الرئيسية / العدد العشرون / « الرواية بعد رحيل ساحرها واقعيتنا السحرية» إلى أين؟

« الرواية بعد رحيل ساحرها واقعيتنا السحرية» إلى أين؟

1

 

مهاب نصر :

في كتابه «تأملات حول المنفى» يقدم إدوار سعيد لمشهد من أحد أفلام نجيب الريحاني. في المشهد يطل الريحاني من نافذة شقته صائحا صارخا، بسبب الطرق الشديد الذي يهوي على أذنيه من مطبخ الجار القاطن في الغرفة الأعلى.

وتقدم الكاميرا لوحة بانورامية لمشاهد لا علاقة درامية بينها، وشخصيات تختفي بمجرد ظهورها فيما يشبه «الاسكتشات».

يستخدم إدوارد سعيد هذا المشهد ليقدم تعليلا حاذقا لغياب أو إهمال فكرة التطور في الرواية العربية، فالزمن فيها لا يتراكم ولا يصل إلى ذروة، لكنه يتراص ويتجاور، كمشاهد مسرحية قصيرة، أو اسكتشات متعددة على خشبة مسرح واحد. زمن ممزق أو أزمنة تتشابك لا تصل بشخوص الرواية إلى لحظة تنوير، بل لا وجود للشخصية المتطورة فيها. بالطبع يبدو هذا حكما شديد التعميم وربما مجحفا، لكن سعيد يتقبل ذلك الحكم أو بالأحرى الاتهام الموجه إلى الرواية العربية من قبل باحثين غربيين، ولا ينفيه.

يعيد سعيد استثمار ما اعتبره الباحثون تهمة، ليقرأ من خلالها الطبيعة المختلفة للأمم التي وقعت تحت طائلة الاستعمار وأجبرت على نوع من الحداثة الهجين. تمثل الحداثة العربية قطعا متعسفا في التاريخ من دولة الخلافة إلى دولة الحداثة، من الاستقلال إلى الاستعمار، من العنترية إلى ضياع الأرض والوطن. يرى سعيد أن الروائي العربي وجد نفسه أمام واقع سريع التحول تتصارع فيه، في اللحظة الواحدة، قيم المدينة والريف، الحاضرة والبداوة، الدين والعلمنة، إلى غير ذلك من ثنائيات متناقضة. ومن ثم فإن هذا الروائي وجد أمامه مهمة أساسية ملحة هي تسجيل هذا الواقع المجزأ المتشظي، والتاريخ المكون من حزمة من الأزمنة.

ما يلفت النظر في تحليل ادوارد سعيد هو هذه الإشارة إلى غياب «الوعي التاريخي» بسبب من غياب أرضيته في الواقع، وهو ما يجعل هذا الواقع يبدو وكأنه غير مبرر «تاريخيا»، حافلا بالمشاهد السوريالية، ولماذا لا نقول «الواقعية السحرية»، التي يصبح سند الواقع فيها أوهاما وأساطير، وتصبح الأساطير واقعا يقود حركة الحياة.

التباس المفهوم

ربما كان ما سبق مفسرا بدرجة ما لهذا الولع العربي بماركيز، ولهذا الإجماع الذي حظي به بصورة منقطعة النظير.

ليس هذا فحسب بل إنك لو كتبت على محرك البحث جوجل «الواقعية السحرية في رواية..» ستجد كثيرا من الروايات العربية التي أسندت لها الصفة نفسها عن حق وعن غير حق، حيث يغفل الوصف الاختلاف بين الفانتازيا والرواية الغرائبية من جهة، وبين «الواقعية السحرية» من جهة أخرى.

ورغم أن ماركيز لم يكن كما هو معروف مبتدع الواقعية السحرية ، فهناك بورخيس وخوان رولفو وغيرهما، إلا إنه بسبب من «مائة عام من العزلة» تحديدا صارت الواقعية السحرية ذلك القالب الروائي الأكثر شهرة. والأهم صار دور الفانتازيا والحلم والكابوس والثيمات الأسطورية المحلية في الرواية أمرا شائعا.

وتقدم الباحثة أنجيلا بيلي مقارنة بين أشكال ملتبسة من التخييل الروائي الذي يلتبس بـ»الواقعية السحرية» منها الأعمال السحرية التي تشبه سلسلة قصص هاري بوتر للروائية ك.ج. رولينغ، حيث الخدع ومدارس السحر والتنانين. وهناك الخوارق والأعمال الروحية مثل فيلم «الحاسة السادسة». وتبقى الواقعية السحرية مختلفة وملتبسة أيضا.

الروائي الإنجليزي الهندي الأصل سلمان رشدي «الحائز على بوكر الإنجليزية» كتب في مقال نشره بعد رحيل ماركيز إن الناس حين تسمع كلمة «واقعية سحرية» فإن وعيها يتوجه بالأساس إلى «السحر» لا إلى «الواقع». يقول ذلك بنبرة تشبه الانتقاد، مؤكدا «لو كانت الواقعية السحرية ليست إلا مجرد سحر ، لكانت دون أهمية، ولكانت الكتابة مجرد نزوة، لأن أي شيء قد يقع دون أن يحدث تأثيرا».

فرشدي «الذي يعتبر غارسيا ماركيز أحد رواده في الواقعية السحرية» يعود إلى ما قبل الرواية، إلى ذلك المجتمع الذي أراد أن يكتب عنه ماركيز «ورشدي نفسه» يقول «في أعمال ماركيز كما في الهند وباكستان كان ولا يزال هناك صراع بين المدينة والقرية، وهناك هوة واسعة بين الغني والفقير، بين القوي والضعيف، وعظيم الشأن وصغيره.. كلاهما مكان له تاريخ استعماري عريق وفي كلاهما يحتل الدين أهمية عظمى.. عرفت كولونيلات وجنرالات غابرييل غارسيا، أو على الأقل نظراءهم من الهنود والباكستانيين . أساقفته كانوا «الملالي» الذين عرفتهم، وأسواقه كانت «بازارات» مدينتي.

يؤكد ماركيز نفسه، من جهة أخرى، في حوار صحفي على أنه لم يتعامل مع أي أسلوب روائي وكأنه اختيار أو تصميم مسبق، فما يقوده هو طبيعة الموضوع التي تفرض نفسها، ومن ثم يقوده الموضوع إلى الأسلوب الأمثل للتعبير عنه.

ويبدو ماركيز وكأنه يجمع في كلمة «الموضوع» أمرين مرتبطين هما: موضوع الرواية «حبكتها، زمنها، بيئتها» وبين الواقع الفعلي الملموس الذي تشير إليه بطريقة ما.

الرواية والهوية:

لكن ثمة صراعا والتباسا آخر يكمنان وراء «الواقعية السحرية». فمن جهة نرى إرادة «ماركيزية» شبه سياسية تعتبر الرواية حلقة من نضال وصوتا لشعوب أميركا الللاتينية التي تعرضت لأشكال وحشية من الاستغلال، والمعاناة في ظل الديكتاتوريات العسكرية.، وفي الوقت ذاته تقيم جسرا مضطربا مع «الغرب الثقافي» من خلال اكتشاف هوية جديدة للرواية التي تعتبر فنا غربيا بالأساس.

هناك ظروف وملابسات ثقافية وسياسية لهذا البحث عن الهوية. لقد جاءت محاولة اكتشاف بحث خاص في وقت ارتفعت فيه أشكال النقد لما سمي بـ»المركزية الأوروبية»، وما أشاعته من نظرة تعتبر الثقافة الغربية مقياسا بما تتضمنه من عقل منظم وأداتي تقدم على طريق التنوير، بالغاً حدوده في الأشكال المتطورة لإحكام الدولة والتصنيع الشامل وإدخال كل مفردات الطبيعة داخل عجلة رأس المال الممنهجة. هذا العقل نفسه وبطريقة عكسية تمثل في أعمال روائية تشبه«أو تعتمد» على نحو من التحليل والبحث عن منطق.

لذا ترتكز الرواية الأوروبية بعامة على الفرد، على الوحدة التحليلية الصغرى. حتى في أعمال «كافكا» الذي يعد واحدا من أهم من تأثر بهم ماركيز يظل الفرد في أعماله «المسخ» أو «القضية» أو غيرهما، ضحية الإذعان.

لقد تحولت مساعي الحقيقة منذ ديكارت ونيوتن إلى فضيحة ممثلة في السيطرة التامة على الإنسان. إن بطل كافكا هو مرآة للامنطق المنطق «إذا صح هذا التعبير الملتبس» أو تعبير عن انقلاب المنطق على الإنسان. الانمساخ في أعمال كافكا هو نوع من العقوبة على نسيان الكائن الإنساني، نسيان حريته وأحلامه وأصالة فرديته.

بالمقابل سوف نواجه في أعمال ماركيز بفكرة الحشد. حتى في حالة وجود أبطال رئيسيين يظل حضور المكان والبيئة طاغيا «رغم أننا لا نرى ذلك بشكل مفصل» من خلال استجابات الأشخاص وقناعاتهم التي تبدو منسجمة مع محيطهم.

إنهم لا يملكون عادة هذا العقل اليقظ المقاوم، هذه القامة المستوية، للبطل الأوروبي، إنهم مثل فلورينتينو أريثا بطل «الحب في زمن الكوليرا» منحنون قليلا، مصدقون لخيالاتهم وقناعاتهم إلى أبعد مدى، يستجيبون للحياة كما هي مطروحة عليهم، ولا يتخذون قرارات نابعة من نقد ذاتي أو وعي منقسم على نفسه. وهنا تكمن المأساة. مأساة من نوع مختلف بالتأكيد.

إن الانمساخ في روايات ماركيز هو محصلة تاريخ متشابك، هو حالة ثقافة لا فرد، وهو أيضا ذو طابع فكاهي، حتى لو بدا حزينا وبائسا لجهة ما. الإدانة فيه موزعة ليست لجهة سلطة فقط إنما لمنطق وثقافة وتاريخ معقد ومرير. الزمن هنا دائري والمصير مقرر من البداية. هنا أيضا لا تعود السلطة أو الجهاز البيروقراطي أو الأداتية المرعبة هي فقط مواضع الإدانة «إن كان ثمة إدانة» بل تصبح الخرافة جزءا من السلطة والأساطير والأوهام تسير يدا بيد مع التاريخ.

ثلاثة وجوه وروح واحدة:

مثلت الواقعية السحرية إذن نوعا من الرد الحضاري، وجد استجابات وتأويلات مختلفة ومتنوعة لكنها صبت في مكان واحد هو الانتصار لهذه الروح الجديدة.

أحد مسوغات هذا الانتصار ذو طابع أدبي عالمي، حيث شكلت الواقعية السحرية طريقا جديدة للرواية، بعد أن بلغت درجة من التعقيد والنخبوية والانفصال، وتحولت إلى هواجس مزعجة وتأملية.

والوجه الآخر جاء متوافقا على المستوى الحضاري بعامة مع يقظة الهويات ودعوات العودة إلى الخصوصية والاحتفاء بالثقافة الشعبية. لقد مهدت أفكار ما بعد الحداثة لمناخ ما عاد يؤمن بوحدة العقل وفق النموذج الأوروبي، أو حتى أي نموذج إنساني شامل. ومن ثم اعتبرت فلسفات ما بعد الحداثة أن الثقافات كيانات مستقلة لكل منها منطقها ومنظومتها القيمية والجمالية الخاصة، وأفضى ذلك بالطبع إلى ما أصبح يسمى أخيرا احترام الثقافات، الذي تحول بدوره إلى مطلب ووسيلة ضغط سياسي.

لكن ثمة وجها ثالثا يخصنا، أعني يخص منطقتنا العربية غير بعيد، في الوقت نفسه، عن الوجهين سالفي الذكر.

ولعلنا نذكر في هذا الصدد مجموعتين قصصيتين للروائي نجيب محفوظ أعقبتا هزيمة يونيو/ حزيران. المجموعتان هما «تحت المظلة» و»خمارة القط الأسود». بدا محفوظ في المجموعتين القصصيتين أكثر ابتعادا عن الواقع، مغرقا في السوريالية والترميز.

قصة «تحت المظلة»، التي تضمنتها المجموعة التي تحمل الاسم ذاته، كانت تصور مشهدا بانوراميا أقرب إلى الجنون: لصوص وجرائم، وشرطة تقتل المواطنين اللائذين بمحطة للحافلات، استعراضات مخبولة وفضائح وتعرٍ أمام الجمهور، وسؤال ملح يتكرر من قبل المواطنين الذين يقع المشهد أمامهم: هل هذا فيلم؟ .. أين المُخرج؟.

فالحقيقة أو الواقع صارا أبعد من الخيال، ونقد الواقع صار غير ممكن إلا بأن يكون السرد انعكاسا لحالته اللاواقعية إذا صح التعبير.

كانت الواقعية مصاحبة لمرحلة صعود للفكرة الوطنية، واقعية نقدية في الغالب تريد أن تتخلص من أمراض الماضي ولديها شيء من ثقة في المستقبل. لكن الهزائم المتتالية لما يسمى بالمشروع الوطني، مع بقاء الاستبداد صيغة وحيدة وعارية من المصداقية تلاه رواية انكفاء على الذات، رواية مثقف أو مناضل في مواجهة السلطة. حافظت هذه الرواية على تأثرها بالرواية الغربية في أشكالها الحداثية. وحافظت أيضا على صورة للفرد البطل، وإن كان تحت اسم «البطل الضد».

كان هناك زمن واضح أمام السارد في ذلك الوقت، يبدو السارد وكأنه يعلق على هامشه أو يستعيده بطريقته بعين أبطاله. لكن وحدة السرد أفلتت مع وحدة التاريخ. لم يعد صوت البطل الفرد مقنعا، ولا هواجسه أو أحلامه الرمزية، أو صار هذا الصوت عسير الالتقاط جدا وسط بحر من الاضطرابات.

حل الميل الشعبوي التسجيلي محل البطل المثقف، وأصبح هناك ما يسمى الاحتفاء بالمهمشين «وهو في حد ذاته تعبير حديث في العربية ويعادل بكيفية ما حديث السياسيين الغربيين عن حقوق الأقليات».

جيل جديد:

في مقاله التأبيني بعد رحيل ماركيز يروي سلمان رشدي عبارة قالها له الروائي المكسيكي كارلوس فوينتس: «لدي شعور أن كتاب أميركا اللاتينية لا يمكنهم استخدام كلمة «عزلة» مرة أخرى» إشارة بالطبع إلى «مائة عام من العزلة».

ويحكي رشدي أيضا عن جيل جديد من روائيي أميركا اللاتينية المهمين مثل روبرتو بولانيو الذين يرفضون بحسم واقعية ماركيز السحرية.

لكن هذه الواقعية السحرية كانت قد بلغتنا متأخرة، كما أنها مثلت رواية انكفاء على الذات وتكريس للانفصال عن الحراك العالمي، بدلا من كشف علاقة المواطن المهمش أو البسيط في بلادنا بما يدور في أروقة الساسة العالميين، بدلا من تقديم تهميشه على أنه نوع من الانتصار، نوعا من إبدال هزيمة ساحقة في الواقع ببطولة أسطورية في رواية تقرأها في قطار أو طائرة، ثم تتركها لتواجه مصيرك وحدك

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً