الرئيسية / العدد الخامس والثلاثون / الراوي والبنت الطيبة

الراوي والبنت الطيبة

11988321_954690471255729_7785990642548558438_n

طلال الطيب :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

هي فتاة طيبة ، بالتأكيد هي كذلك ,تمشي حافية حتى لو كان حذائها بالقرب من سريرها وجواربها على الأرض بالقرب من حوض الزهور , تفوح منها – أقصد الجوارب – رائحة طلاء الأظافر لكنها لا تعلم ذلك .!

خارج غرفتها يهطل المطر , تراه على الضوء خطوط مستقيمة من اللبن ,الساعة تشير إلى الثامنة مساء موعد العشاء , هي تأكل بشكل عشوائي ,تأكل متى ما شعرت بالملل وبل تأكل للمتعة أيضا .

لها رائحة الأطفال الرضع والطفلات المشاغبات . هي لا تعلم ذلك تظن بأن رائحتها يجب أن لا تثير اهتمام أحد !

هي من النوع الذي يضع الكثير من العطر وهذا مزعج بالنسبة لي .فعندما جلست بالقرب مني قبل أيام في الحافلة شعرت بالانزعاج من عطرها ,ليس لأني لا أحب العطور أو أن العطر الذي كانت تضعه مزعج بل لأن العطر الذي تضعه حرمني من رائحتها الشخصية , رائحة ذاتها الإنسانية .

كانت تحمل حقيبة نسائية كبيرة ؛ مثل تلك الحقائب التي تتسع لكل شيء تحتاجه المرأة العصرية _هذه العبارة مثيرة للتهكم _ رأيت لابكوتها الأبيض محشور هناك مثل منديل ورقي .

كان وجهها يبدو طيباً وقد كانت تنظر ليد الكسمنجي المشوهة وربما قالت لنفسها : هذه اليد تعرضت لحروق من الدرجة الثانية ولم تتم معالجتها بشكل جيد .!

لقد تعرض لهذه الحروق عندما كان يحرق الأوساخ .أستطيع أن أخبرها بأنه كان ينقل نفايات الحي بعربة صغيرة مقابل خمسة جنيهات .

أظن بأن هذه التفاصيل المؤثرة كافية لبدء حوار جاد ومفيد معها ,ولكني أحياناً لا أحب الكلام ولا بناء علاقات جديدة أظن بأني أعرف ما يكفي من الناس . يكفي أن أراقبها من بعيد .!

الكسمنجي ابتسم في وجهي ورفض أن يأخذ مني أجرته ؛لأننا من حي واحد .أنا لا أشتهي أن أثير اهتمامها لا أستطيع منافسة هاتفها الذكي الذي تقرأ بواسطته الكتب الإلكترونية وتكتب بواسطته القصائد.

عندما نظرت إلى حذائها الأسود مع بنطال جينز قلت لنفسي : يا لها من بطلة !

ربما أن تكون جميلاً نوعٌ من البطولة .!

عندما فتحت الثلاجة وجدت كأس من الزبادي وصحن به تسع وعشرون زيتونة وكيس الرغيف كان معلقاً على مقبض الباب .أنتم تعرفون طعم الزيتون ورغم هذا سكبت الزبادي فوقه وأضافت إليهما السكر . وأخذت رغيفتان وملعقة . أنا لا أعرف طعم ما تأكله وهي على كل حال تحب تذوق كل ما هو غريب .

من أحلامها السرية تذوق طعم الخمر ,أظن بأنها لو أتيحت لها الفرصة سوف تشرب رشفة أو رشفتان أو الكأس كلها . لكنها تقول لنفسها : خمر الجنة أحسن .

هذه البنت لا تشعر بالفزع من أفكارها ولا بالفزع من أسلوبها في الحياة .وهي لا تناقش أفكارها ولكن تعيشها بهدوء نهر ينساب نحو مصبه .

ذات مرة فكرت بأن الكتابة صلاة ,أرادت أن تكتب عن هذا ظنت بأن هذا إحساس لا يمكن لغيرها أن يفهمه . وبالصدفة وجدت بأن هناك من له نفس هذه العبارة إنه كافكا . لوهلة أحست بالفرح بأن هناك توارد خواطر حدث بينها وبين كافكا ثم بعد ذلك بدأت تظن بأنها أصبحت أقل إيماناً بالله والدليل على ذلك أنها أصبحت لا تصلي .!

و عندما تقرأ أي شيء له علاقة بالدين تفكر فيه ملياً وقد لا تفكر فيه أصلاُ . هي لا تريد أن تختار أن تكون غير مؤمنة بالله في الواقع هي لا تريد اختيار شيء . فما يجري في دواخلها يشبه جريان الغمام في السماء شيء لا يمكن التحكم به .

الكتب التي قرأتها سواء كانت روايات أو دواوين شعر أو كتب فلسفية وفكرية حتى لو كانت لإسلاميين أصابتها بلوثة عقلية اسمها الشك وأصبحت تمتلك عقلية نقدية .

وهي لن تجادلك في أفكارها ولن تحاول أن تقنعك بشيء وهي لا تحلم بإصلاح العالم كل ما تحبه وتستمتع به هو قراءة قصيدة جيدة كل يوم و كتابة الشعر .

وهي تسمع صوت الرعد والمطر كانت تغسل صحنها ,الماء الذي ينساب من الصنبور دافئ بشكل مريح .

فكرت كم كانت عملية قراءة رواية ( العمى ) لجوزيه سارماغو عملية شاقة ومؤلمة لأن شخوص الرواية واجهوا مواقف صعبة جداً, كانت تشعر بأنها تتنفس هواء ثقيلاً وهي تقرأها حتى خف عنها هذا الشعور عندما أكملتها .

في الصباح كانت تمشي مع شاب يبدو ذكياً ومهذباً , لم أشعر بالغيرة ولم أشعر بالانزعاج ولا أظن بأنه يفترض أن أشعر بذلك , ربما لم أحب فكرة أنها تبدو سعيدة أكثر من ما يجب , هي تليق بها تلك الملامح التي تشبه الحزن . ملامح شاعر لم يكتب شعراً منذ أشهر وكأنه في خصام مع ربة الشعر !

أنا جلست بحيث أستطيع أن أراهما بوضوح أستطيع أن أعرف بأنهما يتحدثان عن الكتابة , هو روائي شاب قرأت له بعض النصوص . ويبدو أنهما ليسا في خلوة مقصودة فالبقية ستأتي .

كانت تتكلم أكثر منه وكان ينصت أكثر منها , أحياناً تأتي لحظة صمت بسيطة تدل على انتهاء موضوع فيرتشفان الشاي في انتظار فتح موضوع أخر .

شربت كأساً من الماء وأنا أقول لنفسي : يا للعجب !

صدف أن جاء إلى هذه الشلة مصور فوتوغرافي التقط عدة صور لهم , سوف أرى هذه الصور غداً أو بعد غد .

بعد صلاة المغرب قررت أن ترحل وأخذ هاتفها يرن وكان من يتصل هي أمها أو أبوها أو أخوها في الحقيقة لا أعلم ولكن أحد ما يقول لها : ارجعي إلى البيت .!

عندما بدأت تمشي وحدها عادت ملامح وجهها الجميلة كما أعرفها , ملامح بنت تشعر باتساع العالم وبأنه لا شيء في وقت واحد . ليس في قلبها شخص بعينه إنها ليست غارقة في الحب رغم أنها تتمنى ذلك !

الحب له قيمة كبيرة لمن يبحثون عنه .

عندما مرت بالقرب مني ,لم أنظر إليها ,لا أنظر إلى ما هو جميل لو كنت أشعر بأنه سوف يقتحم قلبي ويوجعه . أنظر مثل الزاهدين وأفكر مثل العشاق الحقيقيين .

حاولت أن أجعل هذه البنت شريرة لكني لم أستطع بالنسبة لي هي فتاة عادية جداً وهي تدرك بأنها عادية ولكن كلما ارتقت بوعيها أكثر أصبحت الحياة بالنسبة لها أمراً غريباً. في النهاية قالت : بأن كل شيء إلى عدم . فهل ستكون هناك بداية جديدة ؟

في الحافلة رأت طفلة صغيرة سمراء وجميلة صافحتها وأعطتها علكة وقالت لي : إنها طفلة جميلة !

قلت لها : معك حق . أشرت إلى المرأة الجالسة بالقرب مني بمعنى هذه أمها .

عندما رأتها بالكاد تمالكت نفسها من الدهشة والاستغراب كانت أم الطفلة أي زوجتي تشبهها كثيراً .

قلت لها : أنا أعلم بأنك تشبهين زوجتي كثيراً لكنك أصغر منها بعدة سنوات .

وكمن عادت إليه أنفاسه ونبضات قلبه والأمان الذي كان يشعر به قالت : نعم هي تشبهني كثيراً حتى ظننت بأني أحلم .

بكت الطفلة فناولتها لأمها : أنا أخبرتها عنك قلت لها : تسكن بالقرب منا بنت تشبهك كثيراً .

زوجتي لا يهمها الحوار الذي يجري بيننا تفكر في صدرها الذي يوجعها بسبب إدراره للبن ,ولعلها تفكر بأني قلت لها ذات مرة : لا شبيه لك ! لعلها لا زالت تعتقد بهذا حتى الآن .

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .

2 تعليقات

  1. vendeur de confiance adorable brazilian body wav https://www.youtube.com/watch?v=T6hp4Ndf7vU merci au contraire entier

  2. I got my betterscooter.com http://adf.ly/6249830/banner/www.scamadviser.com/check-website/betterscooter.com last year and so i fell in love! I actually put on all of them the amount of time! They’re extremely cool and also good! The difference is, roughly a month afterward, So i am disappointed. They have got shed his / her solidity to ensure the backs really are loose skin found extended so they happen to be Substantial about people these days. So i’m obtaining the Bailey Control key layout considering I can’t convey these kind of from now.

أضف تعليقاً