الرئيسية / احدث التدوينات / الزمان المضاد للإنسان 2-2

الزمان المضاد للإنسان 2-2

محمد صالح

بقلم: محمد سيف الدولة صالح

      من المؤكد أنَّ تراكم وانفجار التجلي المأساوي لكل ما ذكرتهُ في الجزء الأول من هذه الكتابة، أضافةً للعواملِ والمشكلات الأُخرى التي وردت في سياقِ تناولي لتأريخِ سلطنةِ الفونج تمَّ ببطءٍ لم يخلو في بعضِ حالاته من العنف، ثمَّ تصاعدَ عبر انعطافاتٍ وتقلباتٍ عاصفة وهادئة تماماً كما مسيرة الأنهار الطويلة؛ حيث حفرَ بدأبٍ لا يكلَّ مجراهُ الفادحَ المآلات والذي صبَّت فيه كل نُهيرات الصراع الدامي على السلطةِ والشَّره الجامح لاكتناز الثروة، والسعي الذي لا يهدأ لانتهازِ الفرص وتبديل المواقف. لكنَّ كل ذلك لا يعني عدم وجود محاولات بَذلت ما وسَعها حسب أمكانية زمانها لالتزامِ الخير والانحياز للضعفاء. ولعلَّ بعضها أنطلق من مؤسسة الفُقرا؛ حيث تبنى العديد منهم الزهد والتقشف والابتعاد عن أبواب السلاطين، وأصحاب النفوذِ والثروات. كما تحولوا لمراكز لحمايةِ الضعفاءِ إلا أنَّ تشابك العوامل التي أدت لسقوطِ دولة الفونج فيما بعد وتعقدها ساهم في خلقِ واقعٍ بائس توفرت فيه معظم شروط الزمان المضاد للإنسان؛ حيث أُعيد في هذا الواقع إنتاج كل شيء بشكلٍ مُشوه: بدءاً بالدينِ وجميع حزمِ الأخلاق والقيم، وانتهاءاً بمظاهر عزَّ سلطنة الفونج المتمثلة في مراسيمِ التنصيب والكرنفالات العديدة التي درجت سنَّار على إقامتها، لكن بصورةٍ تفتقد الجدوى ومغذى احتفاء الناس بها، حيث تحولت لمجرد مشاهدٍ هزلية في مسرحٍ عبثي، ذات الأمر لحق بتقاليدِ البلاط، وبمقتضياتِ الفروسية، وقيَّم النبلاء، والتراتيبة الصارمة للكيان الاجتماعي للفونج، كما أُصيبت الأسواق بالفوضى والجشع، وتضرَر النظام الدقيق لفرقِ الجيش؛ حيث تحولَ ولاءَ الجنود لأمراءِ الحرب، وصارت فِرق الجيش سبباً من أسبابِ عدمِ الاستقرار، كما توالت نُدرة الذرة وتأثر بذلك انسيابِ التجارة.

      لكأنما داءٌ غامض أستشرى في كامل بدن السلطنة وسيطر على كُلِ مفاصلها، حيث لم تتبقى خلية من خلاياها بمنجاةٍ من أثارهِ وعوارضهِ المُعديِة، وأستهدف الداء أكثر ما أستهدفَ الأمان؛ فتعطَّل الإنتاج، وصار ما تبقى من سلطةِ سنِّار بلا موارد، لدرجةِ أنَّ أقرب أقرباء رجل سنَّار القوي “ود علان” الذين تعود على إرسالهم لجبايةِ الضرائب كانوا يُحولون حصيلتها لمصلحتهم الخاصة، بينما واجه النَّاس، وتحديداً الشرائح المُنتجة والفقيرة والأرقاء والمجتمعات التي تنقصها القوة العسكرية، وضعاً قاسياً، فبعد تحلل علاقات الإقطاع، وتضعضع وانهيار النظام المعيشي (الإكتفائي)، وسيطرة أقبح عناصر التجار ذوي الصبغةِ الإسلامية على مقاليد الاقتصاد الشائه الذي تسبب في تقويض النظام المعيشي القديم – هذا قطعاً لا ينفي وجود مجتمعات عاشت تحت ظلِ نظام الإقطاع الإكتفائي، لكنها بذاتِ الوقت بقيت عُرضة لغارات أمراء الحرب، ولكلِ ما يُمليه منطق القوة والنفوذ من عسفٍ وتعدي  – ولقد كان لهذا التباين والتشوه في أنماطِ الاقتصاد أثرهُ المُدمر على الحياةِ السياسية والاجتماعية والروحية والاقتصادية للناس، ومن الراجح أنهُ ساهم في إفراز ظواهر سالبة كما فرَّخَ شرائح اجتماعية ليست ذات علاقة بالإنتاج في أي وجهٍ من وجوهه العديدة، ومهما كان منشأ هذه الشرائح سواء كانت من شريحةِ التجار، أو من المحتكرين للقوتِ الغالب لأهل السلطنة، أو من الذين ربطوا مصالحهم بالقوى المنافسة لسنِّار وأقاليمها ( الحبشة، الفور… إلخ)، أو من شرائح الطبقة الوسطى، أو من فئاتِ النشاطِ البضائعي الصغير، أو من المرابيين والمستفيدين من حاجةِ الناس للنقود، أو من ضباطِ وجنود فرق أمراء الحرب، أو من نَّهازي الفرص الذين يلعبون بحجر القوة وبيضةِ النفوذ، وبرغمِ الوسائلِ الملتوية التي لجأت لها هذه المجموعات لتحقيق ذُخرها ومراكز قوتها إلا أنَّ قيم المجتمع القديمة وحزمهُ الأخلاقية لم تتغير مباشرةً بعد صعودها لمواقعِ النفوذ والثروة، بل بقيت تُصارع لزمن أطول، حيث بهدوءٍ كامل وكما فعلِ عُشبةِ البودة١ وسعي دابة الأرض (الأَرضَةْ) ومثلما قال الشاعر المجيد “محمد طه القدال” في قصيدتِهِ “طواقي الخوف”:

مكوار حبس مياهو

عِطشت قبايل آبقوتة

البُودة في خلاهو

والأرضة في بيوتا

      أُفرغت قيم المجتمع القديمة من محتواها، ولم تبقى غير قشرتها الخارجية، تماماً كما صار ريع٢ السلطنة وعائد مُنتجِيها يذهب لمصالحِ فئات لا تستند إلا على النفوذ والقوة، ذلك بينما أخذت القِيم التي أفرزها تشظى وانقسامات سلطنة الفونج، إضافةً لتحلل نظام الأقطاع، وقتها المعلوم حيث ملأت الفراغات وعبأت الأجواء بروائحها الكريهة، في البدايةِ ورويداً رويداً تراجعت مسؤولية السلاطين والولاة والإقطاعيين في سدِّ حاجة الناس والجنود للذرةِ (الغذاء الرئيسي) في أزمنةِ النُدرة ومواسم الجفاف حتى اختفت، ثُمَّ صارت إحدى المحاصيل النقدية بعد أن دارت لزمانٍ طويل في فلكِ النظام الاكتفائي، انتفاءَ هذه المسؤولية ودخول الذرة السوق ألحقَ ضرر بالغاً بمستهلكيها ومنتجيها على حدِّ سِواء، لكنهُ بذاتِ الوقت حققَ نفعاً وثراءاً كبيرين لفئاتٍ ليست ذات أي علاقة بالإنتاجِ، وهكذا أصبح الحال في مجالاتِ الرعي والجمع والتعدين البدائي، ثُمَّ صار الإنتفاع الطُفيلي من ريعِ السلطنة، أو من مصادرها الطبيعية، أو من إنتاجِ المنتجين مبدأً في حدِّ ذاتهِ، وأصبحَ للمُنتفعين نفوذ وقوة لا يمكن تجاوزهما، واكتملت الدائرة الجهنمية بالنزاعات التي لا تنتهي حول السلطة في كُلِ مكان، حتى صار فَرقَ الشقاء ما بين ضِعافِ الناس الذين بلا حمايةٍ، أو تحتها المشروط بالأتاوات، أيً كان نوعها، سواء انتسابِ لجهةٍ أو لقبيلةٍ أو عشيرة أو مقابل مالي أو عيني، فرقاً نسبي، إذ وصلَ السلام الاجتماعي والأمان الفردي كمعنيين وجوديين مهمين لأوهنِ حالاتهما، كما أنسدَّ أُفق الآمال الشخصية والعامة، وتحولت الحياة لعبءٍ ثقيل، حيث تعقدت فيها، وصَعِبت أبسط احتياجات الإنسان، وزادت حيرةَ الناس، فاشرأبت أعناقِهم بحثاً عن مُنقذٍ يأتي من خارجِ دائرةِ فعلِهم، وضاقت الأرض التي رحبتهم من قبل.

     لم أتحصل على دراساتٍ تناولت أو حتى أشارت بتفاصيلٍ كافية للأثارِ التي ترتبت على تصفيةِ القيم الثقافية والروحية والحياتية لمملكة علوة المسيحية، ثُم بداياتِ الاتجاه المتسارع للاعتدادِ بالانتسابِ للأصلِ العربي وبروز ثُمَّ تنامي النعرات العنصرية والاستعلاء العرقي الذي يزدري بالأصول الحقيقية لسكان أقاليم الفونج المختلفة، ويُميز الناس على أساسِ أعراقهم وجهاتهم. وفي تقديري أن ذلك ساهم في إنشاءِ مراكز جغرافية جديدة للصراعِ الاثني تحول طرفها القوي من جنوب السلطنةِ لشمالها، حيث صار الصراع داخل السلطنة نفسها لكنه من المؤكد أنَّ تصفيةَ قيمَ علوة الثقافية وما سبقتها من ممالك سودانية عمَّق مشاعر وأحاسيس غبن وغربةَ الكثير من الناس، وتحديداً الطبقات الفقيرة والأرقاء، وكل من ليس لَهُ قُدرة قوية على محاججات إثبات أصولهِ العربية، كما خَلَقَ نوعاً من حالاتِ الاستلاب والتهميش وعقَّد علاقة ارتباطِ العرق بالدينِ، وزاد من مستوى ودرجة حدَّةَ الانقسام الطبقي القائم أصلاً في سلطنةِ الفونج، إضافة إلى أنَّ الانتماء العرقي أصبح مقاساً تُحدد بهِ مستويات التدين، ما بين دينٍ صحيح وآخر مازالت تشوبه أثار الوثنية، ذلك لا ينفي أن المقاربة لهذه الإشكالية في بعضِ الأحايين كانت تَتمَّ وفق نظرة المدرسة الصوفية المتعايشة بسلامٍ مع أثارِ المعتقدات القديمة، إلا أنَّ تزايد سطوة الفقهاء ثمَّ تنامي عقلية الاستعلاء العرقي والديني أحدثت شرخاً كبيراً في فكرةِ الهوية، رغم أوليتِها وعدم تموضُعِها وبروزها الكافي في ذلك الزمان، وقبل أن أفارق هذه النقطةِ المهمة أودَّ الإشارة لأمرين ضروريين:

     الأول: يرجع للحقب التي سبقت تبني سلطنة الفونج للطريقة العربية الإسلامية في توريثِ المُلك؛ حيث كانت مكانة الناس الاجتماعية ( كما في ممالك أُخرى كثيرة ) تُقاس بأسمائهم، والشاهد أنَّ الشرائح العُليا والنبلاء حازوا على أسماء حصرية مثل عدلان ودكين… إلخ. كما عُرَّفت عناصر الطبقة الوسطى بأسماء كعبدالله، آدم، حمّاد، هاشم… إلخ بينما أنفرد العامة بأسماء مثل عطا، دلقو، كمير، قدورة… إلخ، أما الأرقاء فلقد فُرضت عليهم أسماء مثل صَبُر، نعمة، طيب العشرة… إلخ٣.

     الثاني: انطواء تبني التسلسل الإسمي عن طريق الأب ( الذكور ) على تعقيداتٍ جمَّة، وإشكالاتٍ عديدة، وما يهمني بالتحديد أثرهُ الفادح على عامةِ الناس، وشرائح الأرقاء؛ حيث تسبب تطبيقه ومن ثَمَّ انطلاق حمى الافتخار والاعتزاز بالنسب العربي في إضافةِ المزيد من عذابات التمييز ونعرات الاستعلاء العرقي والازدراء الاجتماعي بهذه الفئات صاحبة القدرة المنعدمة، أو الإمكانية الضعيفة على شراء أو تبني شجرة نسبٍ تحميها من شرور العيش في الدركِ الأدنى لتراتيبةِ سلطنة الفونج الاجتماعية، أضف لذلك اعتبار العربية لغة مقدسة تُعطي متحدثيها ومن يكتبونها أوضاعاً تميزهم عن الأخرين، ومن هنالك أبتدأ الحط من قدرِ قيمةِ وعظمةِ لغاتِ شعوب البلاد القديمة، ووصل الأمر في أزمانٍ لاحقة حدِّ محاربتها والسخرية من المتكلمين بها، ومن المؤكد أن اعتماد العربية كلسانٍ وحيد عمَّق مستوى التهميش وزاد من مشاعر الغربة والظلم.

      المتمعن في الحقبةِ الأخيرة لسلطنة الفونج سيُلاحظ أن تشابك العوامل التي أدت لسقوطها على أيدي الأتراك تسببت أيضاً في إضعافِ قُدرة قواها السياسية والاجتماعية المختلفة على مجابهةِ الغزو؛ حيث لا أثر لمقاومةٍ تُذكر غير رسالة ود عدلان الغاضبة٤، ولقد مثَّل عندي خطاب “المانجل الكبير” ذروة المأساة، وبلغةِ أخرى كان مبتدأها وقمتها ومنتهاها، استعرضت وحللت في جزءٍ سابقٍ من هذه الكتابة كل ما أحاط بالوزير ود علان، صعوده ثَمَّ مقتله على إيدي القوى التي فتحت أبواب سنَّار للغازي، وحولت صفقة استسلامها الحتميةِ السلطان “بادي السادس” ذو الوجودِ الإسمي الباهت، لمجرد شيخ يجبي ضرائب سنَّار كي يُسلمها للأتراك، برغم ذلك بقيت رسالة ود عدلان الغاضبة في كُتبِ التأريخ، ووصل الولع بها حدَّ تضمينها مناهجنا الدراسية، وفِي زحمة انبهارنا بلهجةِ تحدِّيها التي طالما جلبت لنا مشاعر العزَّة والفخر أسقطنا دروس وعِبر في غايةِ الأهمية:

     أولها: أنَّ عُزلة ود علان، والحروبات الدائرة حول السلطة والنفوذ، ثُمَّ قلة حِيلة السلطنة وناسها وضعفهم البائن أمام كل شيء، إضافةً للمعلومات المُضخمة حول حجم الجيش الغازي وقوته، ثُمَّ تضافر كل هذه العوامل وتسببها بشكلٍ مباشر في خلقِ شعور عام من عدم اللامبالاة والاستسلام مع السعي للخروجِ بأقل الخسائر، كما أنَّ لجوء المانجل الكبير للفُقرا والأولياء لنصرتهِ، زاد الوضع سوءاً ومأساوية، في مقابلِ شحذِ عزيمة الناس وبنيانِ مقاومةٍ حقيقية على الأَرْضِ.

      ثانيها: وصول التقلب في المواقفِ والانتهازية لأسوأ مستوياتِها، مثال: تبديل وتغيير الوزير الأرباب دفع الله٥ لمواقفهِ؛ حيث لعب في السنوات الثلاثين الأخيرة من عمر السلطنة على حبالِ كل التحالفات والصراعات حتى انتهت بهِ وصوليته ونفعيته حدَّ مفاوضةِ أسماعيل باشا حول شروط الخضوع.

      ثالثهما: ذوبان كل شيء من الأمجاد القديمة، عصور الفروسية، وكل معاني عزَّتها وأجواء وثقافات البلاد القديمة، أضافة لنخوةِ وحِمية التصدي للغازي في ثُقبِ السقوط الأسود، بينما نهضَ لوحدهِ خطاب ود علان النَّاري، كما طائر أسطوري، حيث صرفت بهجةَ تحليقه المُتَوهَم أنظارنا عن رؤيةِ رماد الحرائق العديدة.

      يقودني كل هذا للقولِ في خاتمةِ كتابتي هذي أنَّ الأزمنة المضادة للإنسان، بجانب مُصادرتها لحقِنا في الأمان والحياة الكريمة وتُقويضها لأساسِ وجودنا واستلابنا وتُمييزنا على أساسِ أعراقنا أو ألسنتنا أو أنواعنا أو جهاتنا في الأرض أو أدياننا أو أوضاعِنا الاجتماعية، تُفقدنا أول ما تُفقدنا المعنى الإيجابي لإنتماءِنا لحيزها المكاني والزماني، وتُوهِن قدرتنا على مقاومة المهددات التي تُحيق بنا وبها أيً كان سببها، سواءً كانت كوارث طبيعية، أو أعداء خارجيين أو داخليين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

١/ البُودة: عُشبةِ طُفيلية من أخطر الآفات الزراعية. تنمو مع الذُرة؛ حيث تحوز علي كل المياه التي حولها، ويُصعب التخلص منها يدوياً، وبسببها يفشل المحصول. أما إذا أستفحلت وأنتشرت فلا حلَّ غير حرث الأرض، وتركها لعُدةِ سنوات حتى يمكن القضاء عليها، وتتميزِ بعناد واصرار شديد على النمو والمُدهش أنها جميلة الشكل.

٢/ الريع أو الاقتصاد الريعي: هو الاعتماد على مصادر غالباً ما تكون طبيعية، وليست بحاجة لآليات إنتاج معقدة، سواء كانت فكرية أو مادية، كمياهِ الأمطار أو غيرها من مصادر مُشابهة، حيث تستحوذ السلطة الحاكمة على هذا المصدر، وتحتكر مشروعية امتلاكه، توزيعه، وبيعه.)* “ويكيبيديا ، الموسوعة الحرة”.

٣/ عصر البطولة في سنَّار ص ١٧٨/١٧٧ “جاي سبُولْدِنْق”.

٤/ “لا يَغرنَّك انتصارك على الجعليين والشايقية، فنحن هنا الملوك وهم الرعية، أما علمت بأن سنَّار محروسة ومحمية بصوارم قواطع هندية، وجياد جُرد أدهمية، ورجال صابرين على القتال بكرة وعشية”.

٥/ الأرباب دفع الله: أفردت لَهُ جانب من كتابتي التي تناولت تأريخ سلطنة الفونج.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة