الزنزانة رقم 1

14808824_1587819017910335_761067435_o (2)

 

• تأليف : تشيمامندا نغوزي أديتشي
• ترجمة : محمد منير الأصبحي

أول مرة سرق فيها بيتنا كان جارنا أوسيتا هو الذي تسلق ودخل من نافذة غرفة الطعام وسرق جهاز التلفزيون ومسجل الفيديو وشريطي الفيديو “المطر البنفسجي” و”المثير” اللذين عاد بهما والدي من أمريكا. والمرة الثانية التي سرق فيها بيتنا كان أخي نامابيا هو الذي قام بتزوير اقتحام المنزل وسرق مجوهرات والدتي. حدث ذلك يوم أحد. كان والدي قد سافرا إلى مسقط رأسيهما ليزورا أجدادنا، لذلك ذهبت أنا ونامابيا إلى الكنيسة وحدنا. كان يقود سيارة أمي الخضراء من طراز بيجو ٥٠٤ . جلسنا معاً في الكنيسة كما كانت عادتنا، لكن لم يتسن لنا الوقت ليلكز أحدنا الآخر ونخنق ضحكاتنا حول قبعة بشعة أو قفطان مهترئ، لأن نامابيا غادر دون أي كلمة بعد عشرة دقائق. وعاد تماماً قبل أن يقول القسيس: “انتهى القداس، اذهبوا بسلام.” كنت مستاءة قليلاً، إذ أنني تخيلت أنه ذهب ليدخن أو ليقابل إحدى الفتيات، بما أن السيارة كانت تحت تصرفه، لكن على الأقل كان من الممكن له أن يخبرني. توجهنا إلى البيت في السيارة صامتين، وحين أوقفها في مدخل السيارات الطويل الخاص بمنزلنا، تخلفت لألتقط بعض زهور الإكسورا. بينما كان نامابيا يفتح الباب. دخلت ووجدته واقفاً في منتصف الصالون.
قال: “لقد سرِقنا.”

تطلب مني الأمر لحظة لأستوعب منظر الغرفة. لكن حتى في ذلك الوقت شعرت بوجود صبغة مسرحية في الطريقة التي فتحت الدروج فيها إلى آخرها. أو ربما أنني ببساطة كنت أعرف أخي معرفة جيدة جداً. فيما بعد، حين عاد والد ي إلى البيت وبدأ الجيران يتوافدون ليقولوا ندو (آسفين)، وليطقطقوا بأصابعهم ويرفعوا أكتافهم ويخفضونها، جلست وحدي في غرفتي في الطابق العلوي وأدركت ما هو الشعور بالرغبة في التقيؤ ما في أحشائي: إنني أعرف أن نامابيا هو الذي فعلها. وأبي كان يعرف أيضاً. فقد أشار إلى أن أباجور النافذة فُتِح من الداخل وليس من الخارج (نامبيا يكون عادة أذكى من ذلك – ربما كان في عجلة لأن يعود إلى الكنيسة قبل انتهاء القداس)، وأن السارق عرف بالضبط أين توجد مجوهرات أمي: في الزاوية اليسرى الخلفية من صندوق معدني. حدق نامابيا بأبي بعينين مجروحتين وقال إنه قد يكون فعل أشياء شنيعة في الماضي، أشياء سببت الألم لوالدي، لكنه لم يفعل شيئاً في هذه المسألة. خرج من الباب الخلفي ولم يعد إلى البيت تلك الليلة. أو الليلة التالية. أو الليلة التي بعدها. بعد أسبوعين أتى إلى المنزل، نحيلاً تفوح منه رائحة البيرة، وهو يبكي ويقول إنه آسف، وإنه رهن المجوهرات لدى التجار الهوسا في إنوغو وأن المال كله قد نفذ.

سألته أمنا: “كم أعطوك مقابل مصاغي الذهبي؟” وحين أخبرها وضعت كلتا يديها على رأسها وصاحت: “آه! آه! تشي م إيغوبو م! إلهي قد قتلني!”
أردت أن أصفعها. طلب أبي من نامابيا أن يكتب تقريراً: كيف رهن المجوهرات، وكيف صرف النقود، ومع من أنفقها. لم أعتقد أن نامابيا سيذكر الحقيقة، ولا أعتقد أن أبي اعتقد أنه سيفعل ذلك، لكنه يحب التقارير، أبي الأستاذ الجامعي، كان يحب أن تُكَتب الأشياء وتوثق بشكل لطيف. إضافة إلى ذلك، كان نامابيا في السابعة عشرة، وله لحية يعتني بها كل الاعتناء. كان في المرحلة بين المدرسة الثانوية والجامعة، وهو أكبر من أن يضرب. فما الذي كان يمكن لأبي أن يفعله غير ذلك؟ بعد أن كتب نامابيا التقرير حفظه أبي في الخزانة الحديدية في مكتبه حيث يحتفظ بأوراقنا المدرسية.
“أن يستطيع إيذاء أمه بهذا الشكل!” كان آخر شيء قاله أبي حول الموضوع.

لكن نامابيا لم يقصد أن يؤذيها. لقد قام بفعلته لأن مجوهرات أمي كانت الشيء الوحيد الذي له قيمة في المنزل: تجميع للقطع الذهبية الخالصة استغرق حياة بأكملها. كما قام بها أيضاً لأن غيره من أبناء الأساتذة الجامعيين يقومون بفعل الشيء نفسه. هذا كان سبب السرقة في مدينتنا الجامعية الهادئة. الصبيان الذين نشؤوا وهم يشاهدون برنامج “افتح السمسم” ويقرؤون “إنيد بلايتون” ويتناولون رقائق الذرة في وجبة الفطور ويدرسون في المدرسة الابتدائية الخاصة بالعاملين في الجامعة وهم يلبسون صنادل بنية، كانوا الآن يقطعون الشبك المانع للبعوض على نوافذ جيرانهم ويفتحون أباجورات النوافذ ويتسلقون ويدخلون ليسرقوا أجهزة التلفزيون ومسجلات الفيديو. كنا نعرف اللصوص. ومع ذلك حين يتقابل أساتذة الجامعة أحدهم مع الآخر في نادي العاملين بالجامعة أو في الكنيسة، كانوا يحرصون على التحسر حول الحثالة من البلدة الذين يأتون إلى مدينتنا الجامعية المقدسة للسرقة.

كان السارقون من الصبيان هم الذين يتمتعون بالشعبية. كانوا يقودون سيارات آبائهم وأمهاتهم في المساء، ومقاعدهم مدفوعة إلى الخلف وأيديهم ممدودة لتصل إلى عجلة القيادة. كان أوسيتا جارنا الذي سرق جهازنا التلفزيوني قبل أسبوعين فقط من سرقة نامابيا، رشيقاً ووسيماً بطريقة لا تخلو من التأمل الحزين، وكان يمشي برشاقة القطط. كانت قمصانه دائماً مكوية بشكل نضر. وكنت أراقبه من فوق السياج، ثم أغمض عيني متخيلة أنه يسير نحوي، آتياً ليطالب بي على أنني ملك له. لكنه لم يلحظ وجودي قط. وحين سرق من بيتنا، لم يذهب والدي إلى منزل الأستاذ إبوبي للمطالبة بإعادة أشيائنا. لكنهما عرفا أن السارق هو أوسيتا. كان أوسيتا أكبر من نامابيا بعامين؛ معظم الصبية السارقين أكبر من نامابيا وربما كان ذلك هو السبب في أن نامابيا لم يسرق من منزل شخص آخر. من المحتمل أنه شعر أنه لم يكبر بما يكفي، ليس مؤهلاً بما يكفي، للقيام بأي شيء أكثر جدية من مجوهرات أمي.
نامابيا يشبه أمي تماماً – بشرته بيضاء وعيناه كبيرتان، وله فم سخي ذو استدارة كاملة. حين كانت أمي تأخذنا إلى السوق، كان التجار يصيحون قائلين: “يا سيدتي، لم تضيعين بشرتك البيضاء على صبي وتتركين البنت سمراء بهذا الشكل. ماذا يفعل صبي بكل هذا الجمال؟” وكانت أمي تقهقه وكأنها تتحمل المسؤولية العابثة والسارة عن قسمات نامابيا. وحين قام نامابيا في سن الحادية عشرة بكسر زجاج صف المدرسة بحجر، أعطته أمي النقود لاستبداله ولم تخبر أبي. وحين أخذ بعد بضع سنوات مفتاح سيارة أبي وضغطه فوق لوح من الصابون ووجده أبي قبل أن يتمكن نامابيا من أخذه إلى صانع للمفاتيح، أصدرت أصواتاً مبهمة حول كيف أنه كان يقوم بتجربة فقط وهي لا تعني أي شيء؟ وحين سرق أسئلة الامتحان من مكتب أبي وباعها لطلابه، صرخت في وجهه، لكنها بعد ذلك قالت لأبي أن نامابيا في الواقع في السادسة عشرة من عمره ويجب حقاً أن يعطى مصروفاً أكبر.

لا أدري ما إذا كان نامابيا شعر بتأنيب الضمير لسرقة المجوهرات. وكنت لا أستطيع دائماً من رؤية وجه أخي المهذب المبتسم معرفة كيف يشعر في الحقيقة. وأنا وهو لم نتحدث عن الموضوع، وكذلك لم يتحدث عنه والدي. ورغم أن أخوات أمي أرسلن أقراطهن الذهبية لأمي، ورغم أنها اشترت سلسالاً ذهبياً جديداً من السيدة موزي – المرأة الفاتنة التي تستورد الذهب من إيطاليا – وبدأت تذهب إلى منزل السيدة موزي مرة كل شهر لتدفع لها بالتقسيط، فإننا لم نتحدث عما حصل لمجوهراتها. وكأننا من خلال التظاهر بأن نامابيا لم يفعل الأشياء التي فعلها يمكننا أن نعطيه فرصة للبدء من جديد. وكان من الممكن ألا تُذكر مرة أخرى لولا أنه جرى القبض على نامابيا بعد سنتين أثناء عامه الثاني في الجامعة.

في ذلك الوقت كان الموسم موسم الجماعات المتطرفة، حيث انتشرت لافتات في جميع أنحاء الجامعة بحروف كبيرة: “قل لا للجماعات المتطرفة.”
الأكثر شهرة كانت الفأس السوداء والقراصنة وقراصنة البحار. كانت في البداية جمعيات إخاء جامعية سليمة، لكنها تطورت، والآن كان الشبان الذين يبلغون الثامنة عشرة والذين أتقنوا المشية الشائعة في أشرطة فيديو الأغاني الكلامية “الراب”.. يخضعون لطقوس سرية للدخول في العضوية تنتهي في بعض الأحيان بموت أحدهم على تل أوديم. كما شاعت المسدسات والولاءات التعذيبية. يكفي أن ينظر أحد الفتيان شزراً لفتاة يتبين أنها صديقة كابوني “زعيم” من الفأس السوداء، لأن يطعن ذلك الفتى في فخذه حين دخوله إلى كشك لشراء سيجارة. ثم يتضح أن الفتى من القراصنة، لذلك يمضي أحد رفاقه في المجموعة إلى مشرب بيرة ويطلق الرصاص على رِجل أقرب عضو من الفأس الذهبية، ثم في اليوم التالي يطَلق الرصاص على عضو آخر من القراصنة ويسقط قتيلاً في قاعة الطعام، ويسقط جسده على أطباق من الألمنيوم مملوءة بالغري، وفي ذات المساء ربما يضرب عضو في الفأس الذهبية، يكون ابنا لأستاذ في الجامعة، حتى الموت، ويتناثر الدم فوق جهاز الأقراص المدمجة الخاص به. كان الأمر ينم عن تفاهة وفراغ. وكان شاذاً إلى درجة أنه تحول بسرعة إلى وضع عادي. كانت الفتيات يبقين في غرفهن بعد دروسهن، والمحاضرون يرتجفون، وحين يعلو صوت الذبابة أكثر من المعتاد، يقفز الناس. لذلك استدعيت الشرطة. وقد ساروا بسرعة عبر المدينة الجامعية بسيارتهم الزرقاء من طراز بيجو ٥٠٥ ، وحملقوا بالطلاب، ومسدساتهم الصدئة تطل من نوافذ سيارتهم. عاد نامابيا من محاضراته وهو يضحك. ففي اعتقاده أن على الشرطة التصرف بشكل أفضل، فالجميع يعرفون أن فتيان الجماعات المتطرفة لديهم مسدسات أحدث.

راقب والدي نامابيا بقلق صامت، وكنت أعرف أنهما هما أيضاً يتساءلان عما إذا كان في جماعة متطرفة. فقد تمتع فتيان تلك الجماعات بالشعبية، وكانت شعبية نامابيا كبيرة. كان الصبيان ينادونه بلقبه “ذا فنك” – النيغا – ويصافحونه كلما مروا به، وكانت الفتيات، وخاصة اللواتي يتمتعن بشعبية، يعانقنه عناقاً طويلاً حين يحيينه. كان يحضر جميع الحفلات: المعتدلة في المدينة الجامعية والأكثر صخباً وجموحاً في البلدة، وكان من نوع فتى النساء الذي يكون في الوقت نفسه رجلاً للرجال، النوع الذي يدخن علبة روثمانز في اليوم ويتمتع بصيت أنه يستطيع شرب صندوق كامل من بيرة ستار في جلسة واحدة. لكن كان يبدو أن أسلوبه يميل أكثر لمصادقة جميع فتيان الجماعات المتطرفة دون أن يكون واحداً منهم. ولست متأكدة ما إذا كان أخي يمتلك المطلوب – الجرأة أو عدم الثقة – للانضمام إلى إحدى الجماعات.

في المرة الوحيدة التي سألته فيها ما إذا كان ينتمي إلى مجموعة متطرفة، نظر إلي بدهشة، كما لو كان يجب أن أكون على معرفة لا تحيجني للسؤال، قبل أن يجيب: “بالطبع لا.” وقد صدقته. وصدقه أبي أيضاً حين سأله. لكن تصديقنا له لم يحدث تغييراً كبيراً، لأنه كان قد قُبِض عليه بتهمة انتمائه إلى إحدى الجماعات.

والطريقة التي حدث فيها ذلك هي التالية. في يوم مفعم بالرطوبة، انتظر أربعة أعضاء في جماعة ما في مكمن وهاجموا أستاذة جامعية تركب سيارتها المرسيدس الحمراء. سحبوا مسدساً ووجهوه إلى رأسها، ودفعوها خارج السيارة، وقادوا السيارة إلى كلية الهندسة، حيث أطلقوا الرصاص على ثلاثة صبية كانوا يخرجون من المبنى. كان الوقت ظهراً. كنتُ أنا في قاعة دراسية قريبة، وحين سمعنا الطلقات كان محاضرنا أول من خرج مسرعاً من الباب. سمعنا صريخاً عالياً، وفجأة احتشد السلم بطلاب وطالبات لا يدرون إلى أين يجرون. في الخارج، كانت الجثث مسطحة فوق المرج. وكانت المرسيدس قد انطلقت مبتعدة بسرعة. أسرع الكثير من الطلاب بحزم حقائبهم، وتقاضى سائقو دراجات الأوكادا النارية ضعف الأجر المعتاد لنقلهم إلى موقف المركبات ليركبوا إحدى الحافلات. وأعلن نائب رئيس الجامعة إلغاء جميع الدروس المسائية وفرض على الجميع عدم الخروج من مبانيهم بعد التاسعة مساء. لم أجد حكمة كبيرة في ذلك، باعتبار أن إطلاق النار حدث في ضوء النهار المتلألئ، ومن المحتمل أن نامابيا لم ير الحكمة في ذلك أيضاً، لأنه في الليلة الأولى من منع التجول لم يأتِ إلى البيت. افترضتُ أنه أمضى الليلة عند أحد أصدقائه، فهو على كل حال لم يكن يأتي إلى البيت دائماً. لكن في الصباح التالي أتى شرطي ليخبر والدي أن نامابيا قد قُبِض عليه في بار مع بعض فتيان الجماعات المتطرفة وهو في قسم الشرطة. صرخت أمي: “إيكوزيكوانا! لا تقل هذا!” قام أبي بشكر رجل الأمن بهدوء. توجهنا إلى قسم الشرطة في البلدة، وهناك كان أحد الشرطة يلوك رأس قلم قذر، وقال لنا: “تعنون صبيان الجماعات المتطرفة الذين قبض عليهم الليلة الماضية؟ لقد أخذوهم إلى إنوغو. قضية خطيرة جداً! يجب أن نوقف مسألة الجماعات المتطرفة هذه بشكل نهائي!”

عدنا إلى السيارة، وتملكنا جميعاً خوف شديد. كانت نسوكا المؤلفة من مدينتنا الجامعية البطيئة المعزولة والبلدة الأبطأ والأكثر انعزالاً مطواعة، فوالدي يعرف مدير الشرطة. لكن إنوغو مجهولة الهوية. وهناك يستطيع رجال الشرطة القيام بما اشتهروا بفعله حين يتعرضون للضغط كي يقدموا نتائج، وهو قتل الناس. كان قسم شرطة إنوغو مجمعاً ممتداً بلا انتظام على الرمال. رشت أمي الشرطي الجالس إلى المكتب بالمال ورز الجولوف مع اللحم، فسمحوا لنامابيا أن يخرج من زنزانته ويجلس معنا على مقعد تحت شجرة منجا. لم يسأله أحد عن سبب بقائه خارج البيت في الليلة السابقة. ولم يقل أحد أن الشرطة كانوا على خطأ حين دخلوا باراً وقبضوا على كل الصبيان المتجمعين هناك، بمن فيهم الساقي. بدلاً عن ذلك، أصغينا إلى نامابيا وهو يتحدث.
قال: “لو أننا ندير نيجيريا مثل هذه الزنزانة، لاختفت مشاكلنا. الأمور منظمة. في زنزانتنا زعيم ومساعد له، وحين تدخل، عليك أن تعطيهما بعض المال. وإن لم تفعل تقع في مشكلة.”
– “وهل كانت معك أية نقود؟” سألت أمي.

ابتسم نامابيا، ووجهه ظهر أجمل من أي وقت مضى، بالرغم من لسعة الحشرة الجديدة التي تبدو وكأنها بثرة على جبينه، وقال إنه أدخل نقوده في مؤخرته بعد القبض عليه بوقت قصير. فقد كان يعرف أن الشرطة ستأخذها إن لم يخبئها، ويعرف أنه سيحتاجها لشراء السلام في الزنزانة. لفترة ما، لم يقل والدي يشيئاً. تصورت نامبيا يلف أوراق مالية من فئة المائة نيرا لتتخذ شكلاً رقيقاً كالسيجارة ويدخلها داخل جسمه. فيما بعد، ونحن في طريق عودتنا إلى نسوكا، قال أبي: “هذا ما كان يجب أن أفعله حين سرق مجوهراتك. كان يجب أن أحبسه في زنزانة.”
أخذت أمي تدق من نافذة السيارة إلى الخارج.
سألتُ: “لماذا؟”
– “لأن هذا قد هزه. ألم يمكنك أن تري؟” سأل أبي بابتسامة. لم أستطع رؤية ما ذكر. لقد بدا نامبيا لي في حال جيدة، وقد أدخل النقود في مؤخرته وما إلى ذلك.

كانت صدمة نامابيا الأولى هي رؤية أحد القراصنة يبكي. كان الصبي طويلاً وصلب العود، ويشاع أنه نفذ أحد حوادث القتل ومن المرجح أن يصبح كابوني في الفصل الدراسي القادم، ومع ذلك فها هو في الزنزانة ينكمش مرتعداً وينتحب بعد أن صفعه رئيس الشرطة صفعة خفيفة على قفا رأسه. أخبرني نامبيا هذا بصوت مبطن بكلا من القرف وخيبة الأمل؛ كان الأمر وكأنه أجبر فجأة على رؤية أن العملاق الخارق “هالك” الذي لا يصدق كان مطلياً بالأخضر فقط. وصدمته الثانية كانت المعلومات التي تلقاها عن الزنزانة رقم ١، أبعد زنزانة عن زنزانته. هو لم يرها قط، ولكن كل يومين كان رجال الشرطة يخرجون رجلاً ميتاً من الزنزانة رقم ١، ويتوقفون عند زنزانة نامابيا للتأكد من أن الجميع قد رأوا الجثة.
أولئك الذين مازالوا في الزنزانة كان باستطاعتهم شراء علب دهان قديمة مملوءة بالماء، كانوا يتحممون صباحاً كل يومين. وحين يخرجون إلى الباحة، كان رجال الشرطة يراقبونهم وكثيراً ما يصيحون: “توقفوا عما تفعلون، وإلا ستذهبون الآن إلى الزنزانة رقم ١!” لم يكن بإمكان نامابيا تخيل مكانا أسوأ من زنزانته المزدحمة إلى حد أنه في أحيان كثيرة كان يقف مضغوطاً إلى الجدار. وكان في الجدار شقوق تعيش فيها حشرات كوالي- كواتا دقيقة الحجم؛ كانت لسعاتها عنيفة وحادة، وحين كان يصيح يهزأ منه نزلاء الزنزانة الآخرين. كانت اللسعات أسوأ خلال الليل، حين كانوا جميعاً ينامون على جوانبهم، قدم أحدهم عند رأس الآخر، لإفساح أحدهم مجالاً للآخر، ما عدا الزعيم، الذي كان ينعم بالنوم وظهره بأكمله على الأرض. كما كان الزعيم هو الذي يقسم صحني الرز كل يوم. بحيث يكون نصيب كل شخص لقمتين.

أخبرنا نامابيا بهذا أثناء الأسبوع الأول. وقد تساءلت اثناء كلامه ما إذا كانت الحشرات على الجدار قد لسعت وجهه أم أن النتوءات المنتشرة على جبينه هي بسبب عدوى. كان يوجد عند رؤوس بعضها صديد بلون القشدة. وبين الحين والآخر، كان يحكها. كنت أريده أن يتوقف عن الكلام. فقد بدا أنه يستمتع بدوره الجديد، دور الذي يخضع للمعاملة المهينة، ولا يفهم مدى الحظ الذي يتمتع به من خلال سماح الشرطة له أن يخرج ويأكل من طعامنا، أو مدى غبائه حين سهر وأمضى تلك الليلة في السكر، ومدى الشك حول فرص إطلاق سراحه.

كنا نزوره كل يوم في الأسبوع الأول. كنا نذهب بسيارة أبي الفولفو القديمة، لأن سيارة أمي البيجو لم تكن آمنة للسفر خارج نسوكا. عند نهاية الأسبوع لاحظت أن والد ي يتصرفان بطريقة مختلفة – بطريقة ليست واضحة أو فجة، ولكنها مختلفة. فأبي توقف عن حديثه الطويل المنفرد فور تجاوزنا نقطة التفتيش حول مدى أمية وفساد الشرطة. لم يعد يذكر اليوم الذي أخرونا فيه لمدة ساعة لأنه رفض رشوتهم، أو كيف أوقفوا حافلة كانت تسافر فيها ابنة عمي الجميلة أوغيتشي واختاروها من بين جميع الركاب ووصفوها بالمومس لأنها كانت تحمل جهازي هاتف محمول، وطلبوا منها مبلغَا كبيراً من المال مما اضطرها للركوع على الأرض تحت المطر وهي تتوسل إليهم أن يخلوا سبيلها. ولم تتمتم أمي أن الشرطة هم عرض من أعراض علة أكبر. بدلاً عن ذلك، أخذ والدي يحافظان على الصمت. وكأنهما برفضهما انتقاد الشرطة سيجعلان بطريقة ما احتمال حرية نامابيا احتمالاً أكبر. كانت الكلمة التي استعملها رئيس الشرطة في نسوكا هي “حساسة.” فإخراج نامابيا في اي وقت قريب سيكون مسألة حساسة، خاصة وأن مفوض الشرطة في إنوغو يجري مقابلات وهو مليء بالارتياح الظافر والاعتزاز حول القبض على أعضاء الجماعات المتطرفة. فمشكلة تلك الجماعات خطيرة، والكل يريد أن يبدو وكأنه يفعل شيئاً.

في الأسبوع التالي قلت لوالدي إننا لن نذهب لزيارة نامابيا. فنحن لا نعرف كم سيطول هذا الأمر، ووقود السيارة باهظ الثمن إلى حد يمنعنا من ركوب سيارتنا ثلاث ساعات يومياً. إضافة إلى ذلك، فإن نامابيا لن يتعرض للأذى إذا دافع عن نفسه لمدة يوم.

قالت أمي إنه لا أحد يتوسل إلي أن أذهب معهما – يمكنني الجلوس في البيت وعدم فعل أي شيء بينما يعاني أخي البريء. بدأت تسير متوجهة إلى السيارة، وركضتُ خلفها. حين صرت خارج البيت، لم أكن متأكدة حول ما يجب فعله، لذلك التقطت حجراً من قرب أجمة إكسورا ورميته على زجاج الفولفو الأمامي. سمعت صوت التكسر وشاهدت الخطوط الصغيرة تنتشر كالأشعة على العشب قبل أن أستدير وأندفع إلى الطابق العلوي وأقفل على نفسي في غرفتي. سمعت امي تصيح، وسمعت صوت أبي. أخيراً حل الصمت. لم يذهب أحد لرؤية نامابيا ذلك اليوم. وقد أدهشني هذا الانتصار الصغير.

زرناه في اليوم التالي. لم نذكر شيئاً عن زجاج السيارة، رغم أن الصدوع كانت منتشرة كالتموجات على جدول متجمد. سألنا الشرطي الجالس وراء الطاولة، وهو الشرطي اللطيف ذو البشرة الداكنة، عن سبب غيابنا في اليوم السابق – فقد اشتاق إلى رز الجولوف الذي تعده أمي. وتوقعت من نامابيا أن يسألنا ايضاً، بل وأن يبدي الانزعاج، لكنه بدا رصيناً على نحو غريب. ولم يأكل الرز كله.

سألته أمي: “ما المشكلة؟” وبدأ نامابيا يتحدث على الفور، وكأنه كان ينتطر أن يسأل. لقد دفِع برجل كبير السن إلى زنزانته في اليوم السابق – رجل قد يكون في منتصف العقد الثامن، أبيض الشعر، جلده متغضن غضوناً دقيقة، ويبدو عليه وقار من النوع القديم. كان ابنه مطلوباً بتهمة السرقة المسلحة، وحين لم يعثر رجال الشرطة على الابن، قرروا أن يحبسوا الأب.
قال نامابيا: “لم يفعل الرجل شيئاً.”
قالت أمي: “ولكن أنت أيضاً لم تفعل شيئاً.”
هز نامابيا رأسه وكأن أمنا لم تفهم. وفي اليوم التالي، كان أكثر قهراً. قل كلامه، ودار في معظمه حول الرجل العجوز: كيف أنه لم يستطع شراء ماء للاستحمام، وكيف أن الآخرين سخروا منه واتهموه بأنه يخبئ ابنه، وكيف تجاهله الزعيم، وكيف بدا مرعوباً وضئيلاً بشكل مروع.
سألت أمي: “هل يعرف أين يوجد ابنه؟”
قال نامابيا: “إنه لم ير ابنه منذ أربعة شهور.”
قالت أمي: “هذا خطأ بالطبع. لكن هذا ما يفعله رجال الشرطة دائماً. إن لم يجدوا الشخص الذي يبحثون عنه، فإنهم يحبسون قريبه.”
قال نامابيا: “الرجل مريض. يداه ترتجفان حتى وهو نائم.”
أغلق وعاء الرز والتفت إلى أبي: “أريد أن أعطيه بعض هذا الطعام، ولكن إذا أدخلته إلى الزنزانة، فسيأخذه الزعيم.”
ذهب أبي وسأل الشرطي الجالس إلى الطاولة إن أمكن أن يسمح لنا أن نرى الرجل الكبير المسن الموجود في زنزانة نامابيا لبضع دقائق. كان الشرطي هو الفظ ذو البشرة الفاتحة الذي لم يشكر أمي قط حين تعطيه رشوة الرز والمال، والآن كشر في وجه أبي وقال إن من الممكن أن يفقد وظيفته للسماح حتى لنامابيا بالخروج ومع ذلك فها نحن نطلب شخصاً آخر! هل نعتقد أن هذا هو يوم الزيارات في مدرسة داخلية؟ عاد أبي وجلس وهو يتنهد، وبدأ نامابيا يحك بصمت وجهه المليء بالبثور.

في اليوم التالي لم يأكل نامابيا من الرز سوى النذر اليسير. قال إن رجال الشرطة رشّوا ماء ممزوجاً بالصابون على أرض وجدران الزنزانة، كما هي عادتهم، وأن الرجل الهرم الذي مضى عليه أسبوع دون استحمام نزع قميصه وأخذ يحك ظهره الذاوي بأرض الزنزانة المبتلة. بدأ رجال الشرطة يضحكون حين رأوه يفعل ذلك، وطلبوا منه أن ينزع جميع ملابسه ويمشي وكأنه في عرض في الممر خارج الزنزانة، وأثناء قيامه بذلك، ارتفعت أصوات ضحكهم وسألوه ما إذا كان ابنه اللص يعرف أن ردفي والده متضائلان إلى هذا الحد. كان نامابيا يحدق في الرز الأصفر البرتقالي وهو يتكلم، وحين رفع عينيه، كانتا مليئتين بالدموع، أخي الدنيوي، وشعرتُ بحنان تجاهه ليس باستطاعتي وصفه لو طُلب مني ذلك.

حدث هجوم جديد في المدينة الجامعية بعد يومين – قطّع أحد الصبيان صبياً آخر بالفأس.

قالت أمي: “هذا جيد. الآن لا يمكنهم القول إنهم قد قبضوا على جميع صبيان الجماعات المتطرفة.” لم نذهب إلى إنوغو ذلك اليوم؛ بدلاً عن ذلك ذهب والدي لمقابلة رئيس الشرطة المحلية، وعادا بخبر سار. سيتم الإفراج عن نامابيا وساقي البار على الفور. فقد أصر أحد صبيان جماعة متطرفة خلال التحقيق أن نامابيا ليس عضواً. في اليوم التالي، غادرنا في وقت أبكر من المعتاد، بدون رز الجولوف. كانت أمي عصبية دائماً ونحن في السيارة، تقول لأبي “نِكوا يا! انتبه!” وكأنه غير قادر على رؤية السيارات التي تقوم باستدارات خطرة في المسار الآخر، لكن هذه المرة فعلت ذلك مرات كثيرة إلى درجة جعلت والدي يوقف السيارة على طرف الطريق قبل وصولنا إلى الميل التاسع ويسأل بحدة: “فقط أخبريني، من الذي يقود هذه السيارة؟”

كان شرطيان يجلدان رجلاً مستخدمين سوط الكوبوكو حين دخلنا بالسيارة إلى قسم الشرطة. في البداية ظننت أنه نامابيا، ثم ظننت أنه الرجل العجوز من زنزانته. لكن الرجل لم يكن أياً منهما. كنت أعرف الصبي الملقى على الأرض الذي كان يتلوى ويصيح بعد كل جلدة. كان اسمه أبوي، وله وجه قاتم قبيح كوجه كلب الصيد، وكان يركب سيارة لكزس ويتجول فيها في المدينة الجامعية، ويقال إنه من القراصنة. حاولت ألا أنظر إليه ونحن ندخل. أشاح الشرطي المناوب – الذي كانت على خده علامات قبلية والذي كان دائماً يقول “بارككم الله” حين يستلم رشوته – بوجهه حين رآنا، وأدركت أن هناك شيئاً غير سليم. أعطاه والدي المذكرة من رئيس الشرطة. لم يقم الشرطي حتى بإلقاء نظرة سريعة عليها. قال لأبي إنه على دراية بأمر الإفراج، وإن ساقي البار قد أخلي سبيله بالفعل، ولكن بالنسبة للصبي يوجد بعض التعقيد. بدأت أمي تصرخ: “ماذا تعني؟ أين ابني؟”
نهض الشرطي، وقال: “سأدعو رئيسي ليشرح لكم.”
هجمت أمي عليه وشدت قميصه: ” أين ابني؟ أين ابني؟” شدها أبي وأبعدها عنه، ومسح الشرطي صدره بيده، وكأنها تركت عليه بعض الغبار، ثم دار وابتعد.
سأل أبي: ” أين ابني؟” بصوت هادئ وفولاذي جعل الشرطي يتوقف.
– “لقد أخذوه من هنا ياسيدي.”
أخذت أمي تصرخ: “أخذوه من هنا؟ ماذا تقول؟ هل قتلتم ابني؟ هل قتلتم ابني؟”
سأل والدي مرة أخرى: “أين ابننا؟”
– “لقد قال رئيسي إني يجب أن أدعوه حين تأتون”، قال الشرطي ذلك، وأسرع هذه المرة ودخل من أحد الأبواب.
بعد أن ذهب انتابني ذلك الشعور بقشعريرة الخوف؛ أردت أن أجري وراءه وأن أشد قميصه كما فعلت أمي إلى أن يأتي بنامابيا. خرج الشرطي الأعلى رتبة، وبحثت عن دليل في وجهه الخالي من أي تعبير.
قال لأبي: “يومكم سعيد يا سيدي.”
سأل والدي: “أين ابننا؟” وأخذت أمي تتنفس بصوت عال.
– “لا توجد مشكلة يا سيدي. كل ما في الأمر أننا نقلناه. سآخذكم إلى هناك على الفور.” كان في تصرف الشرطي شيء عصبي؛ بقي وجهه خالياً من التعبير، لكنه لم ينظر في عيني أبي.
– “نقلتموه؟”
– “لقد وصلنا الأمر هذا الصباح. كان من الممكن أن أرسل شخصاً كي يحضره، لكن ليس لدينا وقود للسيارة، لذلك كنت أنتظرك أن تأتي كي أستطيع أن نذهب معاً.”
– “ما السبب وراء نقله؟”
– “لم أكن هنا يا سيدي. قالوا إنه أساء التصرف أمس فأخذوه إلى الزنزانة رقم ١١، ثم مساء الأمس جرت عملية نقل لجميع نزلاء الزنزانة رقم ١ إلى موقع آخر.”
– “أساء التصرف؟ ماذا تعني؟”
– “لم أكن هنا يا سيدي.”
تكلمت أمي بصوت كسير:
– “خذوني إلى ابني! خذوني إلى ابني في هذه اللحظة!”
جلستُ على المقعد الخلفي مع الشرطي، الذي فاحت منه رائحة كافور قديم بدا أنها بقيت وخّلدت في صندوق سيارة أمي. لم يتكلم أحد باستثناء الشرطي حين كان يدل أبي على الطريق. وصلنا بعد حوالي خمس عشرة دقيقة، وكان أبي يقود بسرعة جامحة. بدا المجمع المسور القديم مهملاً، وفيه بقع من العشب النامي أكثر مما ينبغي انتشرت فوقها زجاجات قديمة وأكياس بلاستيكية. لم يكد الشرطي ينتظر أن يوقف أبي السيارة قبل أن يفتح الباب ويخرج بسرعة، ومرة أخرى شعرتُ بقشعريرة تتملكني. كنا في جزء مهجور من البلدة، ولم تكن هناك لافتة تشير إلى أن هذا قسم شرطة. كان يفوح في الجو شعور غريب بالهجران. لكن الشرطي سرعان ما خرج ومعه نامابيا. هاهو إذن، أخي الوسيم، يمشي نحونا ويبدو أنه لا تغير قد طرأ عليه، إلى أن اقترب بما يكفي لأن تحتضنه أمي، فقد رأيته يجفل ويرجع إلى الخلف – كانت ذراعه مغطاة بآثار ضرب تبدو طرية. وكان أنفه محاطاً بدم جاف.
سألته أمي: “لم ضربوك بهذا الشكل؟” التفتت إلى الشرطي: “لم يا ناس فعلتم هذا بابني؟ ما السبب؟”

رفع الرجل كتفيه. بدت وقاحة جديدة في طريقته في السلوك، فكأنه لم يكن من قبل متأكداً حول عافية نامابيا، لكنه الآن وقد اطمأن أمكنه أن يسمح لنفسه بالكلام. “لا تستطيعون تنشئة أولادكم تنشأة صحيحة – جميعكم الذين تعتبرون أنفسكم ذوي أهمية لأنكم تعملون في الجامعة – وحين يسيء أولادكم التصرف تعتقدون أنه لا يجب أن يعاقبوا. أنتم محظوظون أنهم
أطلقوا سراحه.”
قال ابي: “هيا نذهب.”
فتح الباب وركب نامابيا، وتوجهنا إلى بيتنا. لم يتوقف أبي عند أي حاجز من حواجز الشرطة على الطريق، وفي إحدى المرات أشار شرطي إشارة تهديدية ببندقيته ونحن نمر بسرعة من جانبه. والمرة الوحيدة التي فتحت أمي فمها على الطريق إلى البيت كانت لتسأل نامابيا إذا كان يريد أن نتوقف لشراء بعض الأوبكا. لكن نامابيا اجاب بالنفي. وكنا قد وصلنا إلى نسوكا قبل أن يتكلم أخيراً :
– “أمس سأل رجال الشرطة الرجل العجوز ما إذا كان يريد نصف سطل مجاني من الماء. قال نعم. لذلك قالوا له أن يخلع ملابسه ويسير عارضاً نفسه في الممر. كان معظم زملائي في الزنزانة يضحكون. وقال بعضهم إنه لا يجوز معاملة رجل كبير في السن على هذا الشكل”.. تنهد نامابيا ثم واصل “صرختُ في رجال الشرطة. قلت لهم إن الرجل العجوز بريء ومريض، وإن أبقوه هنا فلن يعرفوا مكان ابنه، لأن الرجل لم يكن حتى يعرف أين ابنه. طلبوا مني أن أخرس على الفور، وهددوا بأن يأخذوني إلى الزنزانة رقم ١. لم يعد ذلك. يهمني، ولم أسكت. لذا جروني إلى الخارج وأخذوني إلى الزنزانة رقم ١”

توقف نامابيا عند هذه النقطة، ولم نسأله عن أي شيء آخر. بدلاً عن ذلك، تخيلتُه يصف الشرطي بالغبي الأحمق، الجبان الضعيف، ذي النزعة السادية، ابن الزنا، وتخيلتُ اندهاشة الشرطي – الزعيم يحدق وفمه مفتوح ونزلاء الزنزانة الآخرين في حالة صدمة لجرأة الفتى القادم من الجامعة وتهوره. وتخيلت الرجل الهرم نفسه ينظر باعتزاز ويرفض بهدوء أن يخلع ملابسه. لم يقل نامامبيا ما جرى في الزنزانة رقم ١، أو ما حدث له في الموقع الجديد. كان من السهل جداً عليه ، أخي الوسيم، أن يحول قصته إلى مسرحية مصقولة، لكنه لم يفعل.

أديبة وروائية من نيجيريا

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً