، ومن هنا كان الموت أصدق وأتم ما يعرف الناس بالناس، وكانت الكلمة بعده عن الميت خالصة مصفاة لا يشوبها كذب الدنيا على إنسانها، ولا كذب الإنسان على دنياه، وهي الكلمة التي لا تقال إلا في النهاية، ومن أجل ذلك تجيئ وفيها نهاية ما تضمر النفس للنفس.

وماذا يقولون اليوم عن هذا الضعيف؟ وماذا تكتب الصحف؟! هذه كلمات من أقوالهم حجة العرب، مؤيد الدين، حارس اللغة العربية، صدر البيان العربي، الأديب الإمام، معجزة الأدب!! أما أنا فماذا ترى روحي وهي في الغمام؟!

سترى روحي أن هؤلاء الناس جميعاً كالأشجار المنبعثة من التراب عالية فوقه، وثابتة فيه، وستبحث منهم لا عن الجذوع والأغصان والأوراق والظاهر والباطن، بل عن شيء واحد هو كهذه السمرة السماوية المسماة القلب، وكل كلمة دعاء، وكلمة ترحم، وكلمة خير، ذلك هو ما تذوقه الروح من حلاوة الثمرة”.

وقال عنه الإمام محمد عبده: “لله ما أثمر أدبك، ولله ما ضمن لي قلبك، لا أقارضك ثناء بثناء” فليس ذلك شأن الآباء مع الأبناء، ولكن أعدك من خلص الأولياء وأقدم صفك على صف الأقرباء، وأسأل الله أن يجعل الحق على لسانك سيفاً يمحق الباطل، وأن يقيمك في الأواخر مقام حسان في الأوائل”.

وقال عنه الأديب عباس محمود العقاد: “إنه ليتفق لهذا الكاتب من أساليب البيان ما لا يتفق مثله لكاتب من كتاب العربية في صدر أيامها”.

وقال عنه الزعيم الوطني المصري مصطفى كامل: “سيأتي يوم إذا ذكر فيه الرافعي قال الناس: هو الحكمة مصوغة في أجمل قالب من البيان”.

وقال عنه ربيبه وتلميذه ووارث علمه الأديب محمد سعيد العريان: “لقد عاش الرافعي غريباً، ومات غريباً، فكأنما كان رجلاً من التاريخ بعث في غير زمانه ليكون تاريخاً حياً ينطق بالعبرة ويجمع تجارب الأجيال، ويذكر الأمة العربية والإسلامية بماضيها المجيد، ثم عاد إلى التاريخ بعدما بلغ رسالته، لقد خفت الصوت، ولكنه خلف صداه في أذن كل عربي، وقلب كل مسلم يدعوه إلى الجهاد لمجد العرب وعز الإسلام”.

أما رائد الأدب الإسلامي نجيب الكيلاني فقال عنه: “لقد أدى الرافعي رسالة كبرى في معركته الفكرية الواسعة دفاعاً عن اللغة العربية وأصالتها ودفاعاً عن الإسلام وقيمه الغالية وحضارته الخالدة، وقد قرر في معظم كتاباته أن الحل الإسلامي هو الحل الصحيح لمشاكلنا، لكن ما معنى مؤامرة الصمت التي تقف اليوم إزاء تراث الرافعي العريق؟! أهي جزء من المؤامرة الشاملة ضد الإسلام وأهله في هذا العصر، أم هي مخلب من مخالب الغزو الفكري الذي يأبى إلا أن يطمس الحقائق النيرة الباهرة في تاريخنا الإسلامي المعاصر؟!”.

 أما أمير الشعراء أحمد شوقي فقال فيه:

أعرني النجم أو هب لي يراعا        يزيد  الرافعيين  ارتفاعا

تأمل  شمسهم  وهدى ضحاهم        تجد في كل ناحيةٍ شعاعا

ورثاه الشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل في عدد الرسالة (255) في 23 من مايو 1938م قائلاً:

 لـم  يـطـب لـلـنبوغ فيك مقامُ           لا  عـلـيك  – الغداة – مني سلام

الـمـنـارات  تـنطفي بين كفيك           ويـزهـو بـشـاطـئـيك الظلام

والـصـدى مـن مناقر البوم يحيا         ويـمـوت  الـنـشـيـد والإلهام

أنـت  يـا “مـصر”: واصفحي إن       تـعتبت  وأشجاك من نشيدي الملام

قـد  رعـيت الجميل في كل شيءٍ        غـيـر  مـا أحـسنت به الأقلام!

مـن  روابـيـك  خف للخلد روح        قـد نـعـاه لـعـصـرك الإسلام

لـبـسـت  بـعـده  العروبة ثوباً           صـبـغ أسـتـاره أسـى وقـتام

لـم تـفـق من شجونها فيه “بغداد”       ولا  صـابـرت  أسـاهـا “الشام

وعـلـى  “بـلـدة الـمعز” دموع          خـلـدت ذكـره بـهـا الأهـرام

صاحب المعجزات أعيت حجا الدنيا   وعـيـت  عـن  كـشفها “الأفهام

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً